دول عربية تتصدر مؤشرات الفوضى والعنف السياسي في عام 2015

الأربعاء 2014/12/31
صورة اختيرت من بين أفضل صور 2014 ويظهر فيها لاجئ من عين العرب يستريح من عناء رحلة هروبه إلى مخيم على الحدود التركية السورية

لندن - يوصف عام 2014 بعام اتساع نطاق الصراعات المسلّحة والاضطرابات المدنية، التي أدّت بدورها إلى صعود مؤشّر عدد الوفيات في العالم، والتي تنذر نتائجها بأن سنة 2015 ستكون سنة أخرى من الأحداث الصاخبة.

في قراءته لأحداث 2014 وتوقّعات 2015، يشير أطلس التغييرات السياسية في العالم، الذي يصدره سنويا معهد تحليلات المخاطر (Verisk Maplecroft)، إلى أنه من غير المرجّح أن يشهد الاستقرار العالمي تحسّنا في السنة الجديدة.

يتّفق أغلب المحلّلين على أن هشاشة العالم في مواجهة العنف السياسي ستستمر على مدى العام 2015، باستمرار أسبابها وتحدّياتها، وهي وفق أطلس (Verisk Maplecroft): التهديد المتزايد للإرهاب وخطر الإسلاميين المتشددين، والسياسة الخارجية الروسية “العدوانية”، والفساد المستشري في العالم، والانتخابات في البلدان المضطربة.

هذا الوضع يلقي بظلاله على البيئة القانونية والتنظيمية التي تؤثّر سلبا على الاستثمار في البلدان التي تواجه هذه التحدّيات، فأوكرانيا مثلا، سجّلت تراجعا في إجمالي الناتج الداخلي بنسبة 7،5 بالمئة خلال 2014 التي باتت أسوأ سنة تعرفها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، فيما تصدرت الدول العربية مؤشرات الفوضى والعنف السياسي في عام 2014، ومرشّحة لنفس المضوع في 2015، بنسبة 6 من أصل أول عشر دول على المقياس العالمي.

وفي المراتب العشر الأولى عالميا من حيث التعرض لمخاطر العنف السياسي على مدار العام المقبل، جاءت العراق في المرتبة الأولى، تليها سوريا، فأفغانستان ثالثًا، وحلّ اليمن في المرتبة الرابعة والصومال خامسا، يليه نيجيريا، وباكستان، والسودان ثامنا، وفي المرتبة التاسعة جمهورية أفريقيا الوسطى وحلت ليبيا في المرتبة العاشرة.

سنة 2014 أوج صعود داعش لكنها شهدت كذلك عودة الولايات المتحدة إلى المشرق العربي


الإرهاب أبرز التحديات


رصد خبراء المؤسسة الدولية أن عام 2014 شهد زيادة كبيرة في مخاطر الإرهاب، التي أدّت إلى ارتفاع مجموع الوفيات في العالم بما يقرب نسبة 25 بالمئة. وأغلب العمليات التي أدت إلى وفاة مدنيين وإصابتهم تنسب إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وإلى جماعة بوكوحرام في نيجيريا.

وعلى الرغم من الجهود الرامية إلى الحد من الإرهاب، سيتواصل العنف السياسي في سوريا والعراق ونيجيريا. كما توقعت المؤسسة أن مصر، وليبيا، ودولا أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سوف تشهد حوادث إرهابية على مدار عام 2015. لكن ذلك لا يعني أن المنطقة مصنّفة ضمن منطقة المخاطر المرتفعة، فباستثناء سوريا والعراق واليمن وليبيا، تتراوح مؤشرات المخاطر والاستقرار في بقية الدول بين المتوسّط والمنعدمة.

ولا يعد الإرهاب السبب الوحيد في توقعات المؤسسة بأن عام 2015 سوف يكون أكثر صخبا من سابقه من حيث اندلاع العنف السياسي حول العالم، بل اعتبرت المؤسسة أن مستوى الحوكمة الضعيف ونسبة الفساد المرتفعة والاضطرابات المدنية تعتبر من بين أبرز التحديات التي ستواجه دول العالم في العام الجديد، وفق شارلوت إنغهام، محلل المخاطر السياسية في مؤسسة (Verisk Maplecroft).

ويضيف إنغهام أن “الفساد لا يقوض فقط مستويات الحوكمة الشاملة، ولكنه أيضا مصدر رئيسي للاستياء الشعبي”، ولنا في ثورات الربيع العربي مثال على ذلك، فبعد أربع سنوات من الانتفاضات التي كسرت قالب الشرق الأوسط، تنذر سنة 2015 بأن تكون سنة كبيسة أخرى. فقد فجّرت ثورات 2011 عقودا من التوترات المكبوتة وفتحت الباب على مصراعيه أمام صراعات مرشّحة للتصاعد أكثر قبل أن تهدأ ويتمخّض عنها عالم جديد يبنى على أنقاض تداعيات هذه الثورات.

العقد الثاني من الألفية الثانية أبى إلا أن يأتي عاصفا، ليسطّر عهدا جديدا، يتكرّر مع نهاية كل مرحلة تاريخية ودخول شعوب العالم مرحلة أخرى. ولو أخذنا على سبيل المرحلة التي أعقبت موجة تحرّر الشعوب في مختلف أنحاء العالم من المستعمر، في القرن الماضي، نجد أن هذه المرحلة سمّيت بـ”العالم الجديد”.

من المتوقع أن تحافظ غالبية بلدان المنطقة العربية على حد أدنى من الاستقرار بينما تواجه في الوقت ذاته عدة تحديات

فترة ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، ثمّ الحرب الباردة أطلق عليها أيضا “العالم الجديد”، ونفس الوصف أطلق على مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وصعود الولايات المتحدة كدولة عظمى وحيدة. واستيعاب دورة التاريخ هذه ضروري لتفسير ما حدث في 2011 وما يحدث اليوم في دول عديدة، ولاستعاب ما سيحدث في العام 2015.

متحدّثا عن الانتقال من عالم إلى عالم، أو من تاريخ إلى تاريخ، بول سالم، نائب رئيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن، أوضح قائلا إن الغرب استغرق قرابة خمسة قرون للانتقال من المرحلة الاقطاعية إلى الحداثة بعد المرور بحروب دينية ومعارك من أجل تأسيس هويات وطنية وحدود دولة، وتجريب الإيديولوجيات الراديكالية، ثم في نهاية المطاف الوصول إلى الاستقرار والتعايش والديمقراطية الليبرالية. وتحققت هذه النتيجة فقط بعد حربين عالميتين مدمرتين ومجازر جماعية حدثت في القرن العشرين. أما الشرق الأوسط فقد بدأ تحولاته العميقة قبل قرابة قرن ونصف القرن، ومازال يحتاج سنين طويلة للوصول إلى وضع مستقر.


2015 لن يكون أكثر هدوءا


ككل سنة تلبس مختلف دول العالم، حتى المضطربة والمدمّرة، لباس الاحتفال ابتهاجا بقدوم العام الجديد، أملا في حمله الكثير من بشائر التغيير والاستقرار، فعام 2014 على أبواب الرحيل، لكنه سيترك إرثا ثقيلا من الأزمات وتحدّياتها، ولن يكتفي العالم بالمعركة مع متشددي تنظيم داعش ولن تكون الأزمة بين روسيا والغرب بشأن أوكرانيا هي الأزمة الأخيرة في أوروبا، وإلى جانب مكافحة الإيبولا ستنفجر أزمات أخرى على غرار حرب المياه التي بدأت تدقّ طبولها منذ سنوات، وأزمة النفط والغاز ستتواصل وستكون أحد الأسباب الرئيسية في الاضطرابات العالمية.

ويعود الصراع والاضطرابات في الشرق الأوسط في جزء منه إلى قلة الموارد من الأراضي والمياه، ومن المتوقع أن تسوء هذه الوضعية في القرن الواحد والعشرين بحكم تأثير النمو الديمغرافي والتمدن والتغير المناخي، بينما تأوي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 6 بالمئة من سكان العالم، ولا تحتوي إلا على واحد بالمئة من الموارد المائية المتجددة العالمية.

وفي البلدان العربية يأتي كل ماء الأنهار تقريبا من خارج المنطقة، فاستعمال تركيا لدجلة والفرات يؤثر كثيرا على الفلاحة أسفل النهر في سوريا والعراق، كما أن مخططات إثيوبيا لبناء سد عظيم تهدد تدفق نهر النيل في مصر، زيادة على ذلك تواصل الموائد المائية الجوفية في التناقص بسرعة، وستكون صنعاء أول عاصمة كبرى في العالم ينفد فيها الماء، فقط 4.3 بالمئة من أراضي المنطقة الشاسعة صالحة للزراعة، أما ما تبقى فيتكون من صحراء وأشرطة ضيقة صالحة للزراعة تزحف عليها المباني.

وإلى جانب حروب المياه سيكون النفط أحد أنواع الحروب الجديدة غير التقليدية وستكون أسلحته أسعار النفط والفيروسات الإلكترونية والأسلحة البيولوجية، إلى جانب ظاهرة التسريبات التي انطلقت منذ سنوات مع ويكيليكس، الذي اعتبر ما سرّبه أضخم عملية من نوعها في التاريخ.

ومع اختلاف نوعية التسريبات ووسائطها ودرجة خطورتها وتداعياتها، فإن ما لحق بالولايات المتحدة، أحد أكثر دول العالم تقدما في مجال التكنولوجيا، شهدته دول أخرى هذا العام. فما بين صور ووثائق وتسجيلات مصورة وصوتية، زخر عام 2014 بتسريبات سياسية وعسكرية وفنية، في العديد من الدول، لاسيما في العالم العربي، وهو ما فجر خلافات وانتقادات معتادة بين فرقاء وغير مألوفة بين حلفاء، وهو ما يظهر جليا أنه كما سهلت التكنولوجيا الحديثة التواصل بين البشر، وتسجيل وتوثيق الأحداث والاتصالات المهمة، جعلت من السهل كذلك تسريب الأسرار، مما يوجه ضربة قوية إلى كل ما هو “سري للغاية”.

الائتلاف الدولي يستمر في حملته العسكرية ضد الدولة الإسلامية


أزمات تقليدية ستواصل تداعياتها


بالنسبة إلى الأزمة التقليدية يتوقّع الخبراء أن يشهد العالم في العام المُقبل 2015 مجموعة من الحروب، ستكون أقواها الحرب الدولية ضد الإرهاب وتنظيم داعش. وحسب تقرير نشرته وكالة الأنباء “أونا” المصرية، فإن إيران ستكون محور حرب جديدة، جزء منها سيكون بين ميليشياتها المنتشرة في العراق وبين تنظيم داعش، وجزء آخر سيكون بين طهران ودول المنطقة التي تتوجّس شرّا من استفزازات إيران، خصوصا بعد توقيع الاتفاق بخصوص ملفها النووي. كما يتوقّع الخبراء أن تتورّط تركيا في تدخل عسكري لحماية حدودها مع سوريا في ظل تزايد المعارك وانهيار قدرتها الدفاعية بعد تراجع شعبية رئيسها وانهيار تنظيم الإخوان وبوادر الصلح التي ظهرت في سماء العلاقات القطرية المصرية.

التوتر الآخر الذي يمكن أن يتطور في المنطقة له علاقة بالوضع في اليمن، حيث من المتوقع، وفق الوكالة المصرية، أن تتخذ المملكة العربية السعودية إجراءات عسكرية لحماية حدودها مع اليمن في ظل تزايد سيطرة المقاتلين الحوثيين في اليمن. وقد أدّت سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء إلى تحول البلاد من مرحلة الانتقال السياسي الواهي إلى الانقسام الوطني، وهذا أدّى بدوره إلى تصاعد نشاط القاعدة في الجزيرة العربية وزيادة الدعوات إلى انفصال الجنوب بالكامل.

يقول تقرير (Verisk Maplecroft) إن وضع روسيا سيكون أحد أبرز أسباب تواصل الاضطراب في العالم، ضمن أحداث أعادت إلى الأذهان زمن الحرب الباردة والصراع بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية. ويذهب الخبراء إلى أن استمرار تدهور الوضع الاقتصادي في موسكو قد يدفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تحريض الصراعات الخارجية في محاولة للحفاظ على دعامته الشعبية.

وكان العام الحالي شهد نشوب صدامات عسكرية بين الجيش الروسي والجيش الأوكراني للنزاع حول شبه جزيرة القرم والتي حسمت تحت سيطرة روسيا، لكن الأوضاع لم تهدأ بعد، وهو ما يشكل خطرا في المستقبل القريب. وسيتجاوز تأثيره الحدود الأوكرانية الروسية المشتركة ليلقي بظلاله على أوروبا بشقها الغربي الذي يعاني من آثار أزمة اقتصادية خانقة وشقها الشرقي الذي يعتبر إحدى أبرز المناطق الملتهبة في العالم، بالإضافة إلى أنه من أهم الجهات المصدّرة للمقاتلين في صفوف التنظيمات الجهادية.

وفي الجهة الأخرى من العالم، من المتوقّع أن تتواصل الحرب الباردة بين كوريا الشمالية وجارتها الجنوبية، وهو صراع اندلع منذ 1950، فالمناورات العسكرية مستمرة بين البلدين على الشريط الحدودي، مما يشكل خطرا يمكن أن يكون قابلا للانفجار مع أي قرار سياسي عنيف من قبل الحكومتين، في مشهد قد يحدث أيضا بين اليابان والصين.


مصر استقرار داخلي وتهديدات خارجية


شكّلت مصر، إلى جانب تونس، الاستثناء العربي في عام 2014، لكن نجاحها الداخلي يظلّ تهدّده تحديات خارجية، من أبرزها الإرهاب وأزمتها مع إثيوبيا، التي ستفاقم من أزمة المياه في مصر. ويتوقّع خبراء أن يتصاعد هذا الخلاف في قادم الأيام، نتيجة لخطورته على الأمن القومي المصري، وسيدفع فشل التواصل السياسي في وضع حل سلمي مصر إلى الخوض في أحد السيناريوهات الشعبية المنادية بالتدخل العسكري لإنهاء الأزمة.

وتباينت اتجاهات المصريين بانتظارات العام الجديد بين التفاؤل بعام حاسم لكثير من الملفات العالقة، وبين عام يحمل الكثير من روافد سابقه.

1 مليون و800 ألف نازح عراقي اضطروا إلى مغادرة ديارهم نتيجة الصراع الدائر في بلادهم

نورهان الشيخ، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، توقعت أن يكون الربع الأول من العام الجديد، حافلا بالزخم السياسي في كل أنحاء مصر، حيث تجرى الانتخابات البرلمانية، وبشكل عام أيدت اتجاه الأوضاع المحلية إلى قدر أكبر من الهدوء والاستقرار.

أما طارق فهمي، الباحث بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، فلا يتوقّع أن يحمل عام 2015 تغييرا واضحا وملموسا في المشهد السياسي الداخلي، وأن هذا العام لن تتم فيه مصالحات مع جماعة الإخوان المسلمين، كما يريد الغرب، ومرجح أن تنتهج الدولة سياسة النفس الطويل، في مقاومة أعمال العنف، التي من المتوقع استمرارها لفترة طويلة نسبيا.

وعلى الصعيد الخارجي، قال فهمي إن مصر حققت تقدما على مستوى علاقاتها الإقليمية والدولية، خاصة باتجاه روسيا والصين وفرنسا وإيطاليا.

واستبعد أن يشهد العام الجديد مصالحة مع تركيا، تكلل المصالحة التي بدأت معالمها تتكشف مع قطر قبيل نهاية العام، كما أن العلاقات مع إثيوبيا، ربما تظل ساكنة، أو تخرج من إطار الدبلوماسية التي طغت عليها العام الماضي، إلى حالة من العداء الظاهر، بسبب سد النهضة، وما يمثله من ضرر في حصة مصر المائية، مطالبا بمراجعة السياسة المصرية تجاه إثيوبيا، قبل احتدام الموقف، لأن الطريقة السائدة لم تحقق الأهداف المصرية.

جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية (سابقا) وأمين عام اتحاد المستثمرين العرب، توقع أن يكون العام الجديد عاما اقتصاديا بامتياز، حيث سيشهد انعقاد مؤتمر شرم الشيخ في مارس المقبل، والذي تتصدر تداعياته الإيجابية المشهد الاقتصادي المصري لفترة من الوقت.

وشدد بيومي على أن التوجه إلى الانتخابات البرلمانية وتشكيل مجلس النواب سوف يساهم في تدفق حركة الأموال، سواء في شكل استثمارات أو قروض أو مساعدات، لأن البرلمان نقطة فنية وقانونية حاكمة، أمام العالم، باعتباره مسؤولا عن السلطة التشريعية، التي تعطي له الحق في التصديق على الاتفاقيات الاقتصادية، لافتا إلى أن السيطرة على الحالة الأمنية تنعش وضع السياحة، بصورة تلقي بظلال إيجابية على الاقتصاد، باعتباره أحد الروافد الأساسية لاستقرار الحالة الأمنية عموما.

كما أن العائد المنتظر من مشروع قناة السويس، سيضمن جذبا هائلا للاستثمارات العربية والدولية، وهو ما يضاعف من القدرة على إنشاء خدمات لوجيستية على جانبي القناة، منوها بالأهمية الإقليمية لهذا المشروع ، فضلا عن صدور قانون الاستثمار الموحد، الذي يزيل العقبات من أمام رجال أعمال والبنوك، باعتبار أنه سوف يقضي على جزء كبير من منازعات الاستثمار، التي كانت تقف حجر عثرة في طريق المستثمرين.


سوريا ستبقى الأزمة الحدث


يبدو أن سوريا سائرة في طريق أكثر قسوة في سنة 2015، لكن العام الجديد قد يشهد بعض التطورات التي يمكن أن تمثل نقاط تحول. وكانت سنة 2014 أوج صعود داعش لكنها شهدت كذلك عودة الولايات المتحدة إلى المشرق العربي وتكوين ائتلاف ينوي خوض حرب طويلة المدى ضد هذا التنظيم.

يتوقع معهد الشرق الأوسط للدراسات أن يتصادم الائتلاف الدولي مع نظام الأسد، إذا تحقق تقدم كبير ضد داعش، وسيكون على إدارة أوباما أن تقرر ما إذا كانت قادرة على التمسك بالسياسة الحالية التي تتجنب استهداف الأنظمة، وهي سياسة لا يتفق معها الكثير من القادة العسكريين الأميركيين والحلفاء في المنطقة.

عام 2014 الأسوأ والأصعب على قطاع غزة

وفي خضم هذا التوتر تسعى روسيا إلى إقناع بعض الشخصيات القيادية في المعارضة للمشاركة في الحكم مع الإبقاء على الأسد في السلطة.

وبينما تَهب نسمات العام الجديد 2015 بُعيد أيام قليلة، فإن آمال السوريين تكمن في أن تحمل تلك النسمات حلحلة وشيكة للأزمة، وأن تختلف عما حمله العام المنصرم من تطورات كثير منها سلبي، غير أن هناك العديد من الأمور التي تعترض طريق الحل في سوريا.

وبدوره، يُحلل المعارض السوري المستقل عماد الدين الخطيب، في تصريحات خاصة لـ”العرب”، مستقبل الأوضاع في سوريا في ضوء المعطيات الراهنة وما خلفه العام 2014، من تحديات، قائلا: “في ظل التجاذبات الدولية والإقليمية، وعدم وجود توافق على إنهاء الصراع في سوريا، إضافة إلى المتغيرات الطارئة على مواقف الأطراف المتنازعة وسيطرتها على المناطق السورية، ومع وجود مبادرة المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، وتسارع الحراك السياسي والدبلوماسي الروسي، مع غياب القرار الأميركي وتخبطة ساسة البيت الأبيض، أتوقع أن يشهد العام 2015 بداية نهاية الصراع بين النظام والمعارضة.

ويرهن الخطيب ذلك بحدوث توافق باللقاء منتصف الطريق ومقاربات لمبادئ جنيف1، اعتمادًا على الضغط الروسي على النظام، وانعكاسًا لضعف المعارضة بشقيها السياسي والعسكري، على أن يتم تشكيل هيئة انتقالية بصلاحيات مشتركة مع رئيس الجمهورية، وصياغة دستور جديد، وقانون انتخابات نيابية، ومن ثم الدعوة إلى انتخابات تشريعية، وأخرى رئاسية لا يشارك فيها الأسد.

من جانبه، يُحلل المعارض السوري عضو المكتب التنفيذي لمكتب هيئة التنسيق الوطنية السورية صالح نبواني، طبيعة المستقبل السوري المتوقع في العام 2015 على وقع جملة التحديات التي أفرزها العام السابق له، متحدثا في البداية حول أبرز تلك التحديات، وهي (انتشار تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وتمدده خاصة في يونيو 2014، عبر انتشار عابر للحدود)، بالإضافة إلى (اتضاح فقدان السيطرة على الكتائب الإسلامية وتناحرها والاقتتال فيما بينها، مما زاد الأمر تعقيدًا).

ويردف قائلا: “هناك معطيات ومؤشرات إن صدقت النوايا فسوف تساهم في الإسراع بالحل السياسي، وستسهم في التخفيف من العنف والقتل والدمار في سوريا، ونحن متفائلون بالعام 2015، ونأمل ونسعى إلى إقناع الدول العالمية والإقليمية بأن الفوضى غير مفيدة لأي طرف، وأن الإرهاب والتطرف لا يمكن القضاء عليهما بالنظام الاستبدادي القائم، وأنه على الجميع السعي للدفع باتجاه حل سياسي ينهي الاستبداد ويقضي على التطرف”. ويشير المعارض السوري إلى أنه بناء على مصالح الدول والتفاهمات فيما بينها، فسوف نشهد في العام 2015 إعادة تموضع في الموقف السياسي تجاه الوضع في سوريا”.

استمرار تدهور الوضع الاقتصادي في موسكو يدفع بوتين إلى تحريض الصراعات الخارجية


نظام إقليمي محطم إلى إشعار آخر


يشير تقرير معهد الشرق الأوسط بواشنطن، في توقّعاته لسنة 2015 إلى أن العام الجديد ينبئ بألا يكون أقل اضطرابا من سنة 2014 في ظل استمرار نفس الوضع والديناميات. وراء هذا التغيير عدد محير من الاتجاهات والدوافع المنهجية التي تواصل ممارسة ضغط كبير على الهياكل السياسية والاجتماعية الاقتصادية.

ويختم التقرير قراءته لمستقبل الشرق الأوسط موضّحا أن هذه المنطقة من المناطق القليلة في العالم التي تفتقد إلى أي مظهر للأمن الإقليمي أو النظام الاقتصادي والسياسي لاحتواء الصراعات وإدارة الشؤون اللإقليمية الداخلية. النظام العربي الذي تواجد، على الرغم من ضعفه، خلال معظم النصف الثاني من القرن العشرين انهار على مراحل، ويعود السبب خاصة إلى انحدار مصر بعد سنة 1967.

كانت سوريا تحت حكم الأسد أول المنسحبين ثم تحالفت مع ايران بعد ثورة 1979، وسمح النفوذ السوري بظهور حزب الله وتبعية لبنان للمحور السوري-الايراني في التسعينات. وقامت الولايات المتحدة بتحطيم النظام البعثي ثم سلمت بغداد للنفوذ الإيراني بعد تدخلها بين 2003 و2011. وربما تلتحق العاصمة اليمنية صنعاء بهذا المحور قريبا.

توجد اليوم محاور متعددة داخل المنطقة لكن لا توجد أي حركة تسير في اتجاه أي هيكل لنظام إقليمي. وتبدو آفاق تحقيق سلام إسرائيلي- فلسطيني أو إسرائيلي- عربي ذكرى جميلة من القرن العشرين. كما بلغت العلاقات العربية الإيرانية أسوأ وضع لها من أي وقت مضى، أما آفاق إقامة شراكة عربية تركية فقد انحرفت بها الأحداث الأخيرة عن مسارها.

عام 2014 شهد ارتفاعا كبيرا في نزوح اللاجئين في كل من العراق وسوريا

وثبت أن الصراع بين الحركات السنية والشيعية والفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين هو الصراع الإقليمي المحدد في القرن الحالي. بتراجع الصراعات الايديولوجية بين اليمين واليسار في العقود الأخيرة من القرن العشرين برزت الهوية المجتمعية والطائفية إلى الواجهة، وأدت هذه الصراعات إلى تمزيق العراق وسوريا، وهي بصدد تفكيك اليمن وتواصل في زعزعة استقرار لبنان.

وكانت الانتفاضات العربية لسنة 2011 بشرت بتحطم النماذج القديمة، لكن ذلك خلق نزاعا حول النماذج الجديدة وإلى يومنا هذا لم يبرز نموذج جديد مهيمن.

لقد تحطم النموذج القديم القائم على التسلط القمعي والشعوب الهادئة في مقابل نمو اجتماعي اقتصادي أمام نمو اقتصادي بطيء وغير عادل وتزايد تمكين القوى الشعبية وتفاقم الفساد والقمع الحكومي.

الانتفاضات الأولية أعطت خطوطا عريضة لنموذج حكومة ديمقراطية تعددية وعادلة اجتماعيا، واقترح الإخوان المسلمون نموذج الحكومة الاسلامية، أما الجيش في مصر فيقترح نموذجا قوميا جديدا تعطى الأولوية القصوى فيه للنظام والنمو الاقتصادي. وقد يكون الملك المغربي في طريق تطوير ملكية دستورية. أما تونس ولبنان فهما يديران نظاما سياسيا هشا لكنه يقوم على التعددية وتقاسم السلطة. والبلدان الخليجية تعطي الأولوية للنمو الاقتصادي السريع.

وأبوبكر البغدادي ذهب إلى حد اقتراح إعادة إرساء الخلافة، ولو بنظرته المنحرفة والإجرامية.

قبل ثلاث سنوات كان الرأي العام العربي يردد نموذج الحكومة الجامعة والقابلة للمساءلة، أما الآن فتسوده المشاحنات حول نماذج متنافسة. وإلى أن تستقر المنطقة على نموذج حوكمة، مثلما فعلت أوروبا الغربية ولو بعد قرون من الصراعات، سيواصل هذا النشاز من الرؤى والإيديولوجيات في إرباك الوضع في المنطقة. وعلى المدى البعيد من المحتمل أن يستقر الوضع على نموذج وحيد يتمثل في حكومة ديمقراطية وجامعة سواء في شكل ملكية دستورية أو ديمقراطية جمهورية.


إقرأ أيضا


صراع إقليمي محتمل على مضيق هرمز بين إيران و"الجبهة العربية"

6