دومنيك دو فيلبان: ألم أقل لكم إن غزو العراق سيشعل العالم بالحروب

الأحد 2015/11/22
زعيم فرنسي ترافع ضد الأميركيين وحلفائهم معتبرا داعش وليد سياساتهم

عمّان - كان دومنيك دو فيلبان يتخيل نصوصا ويقرأها على مدرّسيه من ورقة بيضاء، فيترك الواحد منهم فاغر الفاه من الدهشة. “سيصبح شاعراً”. هذا ما كانوا يتوقعون له. فكبر وصار شاعراً وسياسياً.

يقول دو فيلبان “أنا مقتنع بأنه، لا الأحزاب اليمينية ولا اليسارية قادرة على إيجاد الوسائل لحل المشاكل، هنا نحن بحاجة إلى بعض الخيال والعطاء، علينا أن نذهب أبعد من الإطار السياسي التقليدي”.

لا ينحتُ هذا التصريح إلا شاعر سياسي، أو سياسي شاعر. ربما في حالة دومنيك دو فيلبان لا فرق.

أضعف الإيمان عند رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق أن يطالب بوقف الحروب عن المعذبين، فهم على الدوام وقودها وأُكلها، ولم تكن تنقصهم مصائبها، لأن لديهم ما يكفيهم.

أيّ أسلحة تلك التي يتوجب على الشاعر أن يتدجج بها، وهو يخوض غمار السياسة؟ وأيّ متاريس ستحمي لغته الحالمة وشاعريته المرهفة من براثنها وفداحتها؟ كيف يجرؤ على مغادرة فسيح اللغة وعالم الخيال، ليحمل معولاً يبتغي به فكفكة طلاسم، طالما صُنعت لتغطي جرائم ومصائد الإنسان المستذئب لأخيه الإنسان الضحية؟ وأيّ أخوّة ستبررها اللغة وهو قاتله منذ بدء التاريخ؟ وملقيه في غيبة الجب، وناهش لحمه، وماصّ دمه؟

اللغة أوسع محرابا عندما يكون مداها الشعر، فما يفعل شاعر تحاصره المداولات السياسية الباحثة عن ذرائع تبرر صناعة الجرائم وفظائعها، حينها لن يحتاج إلى الكثير من المفردات، لأن الفعل مُبتذل في الأصل، فتكفيه الركاكة شارحة بذاءته وتسطيحاته.

هل حصّن الشاعر نفسه جيدا، وهو يغادر أُبّهة القصيدة، لينخرط بتسيير أعمال السياسة، وسط حقولها المُتقذّرة؟ هل نجا بجلده من شرر المجازر والمقاتل المتطاير وشرور أمراضها وطواعينها؟ وكيف له أن يحارب أصنامها المُتَحزّمة بالسلطة وسطوتها، ويمضي منافحا أمام جبروتها، متسلحا بجرأة في الحق، تؤهله للخوض في غياهبها، وهل سيصمد متسلحا بالصدق أمام الدجل والتلفيق، وبالوعي أمام تزييف الوعي، وبالنبرة العالية للحق أمام أصوات “فن الممكن” الخفيضة للساسة.

لا شك أنها لمخاطرة عظيمة غير مأمونة العواقب تحفّها منزلقات ومنحدرات طالما هوت بها قامات وركعت أمام مُغرياتها فتلوثت في خطوط صرفها الآسنة، بعد أن زيّنت لها الشياطين رجس أعمالها بألوان من حياة زائلة وراحت تدافع عن وجهها القبيح.

دومنيك دو فيلبان رفض الركاكة وخاض غمار تجربته الجزلة الخاصة، من دون هوادة، متسلحا بإنسانيته وإيمانه الراسخ بقيم الجمهورية والديمقراطية، محاولا أن يجابه التحريف عن المسار المعبّر عن روح ونصوص ما سعى إليه طلابُ الحرية عبر الأزمان.

دوفيلبان يدعو بلاده إلى استعادة دورها الدولي، وأن تتصدى لحل للأزمة السورية. يقول إن ذلك يبدأ بالحوار مع النظام، دون أن يفوته، التأكيد على ضرورة تنحي الأسد عن السلطة في الفترة الانتقالية

دخل السياسة من أوسع أبوابها غير متوان عن سعيه الحثيث لأنسنتها، والوقوف علانية في وجه أطروحات صموئيل هنتغتون وحضاراته المتصارعة التي تريد العودة بالبشرية الى مربعات الغرائز الأولى المُغلفة بالجهل والصراعات المرتّدة للدم والهوية كوسيلة وحيدة للبقاء.

قد لا يستطيع رجل عادي أن يقف في وجه آلة متوحشة ويلجم جماحها، لكن لا بد من “نفي” يُذكّر بجادة الصواب، ويعيد لهذا العالم روحه المؤنسنة، التي تشرح للأجيال القادمة، وللتاريخ، علامات التحوّل الصاعد باتجاه التطور والترفع والتطهر من كل الممارسات قصيرة النظر.

العراق وتفجيرات باريس الأولى

لم يكن الشاعر دو فيلبان، وهو يقف في مجلس الأمن، يدافع عن العراق، أو عن نظام الرئيس صدام حسين، بل عن القيم الإنسانية السوية في مواجهة مفتوحة مع تجار الحروب ووحوشها.

أراد أن يلقّن الجميع دروس المقاومة؛ مقاومة الفكرة الخاطئة بالفكرة الصحيحة. وقف ضد شرعنة الحرب على العراق وتلبيسها أقمشة الإنسانية، وطالما حاول إرجاء أو تعطيل القرار ببدء الحرب، لكن كولن باول وزير خارجية أميركا -آنذاك- كان قد صارحه في لحظة، أن العملية قد بدأت وإعداد عِدَد الحرب قد بدأ، وأن الجيوش استُنفرت والعسكريون ارتدوا بزاتهم. وكان ذلك قبل ظهور نتائج التحقيق.

استنهض دو فيلبان أعضاء مجلس الأمن وطار إلى بابا الفاتيكان يوحنا بولص الثاني في محاولة لوقف حرب اقتربت، كان على قناعة ثبتت صحتها فيما بعد أن الحرب تجر حروبا، والصراع يأتي بمزيد من الويلات وستشعل صراعات الهويات في المنطقة. هذا ما حصل. اليوم يكاد يقول للجميع: ألم أقل لكم؟

وقعت الحرب رغم أنف الفيتو الفرنسي، وأشّرت تفجيرات باريس في تلك الفترة، إلى الأصابع الخفية وراء كل ذرائع الحرب. فهناك من يصنع ويفرّخ الذرائع التي يستحضرها دعاة الحروب عند الحاجة.

لاحقا، دُمّر العراق، وأصبح مباحا، قسمته الميليشيات الطائفية على نفسها شارعا شارعا وحيا حيا، ومدينة مدينة. هنا خرجت عن السيطرة مساحات واسعة صارت ميدانا للقاعدة، فأنشأت عليها لاحقا دولة الخلافة بعد أن لبست “قاعدة العراق” ثوب داعش، وكان التنظيم قد بقي محاصرا في أفغانستان سنين وسنين. صار الآن يتجول موزّعا الموت في كل مكان. فهل تحققت نبوءات دو فليبان وهو يحذر الغرب من أن الحروب رحم الإرهاب الأول.

جدال حاد ما بين ساركوزي ودو فيلبان

الجمال والبشاعة

منذ البداية لم تستقبل الولايات المتحدة بالترحاب خبر تعيين دومنيك دو فيلبان رئيسا للوزراء في فرنسا لما قدمه في دفاعه اللافت في الأمم المتحدة معارضا التدخل الأميركي في العراق.

ذاك أمر طبيعي، فلا بد لـ”الجَمَال” أن يكون في خندق مقابل للتوحش، فالجمال لا يُساكن البشاعة. كان لا بد لروح الشاعر من أن تُحلق بعيدا عن مجاري السياسة الهابطة المتعطشة لإهراق الدماء. هذا تماما ما استفز دهاقنة واشنطن ليستخرجوا أحقادهم على فرنسا بل وعلى أوروبا كلها، فوصفها بوش ورامسفيلد بالقارة العجوز المغرقة في القدم. كل ذلك مرّده أنها لم تتقبل فكرة الرقص على وقع أحذية اليانكي وطبوله المُنذرة بالحرب.

كانت لدو فيلبان رؤيته الخاصة في معالجة الإرهاب تتسم ببساطة مفرطة وتستند إلى أن العلاج مبني على تشريح الأسباب لا الذهاب إلى النتائج والاستنتاجات المتعجّلة على شكل ذرائع لإعادة إنتاج المشكلة.

لا بد من تصحيح مسارات السياسة المُنجرّة خدمة لرأس المال المتوحش والمتنصلة من كل قيم الإنسانية، وما تدّعيه دساتير الغرب المفعمة بمبادئ الحرية والإنسانية والعدل.

نسي الغرب المنشغل بالإنجازات والتراكمات الاقتصادية أن الأخلاق لا تتجزأ، وأنه لا بدّ من مراعاة الجوانب الإنسانية، على الأقل، ليضمن أمنه من ارتداداتها. فنحن نعيش في عالم واحد، تتسع دوائر الأحداث الصغيرة في أقاصيه موصلة أثرها إلى ضفافه القصية الأخرى.

إن تعطل الديمقراطية والحرية في “المستعمرات البعيدة” ستكون له نتائج تقضّ مضاجع الآمنين في “المراكز”، وكذا افتعال الحروب والفتن. هذه أفغانستان نموذجا وتلك الجزائر والصومال. والعراق وليبيا حاضران كذلك. كل ذلك سيكون له ارتداداته المؤكدة والتي تحقق منها ما تحقق.

فندق الأرق

وقف دو فيلبان، لذلك، ضد الحروب منتميا لقناعاته الراسخة، بأنها لن تجُرّ سوى الصراعات الأهلية والاقتتال على الهوية، والمزيد من الإرهاب.

قناة "بي أف أم تي في" الفرنسية الخاصة، تحاور دو فيلبان تعقيبا على الأحداث الأمنية التي شهدتها فرنسا، ليحمل السياسة الغربية المسؤولية عن تفريخ بؤر الإرهاب حول العالم. معتبراً أن "داعش" "وليد مشوه" لهذه السياسات التي وصفها بـ"المتغطرسة" و"المتقلبة"

في حوار مع قناة “بي أف أم تي في” الفرنسية الخاصة، تعقيبا على الأحداث الأمنية التي شهدتها فرنسا، دو فيلبان حمّل السياسة الغربية المسؤولية عن تفريخ بؤر الإرهاب حول العالم. واعتبر أن داعش “وليد مشوه” لهذه السياسات التي وصفها بـ”المتغطرسة” و”المتقلبة”.

وقال “حان الوقت أن تتعلم أوروبا والولايات المتحدة من تجربة الحرب على أفغانستان؛ ففي عام 2001 (الحرب الأميركية في أفغانستان) كانت لدينا بؤرة إرهاب رئيسية واحدة، أما الآن وبعد خوض عمليات عسكرية على مدار الـ13 عاما الماضية شملت أفغانستان والعراق وليبيا ومالي أصبح لدينا نحو 15 بؤرة إرهابية بسبب سياستنا المتناقضة”.

في كتابه “فندق الأرق”، يكرّس الشاعر ورئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومنيك دو فيلبان، صفحات للحديث عن صديقه الشاعر الراحل محمود درويش، وذلك ضمن حديثه عن قامات شعرية كبيرة كرامبو وآرتو وشار.

يسرد دو فيلبان لقاءه الأول بدرويش فيقول “يا لذلك اللقاء الأول مع محمود درويش في صالونات الكي دورسيه متناهية الفخامة، هناك حيث كان احتساء الشاي بالنعنع على حافة النافورة كافياً، فلا الديكورات الباهرة ولا الملائكة المنحوتة تستطيع إضافة شيء لهيبة هذا الرجل منتصب القامة في إطار الباب، إنّ له ضوء نجمة حزينة”.

طبعا، لا يخفي دو فيلبان تعاطفه مع الشعب الفلسطيني في مواجهة اغتصاب أراضيه وتهجيره، ولا يتوانى عن انتقاد السياسات الإسرائيلية وممارساتها، خصوصا حيال الحروب التي شنتها على قطاع غزة.

استعادة الدور

دو فيلبان يدعو بلاده إلى استعادة دورها الدولي وأن تتصدى لحل للأزمة السورية. يقول إن ذلك يبدأ بالحوار مع النظام، دون أن يفوته، التأكيد، على ضرورة تنحي الأسد عن السلطة في الفترة الانتقالية.

يرى أن الوصول إلى طريق مسدود للأزمة السورية قد تحقق بالفعل، وأن المجتمع العالمي يظهر العجز في تقديم الحلول. لا بدّ، حسب رأيه، أن تفهم الأسباب أولا، ويشرح ذلك بالقول “نحتاج لمعرفة بعض السياق التاريخي، فخلال الأزمة الليبية كان هناك انطباع، في روسيا والصين ودول أخرى من المجتمع الدولي، أن الدول الغربية تجاوزت صلاحياتها من قبل قرار الأمم المتحدة بشأن ليبيا. وبدأت هذه البلدان تعتقد بأن المجتمع الدولي قد انتقل من حماية السكان في ليبيا إلى الرغبة في تغيير النظام الليبي. روسيا لديها الانطباع أن هناك خداعا، وأعتقد أن علينا أن نتعلم من هذا الدرس”.

موقف دو فيلبان الشهير الرافض لاتخاذ قرار في مجلس الأمن لشن الحرب على العراق

“كيف يمكن الخروج من هذا الوضع؟” يسأل ويجيب “أعتقد أن فكرة وقف إطلاق النار غير المشروط هي ما سيؤدي إلى المفاوضات دون شروط مسبقة، الفكرة هي السبيل الوحيد للخروج من الأزمة السورية، اليوم، العديد من الدول الأوروبية على استعداد للتفاوض، ولكن بشرط أن النظام في سوريا يجب أن يتغير”.

الاعتذار أولا الاعتذار أخيرا

لم يغير الزمن دو فيلبان. بقي منسجما مع ذاته على الدوام. دو فيلبان المسؤول، هو دو فيلبان الشاعر، وهو دو فيلبان المواطن، وهو نفسه المفكر والسياسي المتقاعد، وربما إلى حين.

فلا بد من عودة للروح، لتصحيح ما اقترفته فرنسا من أخطاء جسيمة بحق شعوب المنطقة، ابتداء من “سايكس-بيكو” التي أنجزت تفتيت الوطن العربي إلى دويلات مهدت الطريق لوجود إسرائيل، مرورا بنشاطها الاستعماري، إلى مساعدتها لإسرائيل في بناء المفاعل النووي (ديمونة)، وأخيرا لدورها في إرباك ثورات الربيع العربي ومنذ اللحظات الأولى في تونس.

يأبى دومنيك دو فيلبان، على الدوام، إلا أن تكون له نكهته الصادقة ومسحته الإنسانية المميزة، كعلامة سياسية فارقة تؤسس لنظرة جديدة ترنو إلى حل المشكلات العالقة في العالم، فاتحة المجال لشعوب الشرق الأوسط وأفريقيا لأن تلحق بركب العالم المتقدم.

لن يتأتى ذلك إلا من خلال رؤية نقدية للسياسة الغربية، التي ما فتئت تتعامل مع دول المنطقة وشعوبها كرعايا من الدرجة الثانية. أما ما يتعلق بسياسة بلاده، فإنه لا بد أن تبدأ قبل كل ذلك بالاعتذار أولا من الشعوب التي كانت مستعمرة من قِبلها، وعن كل ما ارتكبته فرنسا الكولونيالية من جرائم إبان الحقبة الاستعمارية بحق هذه الشعوب.

8