دونالد ترامب الرئيس الأميركي الذي يخطئون قراءة أفكاره

الإعلام لا يرى في ترامب غير الرجل الفوضوي المتعجرف واليميني العنصري المنحاز لصالح الرجل الأبيض.
السبت 2019/07/20
غير العالم بسياسات "ميغا" غير التقليدية

في الرابع من شهر يوليو الجاري الذي يصادف عيد الاستقلال الأميركي، كان الاحتفال في مدينة كالامازو بولاية ميشيغان مغايرا تماما لما شهدته مدن الولايات المتحدة من احتفالات رسمية وشعبية عارمة بهذه المناسبة.

فقد قرر الزوجان، الضابط في سلاح البحرية الأميركية جيف جونسون وعروسه أودرا، أن يقيما حفل زفافهما في هذا اليوم تحديدا؛ يوم الاستقلال، وأن يحمّلاه بصمة وطنية خالصة وعربون ولاء وتأييد للرئيس دونالد ترامب، ولشعاره الذي أطلقه في حملته الانتخابية للعام 2016 “اجعلوا أميركا عظيمة مجدّدا”، والذي يختصر بأحرفه الإنكليزية الأولى في عبارة  “ميغا”. ولهذا الغرض اتجهت العروس إلى العاصمة واشنطن مع إشبيناتها للقاء مصمم الأزياء أندريه سوريانو، وهو من أكبر المناصرين لترامب،

ويرتدي باستمرار قبعة كتب عليها “ميغا”، ويصمم أزياءه بألوان العلم الأميركي الأبيض والأزرق والأحمر. لقاء العروس جونسون بمصمم الأزياء سوريانو أعاد العروس بثوب زفاف وطني جدا يحمل الشعار عينه، واسم ترامب مطرز عليه بالأحرف الحمراء. وقد تم الإعلان عن الزفاف على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال هاشتاغ يمثّل نكهة العرس وأجواء مؤيدي ترامب.

ملامح العام 2020

قمة البيت الأبيض المخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي في الـ10 من يوليو الجاري لم تدع إليها منصات فيسبوك وتويتر وغوغل لأن ترامب يتهمها بالتمييز ضده وضد مريديه
قمة البيت الأبيض المخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي في الـ10 من يوليو الجاري لم تدع إليها منصات فيسبوك وتويتر وغوغل لأن ترامب يتهمها بالتمييز ضده وضد مريديه

قد يكون ذلك العرس مقدمة شعبية لافتتاح الحملة الرسمية الانتخابية لترامب، المرشح الجمهوري لانتخابات 2020 لفترة رئاسية ثانية وأخيرة، وفقا للدستور الأميركي. فهل سينجح ترامب من جديد؟ وهل الشريحة الاجتماعية التي انتخبته للمرة الأولى هي نفسها من ستنتخبه للمرة الثانية؟ أم أنها توسعت لتشمل المزيد من الطبقات الاجتماعية المغايرة؟ والسؤال الأكبر، من هو دونالد ترامب وكيف يمكن أن نقرأه بشكل موضوعي خارج دائرة مناصريه أو مناوئيه؟ وما هي البصمات التي تركها ترامب على مؤسسات الإعلام الضخمة وعجلة الاقتصاد الأميركي ومشهد السياسة الداخلية والخارجية في آن؟ في الـ10 من يوليو الجاري دعا البيت الأبيض إلى قمة خصصها لوسائل التواصل الاجتماعي لم تدع إليها منصات فيسبوك وتويتر وغوغل لأن ترامب يتهمها بالتمييز ضده وضد مريديه، وبدعمها الأعمى لليسار الأميركي وللديمقراطيين، رغم أن متابعي حسابه على تويتر بلغ 62 مليون متابع.

وقد تصدّى ترامب منذ وصوله إلى الحكم، بل يمكننا القول إنه ناصب العداء، لوسائل الإعلام الأميركية الوطنية والخاصة، والمجتمع الفني في هوليود، لتبنيهم خطاب اليسار وسياسة الديمقراطيين الذين كانوا لا يزالون تحت تأثير صدمة نجاحه في الانتخابات الرئاسية أمام مرشحتهم هيلاري كلينتون.

والمعروف عن ترامب توصيفه لهذه الوسائل الإعلامية الكبرى، مثل “سي.أن.أن” و”سي.بي.سي” و”أن.بي.سي”، ولصحف عريقة مثل “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز”، أنها مجرد وسائل تروّج لـ”أخبار زائفة”، وبناء على هذا الاعتقاد، لجأ منذ بداية عهده إلى إعلان قراراته وتصريحاته عبر التغريد على حسابه الخاص في تويتر، مكتفيا بالظهور التلفزيوني من وقت لآخر على قناة “فوكس نيوز” اليمينية.

وقد كانت تغريدات الرئيس كفيلة -لأول مرة في التاريخ الرئاسي الأميركي- بتغيير الوسيلة التي يتخاطب بها الرئيس مع شعبه وإدارته والعالم. وأصبحت الكرة الأرضية تتحفز كل صباح لقراءة تغريداته الصباحية وما قد تحمله من مفاجآت لأميركا، وللأميركيين، ولشعوب العالم أيضا، وخاصة في المناطق التي تتداخل فيها الولايات المتحدة عسكريا أو سياسيا، أو تكون مؤثرة وذات نفوذ. وحدث انزياح في تلقي الخبر الرئاسي من منصة القنوات التلفزيونية والجرائد اليومية إلى المصدر المباشر المتمثل في ما ينشره الرئيس بنفسه من تغريدات على موقعه.

حزمة هائلة من التغييرات العميقة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة يقوم بها ترامب منذ توليه الرئاسة، ومنذ أن بدأت تلك السلسلة المتلاحقة من التغييرات، ظل خصومه السياسيون يطلقون عليها شتى النعوت من المتهورة إلى المتسرعة وحتى الخرقاء

من المثير أن وزير الخارجية الأسبق، ركس تلرسن، كان قد تلقى نبأ إعفائه من منصبه وهو في مهمة خارج البلاد عندما أخبره صديق له عبر الهاتف بأن الرئيس غرد للتو على حسابه بإقالته من منصب وزير الخارجية. وهكذا غدا الرئيس الأميركي كل صباح يهزّ أركان إدارته بيمينه، ثم بيساره يهزّ العالم بتغريدة، أو تغريديتين صباحيتين، تعلن حربا حينا وتنشر رسائل سلم أحيانا.

وفي كلمته الافتتاحية خلال قمة وسائل التواصل الاجتماعي في البيت الأبيض قال الرئيس ترامب “لم يعد القرّاء يهتم بالنشرات الإعلامية التي بدأ يتراجع اعتمادها كوسيلة خبرية، بما فيهم أنا الذي لم أعد أعتمد عليها. أما حين أضع الخبر على مواقع التواصل الاجتماعي فإنه يبدو كانفجار!”. أما وسائل الإعلام التقليدية كتلفزيون “سي.أن.أن” مثلا، فقد أعلنت أن “هذه القمة هي أشبه بغزو البيت الأبيض من قبل اليمين المتطرف”.

وكان ترامب قد دعا إلى القمة في البيت الأبيض عددا من المنظمات والشخصيات المحافظة، التي تعرضت للرقابة أو الحظر على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بهدف الدفع بموقفه القائل “إن شبكات التواصل الاجتماعي الكبيرة تمارس التمييز ضد المحافظين”؛ إذ أعلنت تويتر الشهر الماضي أنها ستضيف تحذيرات إلى تغريدات مسؤولين وسياسيين تنتهك قواعدها في خطوة يحتمل أن تؤثر على تغريدات ترامب اليومية. وصرّحت رابطة الكمبيوتر وصناعة الاتصالات، وهي مجموعة تجارية تضم بين أعضائها منصتي “فيسبوك” و”غوغل”، بأن الاجتماع في البيت الأبيض “يهدف على ما يبدو إلى ترهيب الشركات من أجل تحوير المضمون لصالح الجهة الداعية للاجتماع”.

"الترامبية" والسياسات الدولية

التعقيدات الكبيرة التي تواجهها واشنطن في سياستها الخارجية لم تجد من يخرج من صفوف سياسييها ليبادر باقتراح سياسات مقنعة ومتماسكة للتعامل مع النظام العالمي المتهالك الذي ورثته
التعقيدات الكبيرة التي تواجهها واشنطن في سياستها الخارجية لم تجد من يخرج من صفوف سياسييها ليبادر باقتراح سياسات مقنعة ومتماسكة للتعامل مع النظام العالمي المتهالك الذي ورثته

على مدار العامين الأولين من توليه منصبه، قام ترامب، بحزمة من التغييرات العميقة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة؛ وقد بدأت تلك السلسلة المتلاحقة من التغييرات، والتي كان خصومه السياسيون يطلقون عليها شتى النعوت من المتهورة إلى المتسرعة وحتى الخرقاء، بدأت بانسحاب واشنطن من اتفاق باريس للمناخ، ثم بفرض حظر التأشيرات على بعض الدول للدخول إلى أميركا، والضربة التي وجهها للنظام السوري في العام 2017، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران لدول 5+1، والاجتماع مع كيم جون أون زعيم كوريا الشمالية وقطع الحدود بين الكوريتين سويا وسيرا على الأقدام، وأخيرا إرسال بوارجه إلى الخليج العربي ومنطقة باب المندب ومضيق هرمز في تهديد مباشر لإيران بضربة عسكرية قد تحدث في أيّ لحظة ما لم ترتدع طهران عن المضي في برنامجها النووي ذي الأغراض العسكرية المبيّتة.

كثيرا ما كان ترامب يستقبل في جولاته الدولية بالمظاهرات الشعبية الواسعة، استنكارا لنهجه السياسي المستغرب والمغاير لما عهده العالم عن السياسات الأميركية الرصينة على مدار عقود. أما الإعلام الأميركي والدولي فلا يرى فيه غير الرجل الفوضوي المتعجرف والشعبوي غير المثقف واليميني العنصري المنحاز لصالح الرجل الأبيض.

وفي حين ما فتئ الناقدون والخصوم يركزون على العيوب التي تعتري شخصية الرئيس، وجنوحه الفوضوي إلى الإعلان عن سياساته في بضع كلمات تسمح بها تغريدة على تويتر، إلا أن القليلين عكفوا على دراسة جوهر سياسته الخارجية بشكل موضوعي تحليلي. هؤلاء القلّة يعتقدون بقوة أن سياساته الخارجية أفضل بكثير مما يصفها خصومه.

في واقع الأمر لا يُظهر منتقدو سياسات ترامب أي تعاطف معه، أو محاولة صادقة لفهم طبيعة التحدّيات التي يواجهها في محاولة التعامل مع النظام العالمي المتدهور الذي ورثه. فالصين تتموضع كقوة عظمى بطرق غير مريحة، وأوروبا تنسحب للمرة الأولى منذ خمسة قرون من دورها القيادي في الشؤون العالمية، والانتعاش السياسي الروسي يأتي على حساب زعزعة استقرار جيرانها، والحلف الأطلسي يراجع دوره العالمي من جديد وموقع حلفائه منه ومن العالم، والشرق الأوسط يشهد تغييرات سياسية دموية وعنيفة ضد عقود من حكم الاستبداد والطغيان، أما التكنولوجيا فقد تعاظمت إلى أن أصبحت في مرحلة من الصعب إدارتها واحتواؤها.

كل هذه التعقيدات التي تواجهها الولايات المتحدة في سياستها الخارجية لم تجد من يخرج من صفوف سياسييها ليبادر باقتراح سياسات مقنعة ومتماسكة للتعامل مع هذا النظام العالمي المتهالك، بينما ينشغلون بصبّ جام غضبهم، وبإلقاء باللوم على سياسات ترامب دون أن ينسبوا له أيّ ميزة أو نجاح  يذكر، ولاسيما في القدرة على التحكم والسيطرة، إن لم نقل الإدارة، وهو يسير على حقل من الألغام بالداخل والخارج في آن.

حرب غير مسبوقة

Thumbnail

من نافل القول أن لا رئيس في التاريخ الأميركي المعاصر حدث وأن تعرّض إلى هذا الحجم من المناكفة والعرقلة من قبل خصومه في الضفة الأخرى وهي الضفة الديمقراطية في حالته، كما تعرّض ترامب. فمسيرته في البيت الأبيض كانت عبارة عن تعطيل متواصل نسج خيوطه الديمقراطيون وصل إلى حد البحث بإصرار ودون ملل عن أي مسوّغ قانوني أو دستوري لعزله من منصبه وإبعاده عن البيت الأبيض. ووصل هذا الكيد السياسي المبرم إلى حد التشكيك في قدراته الصحية والعقلية وأهليته لقيادة الدولة، بحيث غدا همّ الديمقراطيين الدائم والخط الراسم لهم ولطبقة من الجمهوريين أيضا من أجل تقويض أيّ مبادرة يقوم بها أو أي قرار يتخذه.

إلا أن الحالة الاقتصادية المزدهرة في الولايات المتحدة منذ وصول ترامب إلى سدّة البيت الأبيض، ووفرة الفرص موازاة مع انخفاض معدّل البطالة إلى مستوى قياسي لم يشهده الأميركيون منذ خمسين عاما، ستكون من أهم العوامل التي ستتحكم بمن سيفوز في انتخابات 2020. فشعار “أميركا أولا” الذي جاء به ترامب في انتخابات 2016، لم يكن يقصد به عزل أميركا عن العالم، أو شق الصف الوطني، أو إحياء المحرضات العنصرية، بل إن ترامب أدرك بحسّ رجل المال والأعمال، أن منظومة العولمة التي فشلت بامتياز لأنها جاءت دون أن تترافق بعولمة اجتماعية ثقافية ممهِدة، وأن التعافي من الانحسار العولمي لا يتم إلا بالعودة إلى المساحة الوطنية في حدودها الجغرافية مع الاستمرار في العلاقات الدولية المقننة بما يتناسب مع تحديات العصر الرقمي الذي وصل في تطوره إلى درجة أن منصة فيسبوك قد توصلت إلى عملة رقمية خاصة سيتم التبادل التجاري بها عالميا كنقد معترف به.

منتقدو ترامب يركزون على العيوب التي تعتري شخصية الرئيس، وعلى جنوحه الفوضوي إلى الإعلان عن سياساته في بضع كلمات تسمح بها تغريدة على تويتر، بينما عكف القليل من المراقبين على دراسة جوهر سياسته الخارجية بشكل موضوعي وتحليلي

وبعيدا عن نهج أوباما الذي كان يبني على مدى ثماني سنوات مجدا شخصيا وشعبية من زجاج، لنفسه ولعائلته، على حساب القضايا الداخلية والدولية الملحّة التي تركها معلّقة ومؤجلة، فقد بدا ترمب قادرا على التضحية بشعبيته لحساب تحقيق المصالح الوطنية العليا. فقد قبل المواجهة وخسارة السمعة في غير موقع من القرارات الني اتخذها مقابل تمسّكه بفكرة أن نجعل أميركا عظيمة مجدّدا. وإذا كان هذا الشعار قد حفّز طبقة اجتماعية شعبية لا تنتمي إلى النخبة للتصويت له في العام 2016، فإن انتخابات 2020 ستشهد بالتأكيد انضمام شرائح اجتماعية ومهنية وفكرية أخرى للتصويت لصالح ترامب بما قد يفاجئ الأميركيين أنفسهم من جديد، ويفاجئ العالم.

وأخيرا، ورغم ما يثار حاليا من موقف ترامب من النائبات المهاجرات، فإن العنصرية التي يتّهم بها ترامب قد تكون بعيدة إلى حدّ ما عن خياراته العائلية الخاصة على الأقل. فالرجل تزوّج مرتين من سيدتين أجنبيتين وأنجب أولاده منهما، وكلتاهما تتحدثان الإنكليزية بلكنة ثقيلة ملحوظة وليس بلهجة أميركية صرفة، وهذا يحسب له، ويبعد عنه قليلا وزر تلك التهم التي تتناقض مع القيم الأخلاقية والسياسية والدستورية الأميركية، وهي ممقوتة تماما، وصاحبها نراه هنا في الولايات المتحدة الأميركية من أصحاب الكبائر.

12