دول الشرق الأوسط تتجه إلى "الأمننة" لمواجهة الإرهاب

الاثنين 2014/05/05
عدم وجود استراتيجية أمنية تراقب الحدود السورية التركية كان سببا في تغلغل الجهاديين في سوريا

لندن - في ظل التغيرات السياسية التي اجتاحت بعض الدول العربية ضمن ما سمي بموجة الربيع العربي، والفوضى الأمنية التي نتجت عنها، تتجه دول الشرق الأوسط إلى تدعيم استراتيجيتها الأمنية خاصة في ظل انتشار تنظيمات جهادية ومتشددة تشكل تهديدا على أمنها القومي، وهو ما أكدت عليه الباحثة إيمان رجب في دراسة تحليلية لها.

تتجه السياسات الخارجية لدول الشرق الأوسط نحو الاهتمام بقضايا تجنب واحتواء مصادر التهديد للأمن، لا سيما وأن هذه التطورات تتزامن مع عدم استقرار هياكل السلطة في بعض دول المنطقة، خاصة في لبنان وسوريا التي دخل الصراع فيها عامه الرابع، والوضع مستمر على حاله، وهو ما تناولته الباحثة إيمان رجب في دراسة تحليلية صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية.

وتقول رجب إنه خلال الفترة الحالية يمر إقليم الشرق الأوسط ، بعدة تطورات ربما تعيد تعريف أولويات دوله في سياساتها الخارجية، بعضها يرتبط بتعقيدات الصراع في سوريا، الذي فرض مجموعة من الظواهر الأمنية التي أصبحت تؤثر على دول، مثل “تجارة الجهاد” إلى سوريا، وظاهرة “المهاجرين” إلى سوريا و”العائدين منها”، وبعضها الآخر يتعلق بتنامي نشاط الجماعات الإسلامية المسلحة، سواء في دول ما سمي بالربيع العربي، مثل مصر واليمن وليبيا، أو في المحيط الجغرافي لهذه الدول، التي تعاني من مشاكل في ضبط مناطق الحدود الخاصة بها.

لجأت الولايات المتحدة و روسيا إلى ظاهرة «الحروب بالوكالة الإقليمية»، دون تورط عسكري مباشر في الصراعات

أولوية القضايا الأمنية

هذا الأمر يرتبط بالتطورات الجيوسياسية التي شهدها الشرق الأوسط، لا سيما في ظل الفوضى الأمنية المصاحبة للمراحل الانتقالية في دول ما سمي بالربيع العربي، وإلى جانب التقارب الأميركي- الإيراني بعد توقيع اتفاق جنيف المرحلي الخاص بالملف النووي الذي يثير مخاوف لدى بعض دول مجلس التعاون الخليجي، تزايد الاهتمام بالقضايا الأمنية في السياسة الخارجية، خاصة التي تمثل تهديدًا واضحًا لأمن الدولة ومصالحها، على نحو ربما يؤدي إلى منح الأولوية لـ”أمننة” السياسة الخارجية، أكثر من تسييسها، سواء من حيث القضايا التي تهتم بها، أو من حيث أدوات تنفيذها.

فمن ناحية، زادت الإجراءات الأمنية التي يتم اتخاذها في ما يتعلق بتحركات المسافرين عبر الحدود بين سوريا والدول التي تتشارك معها في الحدود، على نحو أدى، على سبيل المثال، إلى رفع تكلفة انتقال الأشخاص برًا من لبنان إلى سوريا.

ومن ناحية ثانية، أصبح هناك اهتمام متصاعد بزيادة نسبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجماليGDP، في عدة دول بالإقليم، رغم انخفاض معدلات النمو الاقتصادي فيها.

ووفق تقرير التوازن العسكري لعام 2014، الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS، انخفض متوسط النمو الاقتصادي في الشرق الأوسط خلال عام 2013، إلى 4.6 بالمئة، بينما وصل في عام 2012 إلى 9.1 بالمئة، وفي المقابل زادت نسبة الإنفاق العسكري بنسبة 39.8 بالمئة منذ عام 2010، أي ارتفعت بما قيمته 172.7 مليار دولار، حيث زاد متوسط نصيب الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2013 إلى 5.15 بالمئة، وتركزت هذه الزيادة في عشر دول رئيسية في الشرق الأوسط من أهمها السعودية 34.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وإسرائيل 10.6 بالمئة، وإيران 10.3 بالمئة، والعراق 9.8 بالمئة والجزائر 5.8 بالمئة، والإمارات 5.5 بالمئة.

إلى جانب ذلك، بينت الدراسة أن مكافحة الإرهاب تحولت إلى قضية محورية، على نحو قد يترتب عليها تشكل محور إقليمي مصغر لمكافحة الإرهاب، وربما التطرف، يتألف من مصر والسعودية والإمارات والبحرين، لا سيما بعد تصنيفها جماعة “أنصار بيت المقدس″، وجماعة الإخوان المسلمين وعددا آخر من التنظيمات الجهادية، على أنها منظمات إرهابية.

ومن المتوقع أن يستند هذا المحور إلى مجموعة من اتفاقيات التعاون الأمني وتبادل المعلومات الاستخبارية وتطوير قوائم وطنية للجماعات الإرهابية تستند إلى تصور مشترك لطبيعة هذه الجماعات، فعلى سبيل المثال، أعلنت السعودية، في 7 مارس 2014، تصنيف جماعة الإخوان المسلمين على أنها جماعة إرهابية، وسبقتها في ذلك مصر في 25 ديسمبر 2013، كما تتعامل الإمارات مع هذه الجماعة منذ فترة على أنها جماعة محظورة تهدد الأمن الوطني للدولة، في حين تصنف روسيا هذه الجماعة على أنها منظمة إرهابية منذ عام 2003.

77 عدد الصراعات في الشرق الأوسط في 2013

معضلة استخدام القوة

أصبح الوضع في منطقة الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا حين يتعلق الأمر باستخدام القوة العسكرية لتحقيق مصالح محددة، لا سيما بالنسبة إلى القوى الكبرى المؤثرة فيها، وهي تحديدًا الولايات المتحدة وروسيا، فهذه الدول أصبحت أقل رغبة في اللجوء إلى القوة العسكرية بطريقة مباشرة، في تنفيذ سياساتها الخارجية في الشرق الأوسط، رغم امتلاكها قدرات عسكرية تسمح بذلك، على نحو أدى إلى تزايد ظاهرة “الحروب بالوكالة الإقليمية” Regional Proxy Wars، من أجل تحقيق غايات محددة، دون تورط عسكري مباشر في الصراعات.

ويعد الصراع في سوريا نموذجًا مثاليًا لذلك، حيث تحول إلى ساحة للصراع الإقليمي بين إيران وروسيا المؤيدتين لنظام الرئيس بشار الأسد، ودول الخليج وتركيا الداعمين لقوى المعارضة، وتتم إدارة هذا الصراع من خلال جماعات مسلحة موجودة على الأرض، وهو نموذج يتكرر أيضًا، وإن بشكل مختلف، في حالتي العراق واليمن.

في هذا الصدد أشار تقرير نشره معهد هيديلبيرج الدولي لتحليل الصراعات لعام 2013، إلى أن عدد الصراعات في إقليم الشرق الأوسط خلال هذا العام بلغ 77 صراعًا، الغالبية منها هي صراعات داخل الدول كان أحد أطرافها مجموعات مسلحة.

إلى جانب ذلك، تلاحظ زيادة اعتماد بعض دول المنطقة على سياسات الترهيب والضغط، المستندة إلى القوة العسكرية دون استخدامها فعليًا، وذلك في مواجهة مصادر التهديد الداخلية، حيث أصبحت سياسات الدول تعتمد أكثر على إظهار القوة، سواء من خلال الانتشار الفعلي للقوات في المناطق المدنية، أو نشرها بكثافة على الحدود، وأحيانًا، التدخل في دول معينة، تصورها المؤسسات الأمنية في الدولة على أنها جزء من الأمن الوطني، على غرار قيام تونس بنشر قوات عسكرية على الحدود مع ليبيا، في فبراير 2014، والذي جاء، وفق تصور وزارة الدفاع التونسية، بعد تجدد المواجهات بين القوات الليبية ومجموعات مسلحة في مناطق الحدود، وعلى غرار تهديد إيران بالتدخل بالقوة لإطلاق سراح خمسة من جنودها اختطفتهم جماعة “جيش العدل” واقتادتهم إلى داخل الأراضي الباكستانية، في 6 فبراير 2014، قبل أن يطلق سراحهم في 6 أبريل 2014.

و تخلص الباحثة إلى أن هذه التحولات في السياسات الخارجية في منطقة الشرق الأوسط مرتبطة باستمرار التطورات الضاغطة، والتي تفرض تهديدات محددة على الأمن الوطني لدولها، وهي قد تعيد، في حال استمرارها، رسم التفاعلات فيها، على نحو ربما يؤثر على مسارات التطور الداخلي، ويعيد تعريف الاستقرار والأمن في المنطقة.

6