دول المواجهة الخليجية

دول الخليج العربي اليوم تمثل دول المواجهة الحقيقية، ومع أنها الأكثر استقرارا في محيطها، إلا أنها في وضع قلق، أمنيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا، بسبب التدخلات الخارجية.
السبت 2018/12/15
أصبحت القضية الفلسطينية الجامعة للعرب هي السبب الأساسي في اختلافهم

قَسَّم العرب أنفسهم بعد قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين في العام 1948، في ما عرف بالنكبة، ثم بعد ذلك في 1967 بعد الهزيمة، إلى فريقين متعاونين – ظاهريا على الأقل- في أداء مهامهما، لجهة مواجهة العدو الإسرائيلي. عُرف الأول باسم دول المواجهة، والثاني بدول الممانعة، وجاء هذا التقسيم على أساس جغرافي، وليس قوميا أو حتى دفاعيا لأن الفريقين ظلا يشتركان في عنصري المواجهة والممانعة إلى غاية حرب أكتوبر 1973، ثم اختلفا بعد اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، إلى أن توسعت مساحة الاختلاف تحت تأثير عاملين أساسيين:

الأول تعميق معنى الدولة الوطنية، بعد زيادة مخاطر الصراع الداخلي، من قوى الرفض اليساري في عهد الأنظمة الاشتراكية، وليدة حركات التحرر والاستقلال، ثم في وقت لاحق من أنظمة الانفتاح والرأسمالية – غير المؤسسة- بعد توظيف الميراث الديني للمجتمعات العربية عبر وهم دعوي وأحيانا عقائدي من طرف جماعات وتنظيمات تيار الإسلام السياسي، الأمر الذي غيّر من الأولويات، بحيث غدت مواجهة الجبهة الداخلية أهم من السير على ركاب السياسات القديمة لمواجهة إسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة الأميركية.

الثاني غياب القطب الواحد، الجامع أو الصانع للقرار على مستوى الوطن العربي، بحيث لم تعد هناك دولة كبرى يتم الاعتماد في قراراتها، أو حتى الاحتكام إليها عند اتساع دائرة الخلاف، بل إنه في السنوات الأخيرة أصبحت القضية الفلسطينية الجامعة للعرب هي السبب الأساسي في اختلافهم، وتعاملهم مع الآخر بما في ذلك الإسرائيلي رفضا أو قبولا، فالممنوع في تلك العلاقة القائمة على الصراع أصبح عند بعض الدول العربية مباحا، بل ومطلوب أحيانا، خاصة لمن أراد أن يقيم علاقة مع الولايات المتحدة يحقق من خلالها ما يراه مصالح وطنية، حتى لو كانت متعارضة أو متناقضة مع المصالح القومية.

وبغضّ النظر عن الأسباب والدوافع الظاهرة والخفية التي حالت دون قيام الفريقين – المواجهة والممانعة- بدورهما، فإن الأمر كله حُدِّد من خلال الموقع الجغرافي، أي أن دول المواجهة هي التي تحيط بأرض فلسطين المحتلة من طرف إسرائيل، وهي سوريا ولبنان في الشمال، والمملكة الأردنية الهاشمية من الشرق، ومصر من الجنوب، أما دول الممانعة فهي بقية الدول العربية الأخرى، والتي تضم جغرافيا دول الدول العربية الواقعة في أفريقيا، وهي السودان وجيبوتي والصومال وجزر القمر في وقت لاحق، ودول اتحاد المغرب العربي (ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا)، والدول العربية في آسيا، وهي العراق، واليمن، ودول مجلس التعاون الخليجي (السعودية، الإمارات، عمان، الكويت، قطر، البحرين).

التقسيم، أو التّصنيف السابق غير سليم، لأن دول الممانعة كانت، ولا تزال في موقع المواجهة، وإن كان عدد من المراقبين والباحثين يرى أن مصطلح المواجهة لإسرائيل لم يعد قائما، لعدة أسباب، نذكر منها، ما يلي:

أوَّلاً لأن القادة التاريخيين، الذين صنعوا أمجاد الأمة العربية، وأحيانا هزائمها، وأسسوا لإدارة الصراع مع العدو الإسرائيلي، لم يعد لهم وجود، ومن أتوا بعدهم قدموا أطروحات مختلفة عن تلك التي صاغها وآمن بها ودافع عنها سابقوهم، بغض النظر على نتائجها التي قامت على الواقعية السياسية، وأيضا بعيدا عن سداد رؤاهم من عدمها لجهة نظرتهم إلى دور القوى العالمية وتواجدها في المنطقة.

ثانيا لأن القضية الفلسطينية نفسها من ناحية تحرير الأرض، وارتباطها بدول المواجهة، لم تعد محل اهتمام لدى أهلها كما كانت في الماضي، أي منذ قيام دولة إسرائيل وإلى غاية معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، حيث نجد الأحزاب والفصائل الفلسطينية في حرب شبه دائمة، خاصة بين سلطتي حماس وفتح، هي أكبر وأشد من تلك التي أُسِّست في الماضي على علاقة الدعم والتنسيق مع دول المواجهة.

ثالثاً لأن معظم الدول التي تحيط بفلسطين المحتلة دخلت في معاهدات سلام مع إسرائيل، وما بقي منها إلا سوريا التي هي في حالة هدنة دائمة هي أقرب للسلام بين الطرفين، إذا استثنيا ما وقع من اعتداءات إسرائيلية على سوريا خلال سنوات الحرب الأهلية التي لم تضع أوزارها بعد، وأيضا لبنان، الذي تُوَظَّف مواجهته مع إسرائيل لصالح قوى خارجية، مثل إيران وغيرها.

غير أن الأسباب السَّابقة، لا تشير في حقيقة الأمر إلى تلاشي المصطلح، أو مجرد تضليل كما يرى البعض، إنما تكشف عن أنه تعمّق أكثر في حيّز جغرافي أوسع، وتحديدا في دول الخليج العربي، حيث تعد هذه الأخيرة هي دول المواجهة اليوم، فبالإضافة إلى شراكتها في الصراع العربي- الإسرائيلي في السابق، وطرحها لصيغ سلام مع الدولة العبرية متفق عليها عربيا، فإنها من أقوى دول المواجهة القومية، وإذا ما استثنينا قطر التي هي متحالفة اليوم مع ثلاث قوى معادية للعرب ممتثلة في إيران وتركيا، والجماعات الإسلامية العنيفة والتنظيمية الحزبية، فإن دول الخليج العربي الخمس الأخرى، خاصة السعودية والإمارات، هي اليوم دول مواجهة بامتياز، فهي لا تحارب من أجل تحرير أرض محتلة كما هي الحال في فلسطين، وإنما المواجهة لديها تتعلق بالوجود من جهة، وبمصير الدول من جهة ثانية، وباسترجاع الإسلام من قوى الظلام والشر من جهة ثالثة، وكل هذا يقع مع الجيران الأعداء الذين يشغلون مع العرب في هذه المنطقة حيزا جغرافيا يريدون الاستيلاء عليه.

دول الخليج العربي اليوم تمثل دول المواجهة الحقيقية، ومع أنها الأكثر استقرارا في محيطها، إلا أنها في وضع قلق، أمنيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا، بسبب التدخلات الخارجية، وهو ما يريد جيرانها استمراره وتحديدا إيران، لذا على الدول العربية الأخرى أن تعي دور وأهمية الدول الخليجية في المواجهة القومية الخاصة بها جغرافيا، وهذا لن يقلل، أو ينهي الدور التقليدي للدول العربية المحاذية لإسرائيل، ولكنه يغيّر في سلّم الأولويات.

9