دول منطقة اليورو تستعد للتخلي عن السيادة

الاثنين 2015/03/30

لو استطلعنا آراء المحللين قبل عام 2008 عن الموعد الذي يمكن أن تقترب فيه دول منطقة اليورو من الاتحاد المصرفي، لوجدنا الكثيرين يستبعدون حدوث ذلك قبل 20 أو 30 عاما.

لكن الأزمة الاقتصادية العالمية وأزمة الديون التي ضربت اليونان وأيرلندا والبرتغال وامتدت إلى أسبانيا وإيطاليا، جعلت الطريق الوحيد المتاح أمامها للهروب من الأزمة يفرض مزيدا من التقارب وصولا إلى الوحدة المصرفية التي أصبحت واقعا، سواء تم إعلانها أم لا.

آخر الضربات الحاسمة كانت إطلاق برنامج التيسير النقدي غير المسبوق، الذي بدأه البنك المركزي الأوروبي قبل نحو أسبوعين، والذي تبلغ قيمته 1.1 مليار يورو بمعدل 60 مليار دولار شهريا.

العلامة الفارقة في ذلك البرنامج هو شراء السندات السيادية للدول الأعضاء في منطقة اليورو، والذي أدى إلى تراجع حاد في تكلفة اقتراضها، باستثناء اليونان، التي يبدو أن المركزي الأوروبي عزف عن شراء سنداتها لإرغامها على تنفيذ شروط الاتحاد الأوروبي.

ويعد هذا الإجراء خطوة كبيرة نحو الاتحاد المصرفي، بعد أن تولى المركزي الأوروبي منذ العام الماضي مهمة الإشراف على المصارف المتعثرة دون المرور بحكومات الدول.

ومن المرجح أن تعزز الخطوة استقرار منطقة اليورو، لأنها ستمنع المضاربين من المراهنة على ارتفاع تكاليف اقتراض الدول المتعثرة، حين لا يمكن للمتعاملين في الأسواق مناطحة القوة المالية الهائلة للمركزي الأوروبي. وقد ظهر ذلك جليا في التراجع الحاد لعوائد سندات الدول المتعثرة.

أبعاد الاقتراب الكبير من الوحدة المصرفية التي ستصل حتما إلى قيام كيان سياسي موحد يمكن تسميته بالولايات المتحدة الأوروبية، تتضح في التصريحات التي صدرت عن رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، بعد إطلاق برنامج شراء السندات الأوروبية.

لم يخف يونكر أن دول منطقة اليورو أصبحت تتجه إلى قيام كيان سياسي موحد، حين قال إنه يؤيد أن يكون لدول منطقة اليورو ميزانية مشتركة على المدى المتوسط، كي تتسنى لها السيطرة على الاقتصاد.

بل إنه أمعن في التفاصيل ودعا إلى التفكير أيضا في تعيين وزير مالية مشترك لمنطقة اليورو، رغم أنه أقر بأن ذلك المنصب يستلزم “تغييرات هائلة في الاتفاقيات المشتركة” ليصل إلى القول بشكل صريح بأنه يتعين على الدول الأعضاء الاستعداد للتخلي عن السيادة.

الملامح التي أعلنها يونكر لكيان سياسي موحد لم تسفر عن ضجة أو أي احتجاجات من الدول الأعضاء، لأن الجميع يدرك أن منطقة اليورو لم يعد بإمكانها العودة عن ذلك الطريق الذي أصبح حتما مقضيا.

وأصبح واضحا أنه لم يعد بإمكان أي قوة الوقوف في وجه قيام حكومة أوروبية مركزية، يراقبها البرلمان الأوروبي بعد توسيع صلاحياته لتصبح أوسع بكثير من صلاحيات البرلمانات المحلية للدول الأعضاء.

لم يعد أمام منطقة اليورو من عقبة سوى تسوية العناد اليوناني، الذي بدأ ينحسر في الأيام الماضية بعد أن عجزت حكومة اليسار المتطرف في أثينا من لي ذراع منطقة اليورو.

وقد تزامن ذلك مع سلسلة طويلة من البيانات القوية، التي عززها تأكيد المركزي الأوروبي أنه سيبقي على سعر الفائدة عند مستواه القياسي المنخفض البالغ 0.05 بالمئة.

وظهرت مؤشرات على أن برنامج التيسير النقدي، الذي سيغرق الأسواق بالأموال سيؤدي إلى تخفيف انكماش الأسعار، بعد أن أدى إلى تراجع حاد في سعر صرف اليورو، مما يعني ارتفاع أسعار السلع المستورة وتكلفة السلع المنتجة في منطقة اليورو.

كما انخفض معدل البطالة في المنطقة إلى أقل مستوى له منذ 3 سنوات تقريبا، حيث تراجع إلى 11.2 بالمئة في يناير الماضي، وهو أقل مستوى له منذ أبريل 2012.

جميع المؤشرات تؤكد أن منطقة اليورو أصبحت قاب قوسين أو أدنى من قيام كيان سياسي موحد، وأنها ستخرج من عثراتها الاقتصادية الطويلة لتصبح قطبا اقتصاديا وسياسيا ينافس وقد يتفوق على الولايات المتحدة الأميركية.

11