دول الخليج تهيئ مجتمعاتها لأزمات ما بعد كورونا

الحكومات في الخليج تعزز ثقة شعوبها بسبب تبنيها لسياسات الشفافية لطمأنة المواطنين وإعدادهم لتقاسم الأعباء استعداد لمرحلة ما بعد كورونا.
السبت 2020/05/30
ثقة عالية في الخيارات الحكومية

أظهرت أزمة كورونا قدرة دول الخليج العربي على تطويق الأزمات الصحية، وكذلك اعتمادها على كفاءاتها في المجال الطبي وخبرتها الطويلة في التعاطي مع الأوبئة خاصة في المملكة العربية السعودية. وقد اختارت الحكومات في الخليج تبني سياسة الشفافية لطمأنة المواطنين وإعدادهم لتقاسم الأعباء في مرحلة ما بعد كورونا.

واشنطن – عززت دول الخليج ثقة شعوبها بسبب تبنيها سياسة الشفافية في تعاملها مع وباء كورونا المستجد والأزمة الاقتصادية المرتبطة به. وتسعى الحكومات الخليجية لاستثمار هذه الثقة في تبني سياسات تهدف إلى إعداد مجتمعات لتقبل فكرة تقاسم الأعباء والاستعداد لمفاجآت مرحلة ما بعد كورونا وإدارة الاقتصاد المتضرر من مخلفات الوباء وهبوط أسعار النفط.

وكانت التداعيات للوباء في دول الخليج أكبر بكثير من مجرد إلحاق الضرر بقاعدة الإيرادات والدخول الشهرية للعائلات والأسر. وقد دفعت هذه التداعيات إلى اعتماد خطط تغيير هيكلية هائلة بطرق لم تأخذها خطط التنويع الاقتصادي في الحسبان.

ولم يتضح بعد ما إذا كانت دول الخليج يمكن أن تواصل مستقبلا التركيز على المشاريع العملاقة التي تلفت الانتباه مثل “مشروع نيوم” في المملكة العربية السعودية، وهي المدينة المستقبلية والتي تقدر قيمتها بنحو 500 مليار دولار على البحر الأحمر، إلا أنه من المؤكد أنه في أعقاب هذه الجائحة، ستضطر دول الخليج إلى مراجعة سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وسيكون الرهان مستقبلا على الشفافية لتطويق الأزمات.

ويرى جيمس دورسي المحلل السياسي والخبير بقضايا الشرق الأوسط، أن الشفافية والتقارير العامة الدقيقة والمفصلة في صميم التغييرات التي ستشهدها دول الخليج، كما أنها أساسية بالنسبة لقرارات المستثمرين والاقتصاديين وشركات التصنيف الائتماني في وقت تكون فيه التوقعات الاقتصادية لدول الخليج موضع شك، وفي وقت يشكو فيه البعض من أن التأخير في إعداد تقارير الناتج المحلي الإجمالي وعدم سهولة الوصول إلى الإحصاءات يعقدان عملية صنع القرار.

 ورغم ما سيحدثه الالتزام بالشفافية من تحسين جودة بيانات الحسابات المالية، إلا أنه سيضاعف الثقة الشعبية في قدرة حكومات دول الخليج على إدارة الأزمات الطارئة. وقد أظهرت الجائحة فاعلية دول الخليج في احتواء الأوبئة واستعادة الاستقرار الصحي على الرغم من الصعوبات التي تجلت في بداية الأزمة بسبب تحدي العمالة الوافدة والمهاجرين.

جيمس دورسي: الشفافية في صميم التغييرات التي ستشهدها دول الخليج
جيمس دورسي: الشفافية في صميم التغييرات التي ستشهدها دول الخليج

وقد تصرفت معظم حكومات دول الخليج في وقت مبكر وبشكل حاسم من خلال فرض إجراءات الحجر الصحي وإخضاع المواطنين للاختبارات وإغلاق الحدود وإعادة المواطنين من الخارج، إضافة إلى تعليق الشعائر الدينية، خاصة في السعودية، تجنبا للعدوى.

تجارب طويلة

من المؤكد أن دول الخليج، وخاصة السعودية التي تستقبل الملايين من الحجاج المسلمين من جميع أنحاء العالم كل عام، لديها تاريخ طويل في التعامل مع الأوبئة. كذلك الحال في دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان، وهي الدول التي كانت أفضل استعدادا من الدول الغربية.

واستنادا إلى تجاربها السابقة اقتنعت السعودية بضرورة منع شعائر العمرة في أواخر شهر فبراير، قبل أيام من ظهور أول حالة إصابة بفايروس كورونا على الأراضي السعودية، ما مكنها من الاستعداد بشكل استباقي لمواجهة الفايروس، وبالتالي حماية أرواح المواطنين.

وبالإضافة إلى المخاوف الصحية، كان لدى السعودية سبب إضافي لمعالجة قضية الوباء بشكل صحيح، حيث لم تقدم محنة الوباء للمملكة فقط الفرصة لإثبات جدارتها في تطويق الأوبئة وكفاءتها الصحية، بل مكنتها من كسب ثقة الشعوب المسلمة في قدرتها على تأمين وحماية الشعائر الدينية.

وتلفت ياسمين فاروق، الباحثة في الشؤون السعودية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إلى أن “السعودية مرجع للعديد من الجاليات المسلمة حول العالم”.

لكن، لا شك أيضا في أن السعودية استفادت من تجارب سابقة، وذلك بعد الانتقادات التي واجهتها في معالجتها وباء “متلازمة الشرق الأوسط التنفسية” في عام 2012 عندما أصبحت المملكة بؤرة لانتشار الوباء، وفي عام 2009 عندما تفشى فايروس إنفلونزا الخنازير. وقد تقدّم تصنيف السعودية 18 مرتبة ضمن مؤشر شفافية الميزانية، مقارنة بالمسح السابق، وذلك بعد ارتفاع درجة تقييم المملكة إلى 18 نقطة مقابل نقطة واحدة في المسح السابق الصادر عام 2017 عن منظمة “الشراكة الدولية للميزانية”.

أولوية الشفافية

تعززت ثقة شعوب الخليج في قياداتها بشأن استجابتها الحالية للوباء بدرجات من الشفافية حول تطور المرض من خلال التحديثات اليومية لعدد الضحايا والوفيات. وتعززت هذه الثقة كذلك بعد أن ألقى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز خطابا بمجرد أن ضرب الوباء البلاد أعلن فيه مجموعة من الإجراءات لمكافحة الفايروس ودعم الاقتصاد.

وتلفت ياسمين فاروق إلى أن المجتمع الخليجي اتبع التعليمات الحكومية خلال فترة الوباء بسبب “ثقته في الحكومة والخبراء، وكذلك بسبب ثقته في المؤسسة الدينية التي كانت تتبع القرارات الفنية للحكومة”. وكانت حدود الشفافية الحكومية واضحة في حقيقة أن السلطات لم تكن تركز على تفاصيل الإنفاق العام على الوباء، بقدر ما كانت تركز على المعدات الطبية المتاحة مثل أجهزة التهوية والإمدادات الأخرى مثل مجموعات الاختبار.

وأبدى العالم السياسي ناثان براون تفاؤله من تقدم مستوى الشفافية لدى دول الخليج وعلق بالقول “أعتقد أن الشعوب العربية في منطقة الشرق الأوسط ستثق في من أعطاها معلومات موثوقة، ومن كان هناك من أجلها”.

ياسمين فاروق: المجتمع الخليجي اتبع التعليمات بسبب ثقته في الحكومة
ياسمين فاروق: المجتمع الخليجي اتبع التعليمات بسبب ثقته في الحكومة

ويتساءل الخبراء عما إذا كانت الحكومات ستدرك مدى ضرورة وأهمية الشفافية للحفاظ على ثقة شعوبها، لاسيما وأنها مضطرة الآن إلى إعادة صياغة العقود الاجتماعية التي كانت متجذرة في مفاهيم دولة تضمن الرفاهية لمواطنيها ولكنها مضطرة الآن إلى تقاسم العبء والدخول بشكل اضطراري في سياسة التقشف.

ورغم أن حكومات الخليج لم تفصح حتى الآن سوى عن القليل عن تقاسم الأعباء وبنسب ضعيفة مع اكتفاء الدولة بلعب الدور الرئيسي، كما لم توضح بعد قرارات الاستثمار من قبل صناديق الثروة السيادية وتوقعاتها الاقتصادية، إلا أنها تهيئ مجتمعاتها لأزمة اقتصادية متوقعة.

وحذر كبار المسؤولين الحكوميين ورجال الأعمال في الخليج من الأوقات الصعبة القادمة. وتوقعت دراسة حديثة أجرتها غرفة التجارة والصناعة في دبي على المديرين التنفيذيين أن 70 في المئة من شركات الإمارات ستفقد أعمالها في الأشهر الستة المقبلة، بما في ذلك نصف مطاعمها وفنادقها وثلاثة أرباع شركات السفر والسياحة.

وحذر وزير المالية السعودي محمد الجدعان في وقت سابق من هذا الشهر من أن السعودية ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات قاسية، وستخفّض من الإنفاق نتيجة لانهيار أسعار النفط وانخفاض الطلب عليه بشكل كبير. وأكد الجدعان أنه “طالما لم نلمس الحاجات الأساسية للناس، فإن جميع الخيارات مفتوحة أمامنا”.

وتوضح تصريحات الجدعان التأثير الذي سيقع على المواطنين السعوديين الباحثين عن عمل في سوق العمل، في الوقت الذي سيقل فيه عدد العمال المهاجرين المتاحين للوظائف التي لم يرغب السعوديون في العمل بها منذ فترة طويلة.

لكن، وفي نفس الوقت، لم يتم ذكر زيادة عدد السعوديين الذين تقدموا للعمل في خدمات التوصيل بنسبة 286 في المئة. وقد تم تعزيز هذه الزيادة من خلال عرض قدمه صندوق تنمية الموارد البشرية السعودي لدفع رواتب للسائقين بقيمة 800 دولار أميركي شهريا، فضلا عن زيادة الأعمال التطوعية حديثا في جميع أنحاء الخليج.

واعترف الكثيرون بحقيقة أن المناصب الحكومية ذات الأجور الجيدة والمريحة قد لا تكون متاحة كما كانت في الماضي، ما يعني التهيؤ لسيناريوهات اقتصادية قاسية.

وما يمكن استنتاجه أن تخطي الشفافية ومصارحة المواطنين بحقيقة الوضع الوبائي وتداعياته الوخيمة على الاقتصاد، ساهما في بلورة رؤية جديدة تؤسس لتضامن اجتماعي لمواجهة الأزمات. قد يكون هذا هو الجانب المضيء حيث تشعر دول الخليج بالضغوط لإعادة اكتشاف نفسها في عالم يخرج من جائحة قد تعيد رسم الخرائط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

7