دول مجلس التعاون الخليجي: التحديات الأمنية تدعم التماسك

استطاعت دول الخليج العربي في ظل واقع إقليمي متوتر المحافظة على وحدة مجلسها ومواجهة تحديات تحاول أن تطال من أمنها، غير أن تطورات الأوضاع، خصوصا على مستوى انخفاض أسعار النفط ودخول مرحلة البحث عن بدائل اقتصادية إضافة إلى التحديات الأمنية الإقليمية، كلها عوامل فرضت على الدول الخليجية التعامل، أحيانا، بشكل منفرد، بعيدا عن الاصطفاف الخليجي، وفق سياسات بعضها لا يتعارض مع طبيعة السياسة الخليجية، لكن بعضها الآخر، ترى فيه الدول الخليجية أنه يشكل خطرا على أمنها، ومع ذلك يبقى مجلس التعاون الخليجي تجربة متماسكة لكنها تحتاج إلى مرونة أكثر للحفاظ على هذا التميز، حتى لا يكون مصيرها كمصير الاتحاد الأوروبي المهدد بخسارة نجومه.
الثلاثاء 2016/11/15
الدفاع يتغلب على الاختلافات في وجهات النظر

الرياض - حفّز اكتشاف البعض من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم خلال منتصف القرن العشرين تطورا سريعا في كامل أنحاء الشرق الأوسط. وهو الوقت نفسه تقريبا الذي انسحب فيه الجيش البريطاني من المنطقة، وأصبحت دولها واعية بشكل متزايد بضعفها. وفي سنة 1976 اجتمع وزراء الخارجية للمملكة العربية السعودية والبحرين والكويت وقطر وعمان والإمارات العربية المتحدة وإيران والعراق في مسقط، لمناقشة مشروع إحداث سياسة أمنية ودفاعية مشتركة لمنطقة الخليج.

وبالطريقة التي تم تصورها في البداية، كان من المنتظر أن تخدم المنظمة الجديدة التي تحمل اسم “مجلس التعاون الخليجي” اتحادا اقتصاديا وأمنيا يغطي الخليج العربي ويجمع بين دول تطغى على اقتصادياتها السلع الأساسية ذاتها، النفط والغاز الطبيعي.

لكن في سنة 1979 تم التشويش على مخططات هذه الدول، حيث اندلعت الثورة الإسلامية في إيران وثبّتت اتجاها أصوليا من الشيعية كعقيدة حكم للدولة. وكان قادة إيران الجدد ينوون تصدير فكرهم إلى المجتمعات الشيعية في المنطقة كذلك، وهو هدف مثّل تهديدا للدول الخليجية العربية ذات الغالبية السنية.

وبالإضافة إلى موقف إيران المعادي للغرب بشكل حاد لم يكن أمام الدول الخليجية غير شطب خططها لعضوية إيران. وبعد سنتين، في مايو 1981، تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربي دون إيران والعراق. ومنذ ذلك الوقت شهدت الدول الخليجية تطورات عدة على المستوى الداخلي والخارجي، لتصبح في الوقت الراهن رقما صعبا في المعادلات الاقتصادية والسياسية في المنطقة.

ومع ما يعيشه الاتحاد الأوروبي اليوم من أزمات، ومع انسحاب بريطانيا، توجهت الأنظار إلى مجلس التعاون الخليجي، متسائلة عما إذا كان هذا التكتل قادرا على الصمود في وجه التحديات، خصوصا مع ظهور بعض الاختلافات والتباينات في السياسات الخارجية لبعض دوله، وتنافسها على لعب أدوار إقليمية واقتصادية عالمية. وذهب البعض بعد البريكست إلى الحديث عن “أوكسيت”، في إشارة إلى إمكانية خروج سلطنة عمان من مجلس التعاون لدول الخليج العربي، الأمر الذي نفته مسقط.

لكن، ما يجمع دول الخليج أكثر ممّا يفرقها، وفق دراسة أعدها مؤخرا مركز ستراتفور الأميركي للأبحاث الأمنية والاستخباراتية، التي ترى أن المجلس نجح في أن يكون كيانا قويا وفعالا، خصوصا على المستوى والأمني، حتى وإن فشل إلى حد الآن في تحقيق التكتل الكامل الذي يجعله اتحادا قويا، فيما اعتبر اقتصاديون وخبراء خليجيون أن السعي الخليجي نحو التكتل يجب أن تسبقه خطوات ممهدة، أهمها تحقيق توازن بين اقتصادات الخليج.

التهديدات الناشئة تساهم في زيادة اللحمة بين أعضاء الكتلة الخليجية وترفع سقف التحدي لإنجاح التكتل

الأمان أولا

يضم مجلس التعاون الخليجي البحرين والكويت وقطر وعمان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وبوجود سوقه المشتركة والاتفاقية الجمركية جعل هذا المجلس من التعاون الاقتصادي أولوية واضحة. ويوحي العمل حاليا على ضريبة القيمة المضافة على المزيد من توافق السياسات الاقتصادية لأعضاء المجلس.

ومع ذلك تستمر الضرورات الأمنية التي دفعت إلى تكوين مجلس التعاون الخليجي في كسب الأولوية. وقد أكدت الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988) وحروب ناقلات النفط (منتصف الثمانينات من القرن الماضي) والغزو العراقي للكويت، في أعين مجلس التعاون الخليجي، حاجته لدفاع موحد ضد العدوان القادم من الدول الشيعية في المنطقة، (دفعت هذه الصراعات أيضا الدول الصغيرة في هذه الكتلة إلى البحث عن الاحتماء بالمظلة العسكرية التي يقدمها الأعضاء الأكبر مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة).

وفي سنة 1984، أنشأ مجلس التعاون الخليجي قوة درع الجزيرة المتكون من عشرة آلاف جندي من كل الدول الأعضاء. لكن، لم يتم نشر هذه القوة بشكل قوي إلى حدود سنة 2011، خلال الأحداث التي شهدتها مملكة البحرين، وتبيّن أن أذرعا إيرانية تقف وراءها.

ومنذ ذلك الوقت، تنامى دور مجلس التعاون الخليجي في أمن وسياسة الشرق الأوسط. وساهمت التهديدات الناشئة لدول الخليج، بما في ذلك الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب وصعود تنظيم الدولة الإسلامية، في زيادة اللحمة بين أعضاء الكتلة الخليجية، ورفعت سقف التحدي لإنجاح هذا التكتل. وكانت هناك مساع لتطويره إلى مستوى الاتحاد، لكن سلطنة عمان عارضت فكرة مشروع إقامة اتحاد بين دول مجلس التعاون الخليجي.

ومع ذلك، وبالرغم من اختلاف الأجندات السياسة الخارجية للدول الخليجية، أحيانا، فإن المجلس نجح في الكثير من الأحيان في العمل بشكل متسق، وذلك بمساعدة كيانات فوق وطنية مثل كتابة مجلس التعاون الخليجي والمجلس الأعلى الخليجي ومجلس الوزراء الخليجي.

وفي سنة 2015 تم إنشاء منظمة قوات الشرطة الخليجية، ومقرها أبوظبي، وسيتم إنشاء مركز استخبارات واستطلاع مشترك في الرياض. ويبدو أن تشارك المعلومات بين دول المجلس أمر معهود بالرغم من أنه تم مرارا تأجيل بعض المشاريع الأمنية المشتركة مثل الدفاع الصاروخي بسبب الاحتراس والخلافات حول القيادة والتحكم.

أمن الخليج أولوية دول المجلس

هذا لا يعني أن الأهداف الأمنية لدى مجلس التعاون الخليجي عتّمت بشكل كامل على دوره كوحدة اقتصادية، لكن الوصول إلى بعض الأهداف الاقتصادية كان بطيئا. فمثلا، كان تسهيل التجارة وتدفق الأشخاص بين أعضاء المجلس من بين أول طموحات المجلس، حيث تم التعبير عن ذلك الطموح بعد ستة أشهر من تأسيسه في الاتفاقية الاقتصادية الموحدة في نوفمبر 1981. وأعلن الاتفاق عن نية الكتلة التحول إلى أنظمة قانونية واجتماعية واقتصادية “متجانسة”.

بيد أن الخلافات حول كيفية المضي في تحقيق ذلك الوعد أخّرت إنشاء اتفاق جمركي وسوق مشتركة لسنوات. وعندما أبرم اتفاق يخص الهدف الأول في سنة 2003، تطلب الأمر 12 سنة أخرى من النقاش حول كيفية تخصيص المداخيل قبل تطبيق الوحدة الجمركية فعليا. وحتى بوجود الاتحاد الجمركي تبقى المعاملات التجارية بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي منخفضة. ويستمر الكثير منهم في الاعتماد الكبير على الاتفاقيات مع دول من خارج المجلس.

ويعتبر مجلس التعاون الخليجي ككتلة خامس أكبر سوق تصدير بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. وأصبحت الاقتصاديات الآسيوية الوجهة الأولى للنفط والغاز الخليجيين. كما أن الكثير من الشركاء التجاريين للكتلة بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقدوا اتفاقيات ثنائية مع الأعضاء بصفة فردية، كذلك، مثلا أمضت كل من البحرين وعمان اتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة.

وتعتمد هذين الدولتين الأقل ثروة نفطية مقارنة ببقية الأعضاء في المجلس على هذه الاتفاقيات إضافة إلى التجارة داخل الكتلة التي تمثل أكثر من 25 بالمئة من تجارتها الجملية. (بالمقارنة، تمثل التجارة داخل المجلس أقل من 10 بالمئة من التجارة الجملية لدى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت التي تصدر جملة ثرواتها النفطية إلى بلدان خارج المنظمة).

وإضافة إلى التجارة، تأخرت عملية اندماج العملة والبنية التحتية داخل الكتلة، فمنذ تكوينه، تعهد مجلس التعاون الخليجي بربط شبكات النقل لأعضائه. لكن الخط الحديدي المقترح باهظ التكلفة وغير مجد، وتم تأجيل تاريخ إتمامه بشكل مستمر بعد أن حدد في الأصل لسنة 2018.

وبشكل مشابه توقفت المحادثات بشأن إحداث عملة موحدة نظرا إلى اختيار الكويت وعمان والإمارات العربية المتحدة بدل ذلك حماية اقتصادياتها المتنامية. ولا يزال مجلس النقد الخليجي، الموجود مقره في العربية السعودية، يسعى إلى إحداث عملة الخليج، لكن جهوده بقيت في مقعد خلفي في الوقت الذي يتصارع فيه الأعضاء جراء إصلاحات عمل صعبة وأسعار نفط متدنية.

بالرغم من اختلاف السياسات للدول الخليجية فإن المجلس نجح في الكثير من الأحيان في العمل بشكل متسق

وتتناقص احتمالية اعتماد عملة مشتركة بما أن الدول الخليجية تحقق تقدما تدريجيا نحو هدفها النهائي المتمثل في التنوع الاقتصادي. وبشكل جماعي، يبلغ الناتج الداخلي الخام لمجلس التعاون الخليجي 1.4 تريليون دولار، لكن أغلبه يتأتى من النفط والغاز الطبيعي.

ولأن الاعتماد التام على النفط كان نقطة ضعف هيكلية بالنسبة إلى الكتلة الخليجية، فقد دفعت التطورات الاقتصادية والأمنية التي شهدتها المنطقة والعالم في السنوات الأخيرة، مع تذبذب أسعار النفط، أعضاء المجلس إلى التفكير في تنويع اقتصادياتهم. وأشعلت جهود التنويع هذه التنافس بين دول الخليج لأن الكثير من القطاعات التي سيحققون فيها النجاح (أو حققوا فيها النجاح) تتداخل؛ فمثلا كل أعضاء مجلس التعاون الخليجي حددوا مجالات النقل البحري والخطوط الجوية والمنتجات الهيدروكربونية والخدمات المالية كصناعات ذات أولوية.

وبعض هذه الدول، وخاصة الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر، قطعت أشواطا كبيرة في بناء هذه القطاعات من اقتصادياتها. ويكمن جزء من نجاحها في كونها متميزة ديموغرافيا عن المملكة العربية السعودية والبحرين وعمان. وفي الحقيقة حتى وإن كان التجانس في اللغة والتراث يربط مجلس التعاون الخليجي، فقد أصبح كل عضو فيه أكثر استعدادا لإبراز اختلافاته لإثارة روح الوطنية بين سكانه. بيد أن فعل ذلك قد يجازف بدعم التوتر الذي أحدثه التنافس بين الدول الخليجية. وإذا استمرت هذه الشروخ في الاتساع، فقد تختار الدول الأكثر استقرارا اقتصاديا في المجلس بأن تحضن شعبها بينما ترفض المساعدة في رفع الحمل عن الأعضاء الآخرين الذين يعانون من مشاكل اقتصادية.

وفي الأثناء ستزيد الرؤى المتباينة للدول الخليجية تجاه السياسة الخارجية الخاصة بالكتلة في تقويض وحدة مجلس التعاون، فمثلا كثيرا ما تجد قطر نفسها معزولة أيديولوجيا من طرف بقية الكتلة، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنها تنزع إلى مساندة الوكلاء والأحزاب السياسية الإسلامية في محاولة لزيادة نفوذها في المنطقة.

وفيما تركّز التباين بين قطر وبقية دول مجلس التعاون الخليجي على مستوى دعم الإسلاميين، بدت سلطنة عمان أكثر تباعدا على مستوى السياسة الخارجية والتعاطي مع الأزمات الإقليمية. فقد حافظت عمان على الحياد والعلاقات الودية مع إيران. وترى عمان كذلك مزايا اقتصادية كثيرة للعلاقات مع إيران ما بعد العقوبات، وخاصة في مجال الغاز واللوجستيات والسياحة.

وبالنسبة إلى سوريا كانت عمان العضو الوحيد في مجلس التعاون الخليجي التي أبقت على علاقات دبلوماسية مع دمشق بعد اندلاع الربيع العربي في 2011؛ وهو البلد العربي الخليجي الوحيد الذي لم ينضم إلى التحالف العسكري الإسلامي بزعامة سعودية لمحاربة الإرهاب؛ ولن تشارك عمان في عاصفة الحزم التي تقودها السعودية في اليمن.

وستخلق مصادر الاختلاف في السنوات القادمة صراعا بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي. وستواصل الحكومات المنفردة اتباع سياساتها الاقتصادية الخاصة واستراتيجيات التنويع ومصالحها في الخارج، ومع ذلك سيتغلب الأمن الذي يكسبونه من الوقوف جنبا إلى جنب على مزايا العمل الفردي، مما يضمن بقاء الكتلة موحدة بالرغم من التحديات التي تواجهها.

تكتل رغم الاختلافات

تعمل الرياض على تشجيع الكتلة على تجاوز خلافاتها والعمل كوحدة متجانسة ومتماسكة، رغم بعض الاختلافات. وقد تأمّدت هذه الجهود أكثر مع دعوة من ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، الأسبوع الماضي، إلى تكتل دول الخليج العربي المنتجة للنفط في ظل التغيرات الإقليمية والعالمية.

ورأى المحللون والمتابعون للشأن الخليجي في دعوة الأمير محمد، الذي أطلق تصريحات لافتة وجريئة منذ تعيينه وليا لولي العهد في أبريل 2015 ومنها انتقاده لاعتماد بلاده الكامل على النفط، إلى اعتماد نسبة صفر بالمئة على البترول في الدخل السعودي بحلول 2030، بحث عن قوة موحدة تقارع التكتلات والاقتصاديات الكبرى حول العالم.

وأشار المحلل المالي والاقتصادي عدنان الدليمي إلى أن رغبة الشعوب الخليجية، أقرب للتوحد، وقال إن “الشعوب الخليجية بحاجة إلى تكتل في كل القطاعات لخدمة قطاع أساسي وهو الأمن”، مضيفا أن المواطن الخليجي رغم الظروف المالية الحالية نتيجة هبوط أسعار النفط، “إلا أنه يوقن بأن الهدف الأسمى بالنسبة إليه هو الأمن، بسبب التدخلات الإيرانية من جهة والغربية من جهة أخرى داخل المنطقة العربية”.

وأمام ضبابية السياسات الاقتصادية للرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، يرى الخبير الاقتصادي العراقي وضاح ألطه أن على دول الخليج التوحد والتكتل، لأن مستقبل الاقتصاد العالمي سيكون أشد قسوة على دول العالم ككل.

وتأتي تصريحات ألطه، بعد موجة من التهديدات أطلقها ترامب خلال حملته الانتخابية تجاه المكسيك والصين والاتحاد الأوروبي، وهذا “سيطال المنطقة العربية ككل خاصة دول الخليج بحكم ترابط المصالح مع كل هذه البلدان بما فيها الولايات المتحدة”، وفق ألطه، الذي يتوقع أن تكون دول الخليج من ضمن الدول التي ستتأثر بسياسة ترامب الاقتصادية، “حتى اللحظة الترقب هو سيد الموقف، لكن ذلك لا يعني التحرّز من أي مفاجآت.. ربما حديث الأمير السعودي حول التكتل أحد أسبابه اعتلاء ترامب سدة الحكم”.

ورغم تشاؤم الدليمي من إمكانية التوصل إلى توافق يقود نحو التكتل، إلا أنه يرى أن “قبل التطرق إلى التكتل ربما الأجدى هو تفعيل السوق المشتركة، إضافة إلى التكامل والتجارة البينية والاتحاد الجمركي بين الدول الخليجية”.

7