دومينيكو دي مارتينو: دانتي أليغيري كتب للآتين من المستقبل

مدير مهرجان "دانتي 2021" يرى أن المحاورات والكلمات والقناعات جعلت من "المتوسّط" منبع إثراء لجميع الأقوام والجماعات التي مرّت به أو تشاطأت معه.
الأحد 2020/06/21
كل ما يحدث في "الكوميديا الإلهيّة" يرمي إلى التحرر (غرافيك الجديد)

لم تكن حياة الشعراء دائما وعلى مرّ العصور، هانئة هادئة أو نائية عن المخاطر، وباستثناء حالات قليلة، أو فترات ضئيلة، نال فيها بعض الشعراء حظوة عند الحاكمين، فإنّ أغلبهم، وبصرف النظر عن مستوياتهم أو نوعية أنظمة الحكم التي عاشوا في ظلّها أو تحت ربقتها، نالوا ممّا ناله أبناء شعوبهم من جور وعسف وفاقة وتشريد. وينطبق هذا خصوصا على الشاعر الإيطالي دانتي أليغيري (1265 – 1321) الذي كتب “الكوميديا الإلهية”، والذي يعتبر من أعظم الشعراء الأوروبيين ويحتفل العالم بذكراه الـ700 بعد أشهر.

كتب دانتي أليغيري “الكوميديا الإلهية” متضرّعا أن يمنّ عليه الربّ بـ’لغة قويّة’ توصله إلى الآتين في المستقبل، وهو المنفي من فلورنسا والمُلاحق” من قبل سلطاتها واللاجئ إلى رافينّا التي احتضنته وضمّت رفاته، وها هي تستعد لتحتفل في شهر سبتمبر من عام 2021 بالذكرى المئوية السابعة لوفاته، وحتى ذلك الحين، فإن مدينة رافينّا ومنذ سبع سنين تحتفل في أواسط سبتمبر من كل عام بهذه القامة السامقة التي فردت ظلها على الثقافة الإيطالية وطالت بها ثقافات أخرى، رغم أن مصيره الشخصي في ظل الصراعات السياسية في عصره كتب عليه أن ينتهي منفيّا، مقصيّا من مسقط رأسه فلورنسا، ومحكوما عليه فيها بالإعدام، وقد نجا بنفسه من ذلك الحكم ملتجئا إلى مدينة رافينّا الشماليّة الشرقيّة ذات المرفأ التاريخي الذي تذكره أدبيات العصر الهيليني، فاحتضنته وآوته واستضافته ومنحته مثواه الأخير.

استعدت ذلك وأنا أحاور دومينيكو دي مارتينو، الباحث والبروفيسور الفلورنسي المعروف، بعد أمسية قراءات شعرية في فلورنسا لشاعر عربي قادم من لندن، ومارتينو هو مدير مهرجان “دانتي 2021” ويشغل الموقع منذ ثمانية أعوام، وهو مهرجان سنويّ تمهيدي يُقام في مدينة رافينّا استعدادا للاحتفاء الكبير بشخصية وإنجاز صاحب الكوميديا الإلهية وتأثيره على الثقافات في العالم، والذي تستعد إيطاليا له منذ سنوات ممثلا بالذكرى المئوية السابعة لوفاته، وذلك في العام بعد القادم.

دانتي والعرب والمتوسط

الجديد: لماذا تحتفي رافينّا بهذا الشاعر بدلا من فلورنسا التي أعادت الاعتبار إلى ابنها البار منذ قرون؟

دومينيكو دي مارتينو: السبب في ذلك أنّ دانتي أليغيري توفّي في رافينّا ودُفن فيها، ورافينّا هي المدينة التي آوته بعد أن اضطر إلى الهرب من مدينته فلورنسا وعلى رأسه سيف دامقليدس بفعل قرار بالإعدام أصدرته ضدّه سلطات المدينة بسبب أفكاره وآرائه. لكنّ فكرة المهرجان انطلقت من معطى مادّي ملموس وبسيط، لا يوجد يوم مخصص لدانتي أليغيري في إيطاليا، كما هو الحال بالنسبة إلى اليوم المخصص لسيرفانتيس في إسبانيا، أو كما هو الحال في إنجلترا حيث هناك يومان خُصّص أحدهما لشكسبير والآخر لجيمس جويس، لذا فكّرنا، أو بالأحرى، فكّر بذلك باولو دي ستيفانو، الصحافي في جريدة «كورييري ديلا سيرا» لنقل هذا التقليد إلى إيطاليا وثمّنه على ذلك الكثيرون وحاولت أنا أيضا تقديم مساهماتي في هذا الإطار.

وللأهمية التاريخية والجمالية التي امتلكها دانتي أليغيري على ثقافات عديدة في العالم، فقد فكّرنا في تخصيص أمسية واحدة يتلاقى خلالها ممثلو العديد من الثقافات ليمنحونا قراءاتهم لدانتي ولتأثيراته على ثقافاتهم وعلى أداء الشعراء لديهم. ففي مساء الثالث عشر من سبتمبر سيلتقي مترجمو الكوميديا الإلهيّة إلى اللغة الفرنسية والنرويجية والإسبانية إضافة إلى رئيسة قسم الدراسات الإيطالية في جامعة القاهرة، وقد دعونا الشاعر العربي نوري الجراح لحضور أمسية القراءات، والذي سيحمل إلينا تجربته كشاعر وكممثل لحضارة ولغة أخرى، لكنهما حضارة ولغة وثيقتا الصلة بتجربة دانتي أليغيري، وأعتقد بأن هذه التجارب المختلفة ستثري وتزيد من المشتركات ما بين هذه الثقافات وتفتح فضاءات للحوار حول ما يختلف عليه.

الجديد: فيما كانت للّغات والثقافات الأخرى، ولا تزال، آصرةُ تأثّر بدانتي أليغيري وبـ«الكوميديا الإلهية»، فقد أكّدت دراسات كثيرة على وجود آصرة مغايرة لدانتي مع الثقافة العربية، وبإمكاننا الجزم بأنّ هناك علاقة وطيدة ما بين نصّ «الكوميديا الإلهية» وأعمال من الثقافة العربية، مثل «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعرّي، على سبيل المثال، لا الحصر.

دومينيكو دي مارتينو: أعتقد بأنّك على حق، وأرى بأنه رأي معقول لا لبس فيه. ففي عصر دانتي كان فضاء عالم «المتوسّط» وما حواليه متّسعا وأكبر بكثير ممّا قد يتخيّله البعض، إلاّ أنّه كان، في الوقت ذاته، صغيرا وضيّقا، وكان فضاء غير مستحيل المنال أو الوصول إلى أرجائه.

ولم تقتصر الحركة على التجارة وعلى انتقال الأشخاص، بل أيضا، وربّما بشكل خاص، على حركة الأفكار والرؤى.

كانت ضوضاء الخلفية في ذلك الزمان أدنى صخبا بكثير عمّا هي عليه منذ ما يربو على قرن، وصار الصخب في السنوات والشهور الأخيرة يصمّ الآذان ويوشك على إعماء الأبصار، وربّما البصائر أيضا.

المتوسّط منبع إثراء لجميع الأقوام فهو ممر لتبادل الأشياء والأفكار ما بين الشرق والغرب وما بين الشمال والجنوب

لقد عثر باحثون كبار على تشابهات ما بين ارتقاء النبي محمّد في معجزة «الإسراء والمعراج» و«رسالة الغفران» لأبي العلاء المعرّي و«الكوميديا الإلهية» لدانتي، كما وجدوا في جميع هذه المنجزات تقاربا يشبه التطابق في الرحلة إلى العوالم في الحياة الأخرى.

الجديد: لو أخذنا في الاعتبار التراتب الزمني لهذه الأحداث والمؤلّفات، فهل بإمكاننا اعتبار ما نتج في ما بعد نسخا، استعارة، تناصّا، أم ماذا؟

دومينيكو دي مارتينو: بإمكاني الجزم بأنّه ليس نسخا، لم ينسخ أحد من الآخر، بل إنّ تلك الأفكار شاعت وانتشرت ليس فقط عبر الكتب، بل أيضا عبر المحاورات والكلمات والقناعات، وجميعها أمور جعلت من «المتوسّط» منبع إثراء لجميع الأقوام والجماعات التي مرّت به أو تشاطأت معه، وامتد أثر ذلك حتى أبعد من الفضاء الجغرافي البحت للمتوسّط، إذ كانت هذه المنطقة ممرّا ومعبرا لكل ما يمكن أن يُتبادَلُ به من أشياء وأفكار ما بين الشرق والغرب وما بين الشمال والجنوب، من شمال أوروبا وغربها وصولا إلى الهند والصين. الأفكار تتحرّك بحريّة حتى أكبر من حركة البشر أنفسهم، وقد تولّد في بعض الأحيان صداما بين الثقافات، لكنّها تولّد بالتأكيد حوارا، انظر إلى ما هو قائم، حتى اليوم، في إسبانيا وفي صقليّة.

لكن ينبغي التذكير بأنّ ذلك الحوار لم يكن ودّيا على الدوام، بل كان، في كثير من الأحيان، مشحونا بالكثير من سوء الفهم، ليس علينا أن نتخيل ما أسمّيه حوارا بما لم يكن عليه بالفعل.

بالتأكيد، وفي رأيي، لو تأمّلنا في عدد من الموضوعات التي وردت في بنية «الكوميديا الألهيّة»، وبالذات تلك التي لها صلة بالعالم الآخر، فإنّنا سنجدها متشابهة في الثقافتين المسيحيّة والإسلامية. لا أرغب أن يبدو حديثي هذا لاهوتيّا، فاللاهوت ليس مجال بحثي ولا أمتلك مفردات الخوض فيه، بل أنا أتحدّث عن مفردات الشعر والإلهام البشري والتأمّل.

الإنصات إلى الآخر

الجديد: يشبه هذا الأمر حالة استخدام مفردة «الحب» من قبل ملايين الشعراء والكتّاب، ولو قرأت لكلّ واحد منهم لاكتشفت فيه ما هو فريد وجديد وخاص بذلك الشاعر أو الأديب.

دومينيكو دي مارتينو: بالضبط، هناك دائما ما هو جديد في المشاعر الإنسانية التي تنطلق من الحب لأنّه ينطلق من الخصوصيّة المختلفة عن الخصوصيّات الأخرى. ليس في الدنيا كلّها من هو شبيه، بالمطلق، بأيّ شخص آخر.

ونحن نقرأ هذا النوع من الكتب نكتشف بأنّ الحب هو ما يكوّن آصرة الأشياء وليست الحرب، فبإمكان الحب أن يكون هو الإله أو أن يكون الطبيعة، لكنّه، في نهاية المطاف هو من يمنح الأشياء قيمتها وكنهها، بالأمس، كما هو اليوم.

أنا أحذر كثيرا من إسقاط الماضي على ما يحدث في حاضر اليوم، لكن إذا لم يكن الماضي قادرا على أن يوضّح لنا بعضا ممّا نتواجه معه اليوم، فهو ماض ميّت ونافق بالتأكيد، لذلك أقول إنّ أمامنا اليوم فرصة ذهبيّة للتحاور واكتشاف الاختلافات، التميّزات وأوجه التشابه والقرب، وإنّ التأمّل في كلّ ذلك وإعادة النظر في ما يبدو أنّه صار من المسلّمات السلبية أمر في غاية العجالة والأهمية.

أنا أعتقد بأنّه لو كان دانتي أليغيري حيّا يرزق بيننا لدعانا إلى الحوار، ولشعر بفرح لا نهائي وهو يرانا نتواجه متحاورين، وأكثر من ذلك لو أنّ أحدنا يستمع إلى الآخر، فما بالك إذا تمكنّ أحدنا من الإنصات إلى شعر الآخر، واستشعر ما يختزنه ذلك الشعر، بالفعل، من ثراء للجميع. فالشعر إنقاذ للعالم من هول الحروب والصراعات.

الجديد: هذا يعني أنّك تثق باقتدار الشعر على إنقاذ العالم؟

دومينيكو دي مارتينو: لست واهما ولا حالما، لكنّي أثق بذلك بالتأكيد، وأثق بأنّ القدرة  على الإنصات إلى الآخر ستحول دون حدوث صراعات ومواجهات، وسواء أكان ذلك داخل مبنى سكني متعدّد العائلات أو في حيّ أو مدينة، وإذا ما وسّعنا الفضاء ما بين الدول والأقوام، فالإنصات إلى الآخر قد يحول دون الكثير من الحروب ودمارها المرعب.

ولو توقّفنا لوهلة قصيرة للإنصات إلى الآخر والاستماع إلى ما يقول، حتى في مراحل اجتياحنا من قبل الحروب، فإنّ ذلك يعني أنّنا أنقذنا تلك الوهلة القصيرة من لهب الدمار والحرب، وإذا ما امتدّت تلك الوهلة إلى خمس دقائق فذلك أفضل، وإذا ما دامت لخمس سنين فهو أفضل وأفضل، وإذا ما دامت إلى الأبد فسنكون في العالم الأجمل على الإطلاق.

إن فعل الإنصات إلى الآخر هام للغاية، ودون إيهام الذات أو اختلاق الأحلام، أقول إنّ العالم ليس فضاء سهلا، بل هو فضاء عسير ومعقّد، فنحن، كبشر محكومون، بفعل طبيعتنا، باقتراف عدد من الأخطاء التي تؤول أحيانا إلى تداعيات مرعبة، سواء في حيواتنا الخاصّة، أو على صعيد فعلنا المجتمعي. وعندما نقترف خطأ في حياتنا الخاصة ندفع ثمن ذلك الخطأ، وتكون التداعيات أكثر رعبا عندما يتعلّق الأمر بحياة الشعوب والأقوام، لكنّي واثق من أن للإنصات إلى الآخر تأثيرا إيجابيا هاما.

نحن الآن نتحدّث عن دانتي أليغيري، لكن إذا ما وسّعنا الدائرة وتحدّنا بشكل أعمّ، عن الشعر والفكر وعن الإنسانيّة الحقيقيّة فإنّنا سننقذ شيئا ما، لا أعني أنّنا ننقذ حيوات بشر، لكنّنا ننقذ ما يمكن أن يعود بالنفع والخير على البشر ويسهم في عيشهم بشكل أفضل.

صوت الشاعر

لو كان دانتي أليغيري حيّا يرزق بيننا لدعانا إلى الحوار ولشعر بفرح لا نهائي وهو يرانا نتواجه متحاورين
لو كان دانتي أليغيري حيّا يرزق بيننا لدعانا إلى الحوار ولشعر بفرح لا نهائي وهو يرانا نتواجه متحاورين

الجديد: بروفيسور دي مارتينو، كنت تعرف قصائد الشاعر السوري نوري الجرّاح بالإيطاليّة قبل الأمسية التي حضرناها معا، لكنّك، رغم عدم معرفتك باللغة العربية أردت الاستماع إلى القصائد العربيّة مؤدّاة من قبل الشاعر. كم هو مهم، برأيك، ترجمة الشعر العربي، بالذات في هذه الفترة، وكم هو مهم الاستماع إلى شاعر يلقي قصيدته بالعربية على مستمع إيطالي؟

دومينيكو دي مارتينو: ترجمة الشعر العربي إلى اللغات الأخرى أمر في غاية الأهميّة، وإلاّ فإن الكلمات ومعانيها لن تصل إلى القارئ أو المستمع دونها. لكن هناك أهميّة استثنائية لمسألة الاستماع إلى ذلك الشعر مؤدّى، والأهم من ذلك، أن يكون الملقي هو الشاعر نفسه، لأن الكلمات ونغماتها ستصل إلى الأسماع بالطريقة التي تمّ التفكير بها من قبل من سطّر كلماتها بنفسه.

 كنت سأفهم القصائد مترجمة كنص، لكنّي بالتأكيد كنت سأفقد الكثير لو لم أستمع إليها مؤدّاة بصوت نوري الجراح، فلربّما كانت ستصلني رسالة محدودة الفعل.

بطبيعة الحال كان المحتوى معبّرا عنه بالترجمة، لكن مع الأخذ في الاعتبار بأنّني لا أمتلك مفردات الحكم على الترجمة ومدى أمانتها للنص الأصلي، لإيقاعه ولمعاني الكلمات فيه، فإنّ ما وصلني من القراءات باللغة العربية هو ما كانت تبثّه الروح الشعرية للشاعر نفسه، وهي روح، بالإضافة إلى كونها لشخص واحد، تعبير عن تقاليد عريقة، وعن أشياء بدت لي وكأنّها، رغم أنّها قيلت بلغة لا أفهم منها أيّ شيء، قريبة من تقاليدنا القديمة، وكمثال، أشير إلى بعض التكرارات التي تلمّستها، وبعض الإيقاعات والسلاسة اليوميّة التي تقال فيها الكلمات، بنعومة، بقساوة أو بحزم، وبمقدور كلّ ذلك أن يحدث تغييرا في مغزى ومعنى ما يقال، أو أنّ طريقة القول تدرجها في إطار مغاير للكلمة المكتوبة مملّكة إيّاها قيمة مغايرة. كان الاستماع إلى قصائد الشاعر ملقاة من قبله (إلى جانب الترجمة الإيطالية) يوضّح لي المحتوى الذي يخبر عن أشياء وأحداث رهيبة مأساوية ودراماتيكيّة، ومع ذلك فقد بدت لي تلك القراءة تواجها مع فلسفة قديمة علّمت البشريّة طرائق للتعامل مع ذلك النوع من المآسي، وكيفية روايتها.

 لم أكن أرى أمامي مجرّد الشاعر الفرد، بل جزءا من لوحة كاملة لتاريخ روى الكثير من الأشياء والأحداث، وهو التاريخ نفسه الذي يروي في لحظة تلك القراءة، عبر هذا الشاعر العربي، عمّا يحدث الآن في بلده سوريا.

 حتى الابتسامة الحزينة التي كانت تتبدى على ملامح الشاعر بين الفينة والأخرى في لحظات قرائية، كنت أراها تلميحا إلى قدرة ذلك التاريخ على منح الأمل رغم المأساة. لقد كان ذلك الأمل بالذات هو ما يحرّك تلك القصائد، كلّ ذلك ما كان ليبلغني لولا مشاهدة الشاعر والاستماع إليه وهو يؤدّي قصائده بصوته وتعبيره، فقد كان يضع كل المعاني في إطار إيقاعي، بدا لي عريقا وقريبا في آن، وذكّرني بمقدرة الحكّائين المجتهدين في رواية الأحداث، بطريقة شعبيّة، طريقة شاملة ومتحاورة مع المستمع، وهو ما كان يوّلّد فضاء يدعو إلى التأمّل وإعادة التفكير بالقيم المتباينة والمتوافقة.

كتاب عن الحياة

الجديد: في «الكوميديا الإلهية» يقوم دانتي برحلته في العالم الآخر برفقة دليله فيرجيل، ورغم أنّ الرحلة تروي ما بعد الموت، فإنّ من الواضح أنّ دانتي أليغيري يتحدث عن الحياة، وأنا لم أستوعب «الكوميديا الإلهية» أبدا ككتاب عن عالم الموت بمقدار كونه كتابا عن الحياة، عن جمالها وعن القيم التي تختزنها.

دومينيكو دي مارتينو: بالضبط، كما تقول، إنّه كتاب عن «الحياة». وقبل أن يكتب دانتي «الكوميديا الإلهيّة»، تواجه كتّاب كثر، وبلغات مختلفة، مع الموت عبر رحلات متخيّلة في العالم الآخر، وبالذات في الجحيم، لكن كانت لجميع هذه الكتب مهمّات، مباشرة أو غير مباشرة، ذات طابع ديني أو اعتقادي، إذ كانت ترمي إلى إرهاب الناس وإلى حثّهم على عدم اقتراف الخطايا، في حين، يحمل دانتي البشر، عبر ممالكه الثلاث في العالم الآخر، أي الجحيم والمطهر والفردوس، صوب التحرّر من تلك الخطايا.

وبرغم الحضور الكبير للعقاب عن الخطايا المقترفة والشروح المفصّلة لذلك العقاب، فإنّ كل ما يحدث في «الكوميديا الإلهيّة» يرمي إلى التحرّر من تلك الخطايا وإلى الغفران، وقد أعلن دانتي عن ذلك صراحة في إحدى رسائله مؤكّدا أنّ هدفه الأساسي هو «اقتياد العالم نحو السعادة» وهذا هو الأمل.

ينشر بالاتفاق مع "الجديد" الثقافية الشهرية اللندنية

11