دول الربيع العربي تنشد الحرية والتحول الديمقراطي بعيد المنال

السبت 2013/12/28
زمن "الربيع العربي".. انتقال غير محسوم وأفق مفتوح على كل الاحتمالات

عكست الانتفاضات الشعبية التي مرت بها المنطقة العربية قبل 3 سنوات سقوط أنظمة ديكتاتورية، في مقابل صعود تيارات الإسلام السياسي التي استثمرت الحراك في المنطقة لصالحها، فيما ظلت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تراوح مربع الصفر.

شارفت ثورات ما يسمى بـ”الربيع العربي” على استكمال سنتها الثالة، ورغم ذلك لا يزال المشهد السياسي في تلك البلدان التي كانت مسرحا لهذا الحراك، لم تتضح معالمه بعد ولم تحسم جغرافيته، بل تعددت الآراء والمواقف، وكثرت الأسئلة والأجوبة بشأن محركاتها الحقيقية (داخلية محضة أم خارجية أم هما معا بحجم تدخلات مختلفة)، وما ستؤول إليه الأوضاع السياسية في ظل واقع متغير باستمرار وتجاذبات وصراعات حول مواقع القوة.


أنظمة جديدة بنسخة سابقة

تلتقي أغلب المواقف والآراء حول الإقرار بانفتاح البلدان التي مرّت بهذه التجارب على كافة الاحتمالات، قد يكون أقلها تشاؤما، لدى وجهات نظر بعينها، ميلاد أنظمة من رحم سابقتها بنفس ملامحها العائلية وبتفاصيل قد تكون مجرد تنويعات تمويهية ليس إلا. ففي ظل ما يجري حاليا من ارتباك وفقدان كلي للبوصلة لدى البعض، ومن تناحر وتصادم يضع بعض هذه البلدان على شفير الحرب الأهلية، حيث تتعدد احتمالات وأشكال واقع حال ما ستنتهي إليه هذه التجارب.

وما بين احتمال نجاح بعضها في إرساء النواة الصلبة الأساس لتثبيت أنظمة حكم تتجه بالفعل إلى البحث عن تأسيس أرضية لديمقراطيتها وصولا في يوم ما إلى الديمقراطية الحلم، وانغماس البعض في الفوضى والعدمية والتناحر، وسقوط البعض الآخر في حضن نظام أسوأ من سابقه، مسافات زمنية ليست بالهينة بالنسبة لمستويات نضج تدبير المرحلة وتوقع مآلاتها وقراءتها بالحياد المطلوب.

وفي الوقت الذي يصر فيه محللون على أنه من قبيل المجازفة التكهن بما ستؤول إليه مصائر هذه التجارب، يرى آخرون أن مخاض التغيير في هذه البلدان، والذي قد يمتد لدى بعضها زمنيا بشكل يصعب تكهن مداه، يحمل في ثناياه بذور الفشل والنجاح معا.

الربيع الإسلامي.. استغلال تيارات الإسلام السياسي للانتفاضات الشعبية في الوطن العربي
القاهرة - بعد سقوط الأنظمة العربية سعى الإسلاميون إلى السيطرة على حصتهم في السوق السياسي ما أحدث شرخاً عميقاً بين ما يسمى بالدوائر الليبرالية والإسلامية، لوجود انقسام واختلاف أيديولوجي لا يمكن تجاوزه بين هذه التنظيمات، ومع أن القوى الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر حاولت قبل الصعود إلى السلطة إخفاء الانشقاقات الأيديولوجية والفجوة العلمانية للإسلاميين، إلا أنها في كثير من الأحيان كانت بمثابة حفلة تنكرية، مما أدى إلى فشلها فشلا ذريعا، وانهيار منظومتها التي كانت الجماعة حريصة على حمايتها على حساب الشعب المصري.

ويتفق المحللون في شؤون الجماعات الإسلامية، أن سبب سقوط الإخوان المسلمين في مصر كان بسبب إخفاقهم في إنتاج خطاب حديث يستوعب تطلعات الشعب المصري، ويكسب الفرقاء لصالح مشروع الدولة. وهو ما انتهى إلى عزلة الإسلاميين عن فئات واسعة من المجتمع، زادتها ممارسات التنظيم سوءا حيث تجلت الطائفية في أبشع صورها، وبرزت الصراعات المذهبية، ومساندة مؤسسات الدولة طبعا في عهد مرسي للمجموعات الإسلامية المتشددة ضد القوى الوطنية، إضافة إلى استهداف المسيحيين المصريين وتهديد روابط التسامح والعيش المشترك التي كانوا ينعمون بها.

لطالما كانت تيارات الإسلام السياسي تعمل وفق أجندتها الدولية والدول الراعية لصعودها في السلطة، تماما كما حدث مع إخوان مصر التي لاقت دعما لا محدودا من قبل قطر وتركيا ومن قبلهما أميركا، لكن تم كبح جماح هذا الفصيل الإسلامي عندما أصبح خطرا على الأنظمة المجاورة وليس المجتمع المصري فقط، في هذا الصدد يقول مصطفى اللباد مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية بالقاهرة، إن التضاد بين العلمانية والإسلامية يقف على قدم المساواة بين السنة والشيعة، وهذا الانقسام والاختلاف الديني حول المنطقة أصبح مصيرا لا مفر منه، وبدأت تتكشف أوراقه في كل ركن من أركان العالم العربي، وتميل إلى الظهور في المجتمعات الشيعية المتنوعة مثل إيران، سوريا، العراق، لبنان والبحرين، تقابلها دول إسلامية سنية على رأسها مصر والسعودية، حيث ترسخ في الجمهوريات والممالك (السنية والشيعية) الإقصاء للفئات الأقلية داخل بلادها، فمن المستحيل أن تجد وزيرا شيعيا في دولة سنية والعكس، ومع ذلك تظل هذه الطوائف ضعيفة التأثير كثيرة المؤيدين منغمسة في أروقة السلطة في محاولة لاستخدامها ضد الخصوم السياسيين، أو قمعها لإرضاء الدوائر الانتخابية.

وبعد ثلاث سنوات من الربيع العربي، برزت أوضاع مفصلية من حيث بعض الأضداد الثنائية كظهور العلمانية مقابل الفجوة الإسلامية، كذلك السنة مقابل الشيعة، ومع ذلك مازالت دول الربيع العربي بعيدا عن إمكانية صعود أنظمة جديدة، أو الانتقال إلى شيء يسمى الديمقراطية، باستثناء مصر التي نجح شعبها في إسقاط حكم الإخوان المسلمين. ولذلك أصبحت الحاجة ملحة لتأسيس أنظمة عربية قادرة على تحقيق تطلعات شعوب الثورات، وتخليصها من نتاج الأنظمة السياسية القديمة وهذا لا يعني استبدال حاكم بآخر، لكنه يعني تغييرا هيكليا لاستبدال الأسس والمعايير الضيقة التي يُبنى من خلالها صعود أنظمة جديدة، وأي شيء أقل من هذا لن يكون غير مجد، وسيطول أمد المواجهات، وربما كانت الثورات العربية مجرد جولة أولى من الماراثون الثوري الذي بدأ بالفعل قبل ثلاثة أعوام.

ويؤكد هؤلاء أن تدبير محركات التغيير في هذه البلدان هو أداة حسم لنتيجة المعادلة، التي تبقى ضمنها المعركة أو المعارك بين مواقع القوة والضغط، وفشل أو نجاح هذا الطرف أو ذاك في فرض أجندته، المحرك الأساسي لكافة التفاعلات، والشاحن لدينامية التحول، وبالتالي المسؤول عن صناعة المشهد السياسي.

ولن يكون إخفاق هذه التجارب، برأي متابعين، “بعودة النظام القديم وإنما بفشلها في الاتفاق على شروط الديمقراطية” المفترض أنها السبيل إلى إرساء السلم الاجتماعي الذي هو شرط أساس لكل تنمية.

فشل وفوضى


يرى محللون أن الانقسام والفوضى وتعطل الحياة السياسية والاقتصادية وحجم الخسائر المادية والمعنوية، التي عرفتها هذه التجارب وما تزال، نجمت بالأساس عن “نخبة مدنية كسيحة وفهم متخلف للدين”، وغياب مشروع مجتمعي متكامل، وعدم وضوح في الرؤية، وضبابية في استيعاب عدد من المفاهيم، خاصة تلك المرتبطة بماهية الدولة المدنية وماهية الحكم الرشيد، وغيرها من المفاهيم الأساسية لبناء المرحلة.

وبالإضافة إلى هذا، يعود هذا الارتباك عموما، إلى خلفية تاريخية مثقلة بإحباطات وإخفاقات على مستوى تنظيم الحوار بين النخب الفاعلة، وإرساء شروط الدولة الوطنية، وأيضا إلى رغبة فئات بعينها في الاستئثار بالسلطة على حساب ما تفرزه جدلية التدافع بين النخب وكذلك التطلعات الحقيقية للأغلبية، وأحيانا المصالح العليا للبلد. مآل هذا الحراك، الذي لم يحسم مصيره، ولم يتضح بعد إن كان يسير في اتجاه الانتقال الديمقراطي المفضي إلى بناء الدولة بالمواصفات التي داعبت الشارع في هذه الدول وصنعت انتفاضاته، هو ما يجعل تسمية “الربيع العربي”، التي ثار حولها جدل كبير لا تبشر، وفقا لمدلول اللفظ، بوعد حقيقي وأكيد بالأفضل، كما طاب للبعض أن يحمله.

وهو ما يحيل رأسا إلى اعتماد القراءة التي تؤكد أن الاصطلاح اقتباس من توصيف لحراك مماثل شهدته مناطق من أوروبا في القرن التاسع عشر وأطلقته بالأساس وسائل الإعلام والدوائر السياسية الغربية، وأنه لا يحمل أي تاريخ زمني خاصة إذا تم استحضار أن الانطلاقة كانت من تونس أواخر الخريف (17 سبتمبر 2010)، قبل أن تنتقل بداية فصل الشتاء (25 يناير 2011 ) إلى مصر لتطيح برأس النظام ومعاونيه في ظرف وجيز، وتسري من ثمة شرارتها إلى اليمن فليبيا ثم سوريا.

وإذا كانت مظاهر هذا الحراك قد اختلفت من بلد إلى آخر وفقا لخصوصيات نظام كل منها واختلاف حجم ونوعية التفاعل ما بين الضغوط الداخلية والخارجية، فجميعها كانت تحركها، بإجماع المتابعين، بواعث داخلية تزكيها الرغبة في التغيير تحت مسمى إقرار نظام ديمقراطي.

نقطة التشابه

لكن نقطة التشابه الأساسية بين حالات انهيار هذه الأنظمة التي توالى سقوطها بشكل مثير للانتباه والدهشة، تكمن في أنها جميعها كانت تبدو منيعة من الداخل والخارج معا، على الرغم من مواطن الخلل، التي كانت تكشف عنها بين الفينة والأخرى بعض التقارير المنجزة من قبل منظمات دولية غير حكومية أو منظمات تابعة للأمم المتحدة، أو ما كانت تسجله بعض الأرقام على مستوى المحركات الأساسية لاقتصاد الدولة ومستوى عيش الفرد، أو ما كانت تعبر عنه النخب والمعارضة بأصنافها في الداخل والخارج.

هذه المناعة أو الصلابة الظاهرة ما كانت لتحمل على الاعتقاد بأن حدثا بسيطا يمكن أن يغير كل الظروف ويقلب جميع المعطيات، في حالة تونس مثلا كمنع بائع متجول من اتخاذ ركن من شارع ما في ولاية ذات طابع قروي بتعداد سكني لا يتعدى 409 ألفا و700 نسمة ومؤهلات متواضعة، قد يتطور من احتجاج فردي بإضرام الضحية للنار في جسده إلى احتجاج جماهيري عارم لم يصمد معه النظام السياسي للبلد أكثر من شهر.

أيضا ما من شيء كان ينبئ بسقوط نظام القذافي بالطريقة التي انهار بها. ونفس الأمر بالنسبة لنظامي حكم مبارك في مصر وصالح في اليمن.

أما باقي مكونات المشهد العربي المتداعي أو الآيل للانهيار جسدته باقي الدول العربية، فما تزال الأحداث متفاعلة في سوريا، بصيغة تناحرية تداخلت وتحركت في إطارها قوى شتى تقف من الموضوع على طرفي نقيض، فيما تواصل المعارضة السورية استنزاف جهود البحث عن حل للأزمة، بعدما أضاعت ملامحها بين شتى التيارات، لتصبح معارضة متعددة بأجندات متنوعة، ولتزكي تأجيل الوصول إلى تسوية.

المشهد العربي

تزداد قتامة المشهد العربي خاصة حين يترافق مع بروز توجهات قبلية وطائفية والولاء الأعمى واللامشروط للأنظمة المهيمنة على المستويين الإقليمي والدولي، وكذا الانزلاق نحو تكريس إضعاف اللحمة والوحدة الوطنية بهذه البلدان، وإحداث التخريب والدمار، وإشاعة التشكيك والتخويف والإحباط.

وفي قلب هذا المشهد يزداد تأزم الوضع الإنساني، خاصة في ظل استمرار سقوط الضحايا (سوريا واليمن) وارتفاع تدفقات اللاجئين الفارين من المعارك، كما هو الأمر بالنسبة للسوريين، وتعقد الوضع في بلدان التماس (البلدان المجاورة) كلبنان والأردن، وعدم قدرتها على امتصاص أعداد اللاجئين المتزايدة إلى جانب اللاجئين الفلسطينيين، وحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين فإن عام 2013 شهد نزوح 7ر1 مليون سوري إلى دول الجوار فقط، سجلت المفوضية منهم أكثر من 820 ألف لاجئ سوري في لبنان فيما تقول الحكومة اللبنانية أن عددهم زاد على المليون لاجئ حيث يمثلون ربع سكان لبنان، إضافة إلى نزوح أكثر من50 ألف لاجئ فلسطيني إليها من سوريا، فيما سجلت المفوضية في الأردن 650 ألف لاجئ وتقول الحكومة إنهم يزيدون على المليون لاجئ من أصل 6 ملايين مواطن أردني، ومن هنا تزداد الأعباء على الحكومتين اللبنانية والأردنية.

نقطة التشابه الأساسية بين حالات انهيار هذه الأنظمة، تكمن في أنها جميعها كانت تبدو منيعة من الداخل والخارج معا

وما تزال دول عربية أخرى تعيش مخاض ومآسي التحول بأشكال أخرى كالعراق والسودان وويلات الاستعمار في فلسطين التي تتآكل بمستوطنات الاحتلال الإسرائيلي على أراضيها. وبازدياد قتامة هذا المشهد يتعمق الجرح العربي وتستفحل تعقيدات الوضع السياسي والاقتصادي بالمنطقة وتتعطل العديد من المشاريع التنموية، فيما تتعدد التوقعات بشأن تطورات هذا الوضع ومآلاته، ويزداد قلق المواطن العربي وفي كثير من الأحيان تترسخ إحباطاته.

6