دول شمال أفريقيا تفرض حضورها في معادلات 2015

يصنّف الخبراء العام 2015، الذي يشارف على الانتهاء، ضمن الأعوام الفارقة، في العالم عموما وفي منطقة شمال أفريقيا خصوصا، حيث دخلت دول المنطقة، المغاربية بالتحديد، منذ سنة 2011، دائرة التأثّر والتأثير في ما يجري في الشرق الأوسط، وفيما نجح بعضها في أن يكون رقما صعبا، تلهّى البعض الآخر في أزماته الداخلية وتصفية حساباته، أما ليبيا فتبقى الاستثناء الأبرز في المنطقة، تليها تونس، التي ما زالت تسير بخطوات متعثّرة في طريق ثورتها، ويزيد من عرقلتها خطر الإرهاب.
الأربعاء 2015/12/30
كل بلد بحال رئيسه ينطق

القاهرة- حفل عام 2015 بالعديد من الأحداث الساخنة في مصر، فيما أبدى عدد من الخبراء سألتهم “العرب” تفاؤلهم باستقرار الوضع السياسي الداخلي في العام الجديد، مع بدء انعقاد جلسات البرلمان.

ومثّلت الانتخابات البرلمانية إنجازا سياسيا للدولة المصرية في ظل المعوقات القانونية المتعددة التي حالت دون إجرائها في السابق، حيث كانت المحكمة الدستورية قررت في يناير الماضي تأجيل الانتخابات بناء على الطعون المقدمة ضد قانون تنظيمها، ما دفع البعض للتشكيك في جدية الدولة لاستكمال خارطة الطريق واتهامها بالرغبة في الاستئثار بالسلطة.

الحديث الذي تصاعد عقب انتهاء الانتخابات حول شكل التحالفات المتوقعة داخل مجلس النواب الجديد، كان استكمالا لأحاديث مشابهة بدأت منذ شهور طويلة تعليقا على “لعبة الكراسي الموسيقية” بين مكونات العملية السياسية، ونشوء الحاجة لتكوين تحالفات سياسية لمواجهة هيمنة تيار الإسلام السياسي على الشارع.

وأبرز نتائج السجالات التي جرت تحت هذا العنوان كانت وأد أي إمكانية لإجراء تسوية مع تيار الإسلام السياسي، وفي القلب منه جماعة الإخوان بعد صدور بعض الأصوات الداعية للمصالحة.

واعتبر هشام النجار، المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية أن السبب الرئيسي في تراجع الحديث عن المصالحة، هو جنوح الإخوان لمحور ” تركيا – قطر” رابطا مستقبل الحديث عن إجرائها بتطورات الوضع الإقليمي خاصة الملف السوري وما يجري فيه من تحولات وتداخلات بين القوى الإقليمية.

وقابل النجاحات الجدلية في قضايا الداخل، تقدم ملحوظ في إدارة مصر لعلاقاتها الخارجية، حيث استطاعت كسب ثقة المؤسسات الدولية في أكثر من مشهد أبرزها حصول القاهرة على عضوية مجلس الأمن من خلال مقعد غير دائم عن قارة أفريقيا. وهذا الأمر اعتبره عبدالمنعم المشاط، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، من أبرز مشاهد 2015 ويعكس مدى ثقة الإقليم في تمثيل الدولة له، مؤكدا، لـ”العرب”، أنه يمكن للدول غير دائمة العضوية أن تكون مؤثرة، سواء من خلال الامتناع عن التصويت أو الاعتراض أو الموافقة، كما تملك القدرة في التأثير على أغلبية الثلثين وعليها مسؤولية أخلاقية لتمثيل مصالح هذا الإقليم.

المواجهة مع الإرهاب كانت العنوان الأبرز للدولة المصرية في 2015، خاصة في سيناء التي ينشط فيها تنظيم ولاية سيناء التابع لتنظيم داعش، وقد بلغت ذروتها في يوليو الماضي بمحاولة عناصر التنظيم مهاجمة 15 كمينا أمنيا مصريا في رفح تمهيدا لإعلانها ولاية تابعة لداعش.

واعترف مجدي البسيوني، مساعد وزير الداخلية الأسبق، لـ”العرب” أن عام 2015 شهد في بداياته نشاطا ملحوظا للتيارات المتطرفة مكّن الجماعات الإرهابية من تحقيق بعض الخسائر في صفوف المؤسسات الأمنية، بسبب الدعم المادي واللوجيستي الذي تتلقاه من دول إقليمية.

ولم تقتصر المواجهات بين الدولة والإرهاب على سيناء، وإنما كانت هناك مواجهات أخرى على الحدود الغربية لمصر، حيث نشبت معارك لا تقل شراسة بعدما أقدم داعش على بث صور لعمال مصريين أقباط يرتدون ملابس الإعدام البرتقالية موثوقي الأيدي ويقتادهم ملثمون على شاطئ البحر في ليبيا قبل إعدامهم على الهواء مباشرة.

وتزامنت مع المواجهات المسلحة سلسلة تفجيرات في عدة محافظات داخل مصر، كان أبرزها وأخطرها حادث اغتيال النائب العام هشام بركات في شهر يونيو في تفجير استهدف موكبه في حي مصر الجديدة بالقاهرة.

سنة النجاحات المغربية

شكلت 2015 بالنسبة للمغرب سنة التحديات والآفاق على كافة المستويات سياسيا وأمنيا واجتماعيا، أحداث ستكون لبنة أساسية لما ستشهده السنة القادمة 2016. وقال خبراء لـ”العرب” إن سنة 2015 يمكن أن نطلق عليها لقب عام الانتخابات، حيث شهد المغرب هذا العام إجراء أول انتخابات محلية وجهوية في ظل دستور 2011.

وقال رئيس المرصد المغربي للسياسات العمومية، رضا الهمادي، لـ”العرب”، إن عهد فوضى الانتخابات انقضى بعدما بدأت مرحلة جديدة في السياسة بالمغرب، بدأ يتشكل فيها حد أدنى من المنطق في تصويت المواطنين.

وتوقع أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق بالرباط، ميلود بلقاضي، أن الانتخابات التشريعية سنة 2016 ستكرس نتائج الانتخابات الجماعية والجهوية. بدوره، أوضح عبدالرحيم منار السليمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، لـ”العرب”، أن أحد الرهانات المؤسساتية المرتبطة بالانتخابات المحلية والجهوية تتمثل في تنزيل هندسة ترابية جديدة تنقل مزيدا من أدوات ممارسة القرار والموارد من الدولة إلى المجالس الجماعية والجهوية.

على صعيد السياسة الخارجية يرى الخبراء أن 2015 هو عام المغرب بأفريقيا، حيث عززت الرباط تواجدها المكثف من خلال عدة مرتكزات اقتصادية وسياسية وتنموية ودينية، لأجل تنمية البلدان الأفريقية عبر توسيع برامج الشراكة الاقتصادية والصناعية خصوصا مع دول غرب أفريقيا.

وقال محمد شهيد أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة الحسن الأول بوجدة، لـ”العرب”، إن تلك المرتكزات عمّقت بشكل كبير وغير مسبوق التواجد المغربي في أفريقيا ما أدهش الجميع، ولوحظ ذلك من خلال زيارة العاهل المغربي لدول من قبيل السنغال ومالي وساحل العاج والغابون وغينيا بيساو. واعتبر الكثير من المراقبين أن دفاع المغرب على مصالح القارة الأفريقية قديم وسيتم تعزيزه في العام 2016 كونه من أولويات السياسة الخارجية للرباط.

الملف الآخر الذي ميز السياسة المغربية في 2015، كان الامتياز الأمني في مقارعة الإرهاب، حيث نجح المغرب في ربح رهان تأمين حدوده وأمنه الداخلي من الخطر الإرهابي، واستطاعت الأجهزة الأمنية أن تحقق التفوق في هذا المجال بشهادة مجموعة من الدول الأوروبية وغيرها.

وقال الباحث المغربي في الحركات الإسلامية، عبدالإله السطي، لـ”العرب”، إن المغرب انخرط منذ بداية الألفية الثالثة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة عبر مجموعة من الآليات التشريعية والمؤسساتية تكللت خلال سنة 2015، بتأسيس المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للإدارة المركزية لمراقبة التراب الوطني المعروف اختصارا بـ”إف بي أي” المغرب. وأضاف أن السياسة الأمنية التي اعتمدها المغرب ساهمت في تحصينه من التهديدات الإرهابية عبر توقيف العديد من الخلايا المتطرفة خصوصا خلال العام 2015 والتي كانت تعتزم القيام بعمليات تخريبية.

وشدد عبدالاله السطي، في تصريح لـ”العرب”، على أن المغرب خلال سنة 2015 استطاع أن يبرهن في ظل حالة الهشاشة الأمنية التي تعرفها معظم بلدان المنطقة العربية بأن له منظومة أمنية متطورة.

أبرز أحداث ليبيا
* 13 مارس: مجلس الأمن يوافق بالإجماع على قرار استمرار حظر تصدير السلاح إلى ليبيا.

* 12 مايو: رئيس الوزراء الليبي المعترف به دوليا عبدالله الثني ينجو من محاولة اغتيال تعرض لها موكبه بمدينة طبرق شرقي البلاد.

* 6 أغسطس: الأمم المتحدة تعلن جولة جديدة من محادثات السلام.

* 18 أغسطس: جامعة الدول العربية تدعو الأمم المتحدة إلى رفع حظر التسليح المفروض على الجيش الليبي كي يتمكن من مكافحة بتنظيم الدولة الإسلامية.

* 10 أكتوبر: البرلمان الليبي المعترف به دوليا يمدد فترة عمله حتى يتمكن من تسليم السلطة إلى جهة منتخبة جديدة.

* 20 أكتوبر: الولايات المتحدة وخمس دول أوروبية تدعو الفصائل المتناحرة في ليبيا إلى قبول مقترح من الأمم المتحدة بتشكيل حكومة وحدة وطنية.

* 27 أكتوبر: البرلمان الليبي المعترف به دوليا يفشل في إقرار مقترح للأمم المتحدة بتشكيل حكومة وحدة بعد رفض غالبية أعضائه للمقترح.

* 13 ديسمبر: المجتمع الدولي يطالب أطراف الصراع الليبي خلال محادثات في روما بوقف فوري لإطلاق النار والبدء في محادثات سلام.

* 16 ديسمبر: رئيسا البرلمان الليبي المعترف به دوليا عقيلة صالح والآخر المنتهية ولايته نوري أبوسهمين يجتمعان لأول مره في مالطا للتباحث حول تشكيل حكومة وفاق وطني تحت مظلة الأمم المتحدة.

* 17 ديسمبر: ممثلان عن السلطة المعترف بها دوليا والأخرى الموازية في ليبيا يوقعان في المغرب اتفاق سلام لتشكيل حكومة وفاق وطني تحت مظلة الأمم المتحدة.

* 23 ديسمبر: اعتمد مجلس الأمن الدولي قرارا يؤيد الاتفاق السياسي الليبي الذي تم التوصل إليه في الصخيرات.

عام الإرهاب في تونس

على خلاف المغرب، الذي نجح في تحصين نفسه ضدّ الإرهاب، فشلت تونس، التي لا تزال تشهد تداعيات ثورة 14 يناير 2011، في مواجهة التهديدات الإرهابية بل بالعكس كانت هذه السنة سنة “الإرهاب” بامتياز، حيث شهدت البلاد أكثر الهجمات دموية في تاريخها.

من بين هذه العمليات الهجوم الإرهابي على متحف باردو في 18 مارس 2015، خلف الهجوم 22 قتيلا إضافة إلى المسلحين و45 جريحا وتم احتجاز حوالي 200 سائح، والهجوم المسلّح الذي استهدف فندق إمبريال مرحبا في المنطقة السياحية المشهورة مرسى القنطاوي في مدينة سوسة في تونس، وخلف الهجوم حوالي 40 قتيلا (من بينهم المسلح) أغلبهم من السياح و38 جريحا.

وعلى المستوى السياسي، نجحت تونس في أن تتصدر مؤشر الديمقراطية في الدول العربية، حسب أحدث تصنيف للديمقراطية في العالم، فيما يقول التونسيون إن حرية التعبير هي المكسب الوحيد الذي خرجوا به من الثورة، أما المطالب الاجتماعية فتحوّلت إلى الأسوأ. وتودّع تونس سنة 2015 على وقع أزمة داخلية تهز أكبر حزبين في البلاد، حركة النهضة الإسلامية وحركة نداء تونس. وقد ألقت أزمة الأحزاب بظلالها على الوضع العام في البلاد.

خريف الجنرالات في الجزائر

الجارة الجزائرية لم تكن سنتها واعدة أيضا، فقد كانت سنة اقتصادية كبيسة، ووصفت بسنة “التقشف” شعبيا و”سنة ترشيد النفقات” رسميا، وذلك بسبب تراجع أسعار النفط في السوق الدولية،.

وعلى المستوى السياسي تواصل الجدل بين المعارضة والحكومة، فيما وصف خبراء هذه السنة بأنها “خريف الجنرالات”، حيث تصدر قرار إحالة الفريق محمد مدين، المعروف بالجنرال توفيق، قائد المخابرات القوي إلى التقاعد في سبتمبر الماضي واجهة الأحداث في الجزائر ووصفته وسائل إعلام محلية ومراقبون بـ”الزلزال السياسي”، وذلك ضمن سلسلة تغييرات غير مسبوقة شهدتها المؤسسة العسكري، بدأت عام 2013 وشهدت ذروتها خلال عام 2015، ووصلت حد محاكمة جنرالات سابقين.

وبينما يقول موالون للحكومة إن هذه التغييرات جاءت لتعزيز أسس دولة مدنية، تؤكد أحزاب وشخصيات معارضة أنها تعكس صراعا في هرم السلطة بين الرئاسة وجناح في المؤسسة العسكرية كان يقوده الفريق محمد مدين المقال من قيادة المخابرات.

حوار لا يتقدّم في موريتانيا والسودان

مع نهاية العام 2015 لا تبدو المؤشرات في موريتانيا واضحة نحو تقدم لحوار ينهي الأزمة السياسية، في ظل جو سياسي مشحون. وقد مثّل موضوع الحوار بين المعارضة والنظام أبرز الملفات السياسية خلال العام 2015. وكان التعثر أبرز سمة تقترن بمسار هذا الحوار، فلم تكد تظهر مؤشرات على قرب إطلاقه حتى تأجل مرة اخرى

بدوره السودان كانت له وقفة مع الانتخابات الرئاسية، التي انتهت في 27 أبريل الماضي، بولاية رئاسية جديدة للرئيس عمر حسن البشير. وبعد أن اطمئن على أنه سيبقى في كرسي الرئاسة لخمس سنوات أخرى، أعلن البشير عن استعداده للجلوس على طاولة الحوار الوطني. لكن الخبراء يشككون في نوايا الرئيس ويتوقّعون أن يشهد السودان أحداثا أكثر زخما في العام القادم.

ورغم أن معظم الأحداث غلبت عليها التحديات والمصاعب المتعددة، إلا أن استقراء البعض لأحداث العام الجديد يكشف عن توقعات بأن يكون أكثر توازنا في العديد من المجالات، سواء السياسية أو الأمنية، في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

إعداد: سعيد قدري – محمد بن امحمد العلوي – وكالات

7