دول الخليج تحصنت بضرورات واقعية أمام مد تقسيم المنطقة

تفاعلات "الربيع العربي" سرّعت من تحرك قوى المنطقة لترسيخ موقعها.
الثلاثاء 2020/12/08
الخليج ثابت رغم العواصف الأميركية

قلبت القوى الأبرز في منطقة الخليج السلبيات، التي شكلتها تفاعلات “الربيع العربي”، إلى فرص متسلحة بالضرورات الواقعية المتمثلة في ضمان استدامة الاستقرار واستتباب الأمن في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد كانت الانتفاضات المدعومة من إدارة الرئيس باراك أوباما بالنسبة إليها نقطة مفصلية للإسراع في تنفيذ استراتيجيتها وترسيخ مكانتها أمام مد تقسيم المنطقة الذي تتبناه الولايات المتحدة بأدوات الإسلام السياسي.

دبي – نشرت انتفاضات “الربيع العربي”، التي تسبّبت بإسقاط أو إضعاف أنظمة عربية قبل عشر سنوات لنشر مشروع الولايات المتحدة لأخونة المنطقة، القلق بين دوائر صنع القرار السياسي في دول الخليج العربي، ولكنها شكّلت أيضا فرصة لها لتعزيز مكانتها، فبرزت قوى خليجية كمركز ثقل عربي جديد في الشرق الأوسط.

وأدركت دول المنطقة مبكرا أن تلك الموجة لن تحقق إلا الفوضى، وعملت على توحيد الصفوف بوجه المد الأميركي لتقسيم البلدان العربية وفق أهواء إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ومنذ ذلك الحين، شكلت السعودية والإمارات قوة أمام محور قطر التي تعد الحاضنة الأبرز للإخوان لتكون بمثابة مركز ثقل عربي جديد.

مركز قوة

بدر السيف: إضعاف القوى التقليدية جعل الخليج مركز القوة العربية
بدر السيف: إضعاف القوى التقليدية جعل الخليج مركز القوة العربية

شهدت المنطقة العربية خلال العقد الأخير العديد من التغييرات الجوهرية تبلورت بشكل أوضح خلال الفترة الأخيرة من ولاية أوباما، والذي كان اهتمامه منصبّا على توقيع اتفاق مع إيران مهما كانت النتائج وترك الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يغرق في أزماته بعد تداعي الأنظمة الحاكمة.

ورغم السلبيات الكثيرة، التي جاءت بها هذه السياسة، والتي بدأت أساسا خلال عهد الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش في أعقاب الغزو الأميركي للعراق ومنح هذا البلد لإيران، إلا أنها كانت من بين الأسباب التي دفعت نحو بلورة رؤية خليجية جديدة.

وقد استغلت تلك الفرصة السعودية والإمارات حيث تقدمتا بثبات كقوى مؤثرة وفاعلة أعادت رسم ملامح المشهد الأمني والسياسة الخارجية للخليج وللمنطقة بشكل عام في واحدة من المراحل الحساسة في تاريخها.

ويقول الأستاذ المساعد في التاريخ بجامعة الكويت، بدر السيف، لوكالة الصحافة الفرنسية إن “إضعاف مراكز القوة التقليدية العربية جعل من الخليج للمرة الأولى في التاريخ الحديث مركز القوة العربية”.

ومنذ عام 2011، يشهد العالم العربي موجة ثورات تخللتها احتجاجات شعبية في دول عدة رفضا للطبقات الحاكمة، التي ينظر إليها على أنها فاسدة وقمعية وغير كفوءة. وقد طالت احتجاجات “الربيع العربي” سلطنة عمان والبحرين، ولكن تم إخماد الشرارة بسرعة خصوصا في البحرين إثر طلب المنامة مساعدة من حليفتيها السعودية والإمارات.

وتدخلت قوات درع الجزيرة، وهي قوات مشتركة تابعة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في البحرين خلال منتصف مارس 2011 بناء على طلب من الحكومة البحرينية بهدف نزع فتيل الاحتجاجات التي تسببت في فوضى سرعان ما استغلتها إيران لدعم الطائفة الشيعية في أصغر بلدان الخليج.

وأدت الاحتجاجات إلى سقوط نظامي زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، وكذلك أسقطت نظامي معمر القذافي في ليبيا وعلي عبدالله صالح في اليمن، لكن حربين مدمرتين اندلعتا في البلدين ولا تزالان قائمتين، فضلا عن سوريا حيث لم يسقط نظام بشار الأسد، وإن كانت تقلصت سيطرته على أرجاء البلاد.

واللافت أنه في مصر استطاعت القوى السياسية تدارك الأمور سريعا بإسقاط حكم الإخوان، وهذا الأمر دفع القاهرة إلى تشكيل تحالف مع الرياض وأبوظبي على كافة الأصعدة من أجل مواجهة المشروع الأميركي المتمثل في تثبيت تيار الإسلام السياسي، والذي ارتدّ على واشنطن عندما تزايدت أنشطة الجماعات الإرهابية وأدى إلى ولادة تنظيم داعش.

وعلى خط مواز، يشهد العراق منذ الغزو الأميركي عام 2003 عدم استقرار وحروبا. ومثل سوريا، تنتشر فيه مخيمات النازحين، وتحول إلى ساحة للتدخلات الأجنبية. وتتناقض هذه الصورة تماما مع مظاهر الازدهار في الإمارات، التي تجذب الملايين من الأجانب بناطحات السحاب والطرق الجديدة والبنى التحتية المتطورة.

زمام المبادرة

نحو بناء مركز ثقل عربي جديد
نحو بناء مركز ثقل عربي جديد

استطاعت القوى الأكبر في الخليج أن تحشد قواها، وبالتالي المسك بزمام المبادرة، ومع أن البعض من المراقبين والباحثين لم يروا أن الخليج قادر على عيش لحظة توفّر له الأمن بذاته ومن ذاته، إلا أنه في المقابل ارتكز على عامل مهم وهو أن أمن منطقة الخليج جزء أساسي لأمن الشرق الأوسط برمته.

ويوضح بدر السيف لوكالة الصحافة الفرنسية أن “الربيع العربي” فتح “أعين” دول الخليج الحليفة والمقربة من الولايات المتحدة في المنطقة، على غياب أي رد فعل أميركي على مواجهة الأنظمة في مصر والبحرين صعوبات واحتجاجات شعبية.

ويضيف الباحث الكويتي “كانت هذه بداية إدراك دول الخليج بأنها بحاجة للإمساك بزمام الأمور بنفسها بسبب عدم وجود ضمانات باستقرار أمني ثابت من جانب الولايات المتحدة”.

وبحسب السيف، فإن دول الخليج كانت تتحضر لتعزيز نفوذها حتى قبل عام 2011، وهو ما أشار إليه الأكاديمي الإماراتي عبدالخالق عبدالله حينما قال إن “الربيع العربي سرّع من هذا التوجه وقام بترسيخه وإبرازه”.

إيمان الحسين: بعض دول الخليج ترفض النزعة الإسلامية العابرة للحدود
إيمان الحسين: بعض دول الخليج ترفض النزعة الإسلامية العابرة للحدود

ويتجلى هذا التوجه خصوصا في الإمارات وقطر. أما بالنسبة إلى السعودية، فهي تشكل أصلا مركزا للثقل العربي بقوتها الاقتصادية كونها أول مصدر للنفط الخام في العالم، ومكانتها الدينية إذ يوجد فيها أقدس المواقع في الإسلام.

ويرى عبدالله أن الدوحة “قلبت الربيع العربي لصالحها” و”لعبت دورا فيه” خصوصا مع تغطيتها للاحتجاجات عبر محطة “الجزيرة” التلفزيونية، التي أعقبها نجاح مؤقت للأحزاب الإسلامية خصوصا في كل من تونس ومصر، وفي المقابل استفادت الإمارات من موقعها “كملاذ آمن” لاسيما مع جذب الاستثمارات إلى إمارة دبي.

وفي الشرق الأوسط المليء بالصراعات والفقر، تستعد قطر لاستقبال كأس العالم لكرة القدم 2022، في حين أرسلت الإمارات رائد فضاء قبل إطلاق مسبار باتجاه المريخ، بينما ترأست السعودية مؤخرا مجموعة العشرين.

وهذا التنافس ازداد بعدما قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها الدبلوماسية مع قطر في الخامس من يونيو 2017، واتهمت الدول الأربع الدوحة بدعم جماعات إسلامية متطرفة، الأمر الذي نفته الدوحة.

وتشير الباحثة في معهد دول الخليج في واشنطن، إيما سوبرير، إلى أن هذه الدول الثلاث، في إشارة إلى السعودية والإمارات وقطر، تجد نفسها، بالتزامن مع صعود نجمها، في “تنافس على القوة”.

ويتضح ذلك أيضا من خلال الصراعات في دول ليبيا واليمن وسوريا، وعلى سبيل المثال، تدعم الإمارات القائد العسكري النافذ المشير خليفة حفتر بوجه حكومة الوفاق الإسلامية المدعومة من تركيا وحليفتها قطر، بينما تقود السعودية تحالفا منذ العام 2015 ضد الحوثيين المدعومين من إيران لدعم الشرعية اليمنية بقيادة الرئيس عبدربه منصور هادي، الذي يدير شؤون الدولة من مدينة عدن الجنوبية.

وبحسب سوبرير، فإن هذا التدخل في غياب أي تفويض من الأمم المتحدة يشكل منعطفا “فقد تم إرسال رسالة إلى الشركاء الغربيين مفادها أن الإمارات أصبحت الآن قوة إقليمية قادرة على ضمان مصالحها من خلال الضربات العسكرية إذا لزم الأمر”.

وبدأت دول خليجية أيضا باتخاذ قرارات دبلوماسية مثل التقارب مع إسرائيل، مع تطبيع الإمارات والبحرين علاقاتهما مع الدولة العبرية. وخلال الأيام الماضية، صدرت إشارات عن احتمال التقدم نحو حل بين قطر ودول الخليج.

وترى إيمان الحسين، الباحثة السعودية غير المقيمة بمعهد دول الخليج في واشنطن، أنه خلافا للقوى العربية القديمة، ترفض بعض الدول الخليجية “القومية العربية أو النزعة الإسلامية العابرة للحدود” التي أعادت التذكير بها ثورات “الربيع العربي”.

وتقول إن “مفهوم القومية ليس مقتصرا على منطقة الخليج، بل هو اكتسب زخما في كل العالم”، مشيرة إلى عدم إيلاء هذه الدول أهمية كبرى إلى مشاعر الشارع العربي.

7