دونالد توسك رئيس للاتحاد الأوروبي لا يتحدث الإنكليزية ولا الفرنسية

الأحد 2015/03/29
توسك حلم طويلا بأن يكون رونالد ريغان أو حتى تاتشر

لم تكن عبارة رامسفيلد، وزير دفاع بوش، بتوصيف أوروبا بـ”القارة العجوز” احتقارية أو تحريضية، بل دلالة على عجز القارة عن مواكبة ما يستلزمه عالم البلطجة الذي تقوده أمريكا على طريقة الشاب رامبو بكثير من العضلات والقليل من العقل والأخلاق. ورغم سذاجتها وتفاهتها، فلا بد أن صدى تلك العبارة أخذ مفاعيله في نفوس أهل السياسة الأوروبيين ودفع بهم إلى البحث عن إبطال مفعول عبارة رامسفيلد بتجديد شباب القارة حتى ولو شكلاً أو شكليا. وما تهيأ لهم ذلك إلا بعد حوالي عقد من الزمن منذ إطلاق تلك العبارة. تناوب على قيادة الاتحاد أناس هرمون ما نقص عمر أحدهم عن ثلاثة أرباع القرن.

طلاب ونقابات وحكومة

من هو دونالد توسك هذا الذي أتى لقيادة الاتحاد الأوروبي، التعبير القوي والجبار عن القارة العجوز أو القارة الحكيمة كما تريد أن تنعت نفسها؟ بداية، لا ندري إن كان المثل الأعلى لشخص ما ذي فاعلية كبرى على حياته ومسيرته؛ وخاصة إن كان سياسياً؛ فالمثل الأعلى لتوسك -منذ بداية نضاله- رونالد ريغن ومارغريت تاتشر، دونالد توسك بولندي المولد والنشأة. عام سبعة وخمسين من القرن المنصرم -حيث يولد المرء شيوعيا أوتوماتيكيا- دونالد وُلد عكس ذلك. كان عمره ثلاثة عشر عاما عندما اشترك بالنشاطات المعارضة لقمع النظام الشيوعي البولندي لانتفاضة عمال غدانسك مسقط رأسه، توسك كان القائد الطلابي لنقابة عمال “تضامن” حيث أصبح بعدها رئيسا للجنة التشغيل الممثلة بدار النشر، التي طُرد منها لاحقا أيضاً.

بعد سقوط النظام الشيوعي عام 1989، أسس توسك حزب المؤتمر الليبرالي الديمقراطي الذي انتخب رئيسا له عام 1991؛ وليصبح عضو برلمان عام اثنين وتسعين. ليصل بعدها إلى منصب نائب رئيس البرلمان البولندي. شغل توسك بين العامين 2003 و2006 رئاسة كتلة حزب المنتدى بالبرلمان، وشكل في 16 نوفمبر 2007 الحكومة البولندية بالائتلاف مع حزب الشعب البولندي وحزب الأقلية الألمانية باعتبار الثلاثة أصحاب أكبر المقاعد بالبرلمان المنتخب؛ ليتكرر تشكيله للحكومة البولندية بعد فوز حزبه للمرة الثانية بانتخابات البرلمان عام 2011.

في 30 أغسطس 2014 اختارت قمة رؤساء الدول والحكومات الأوروبية دونالد توسك لرئاسة الاتحاد الأوروبي خلفا للبلجيكي المنتهية ولايته “هيرمان فان رامبوي”. ومهمة رئيس المجلس الأوروبي تتمثل في تنسيق العمل بين رؤساء الدول والحكومات وتمثيل الاتحاد الأوروبي في الخارج إلى جانب رئيس المفوضية.

توسك يرى أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مسؤولة عن المزيد من اندماج اقتصادات الاتحاد. ويقول أن «اليورو ميزة لدينا وليس عيبا»، رغم أن بولندا، بلاده، لم تنضم إلى اتفاقية العملة الموحدة حتى الآن

أوروبا والثقل العالمي

تحضرنا ها هنا منظومة جامعة الدول العربية؛ ولكن الفرق بينهما كالفرق بين ناد رياضي في أفغانستان وفريق مانشستر يونايتد، قوة منظومة الاتحاد الأوروبي لا تقتصر على قوة دولها بل في إرادتها بالعمل كجسد متناغم غايته تشكيل ثقل عالمي ينزع أيّ مصداقية لعبارة رامسفيلد الأميركي. أما بالنسبة إلى جامعة العرب؛ فإنها لا تستمد ضعفها من ضعف دولها منفردة بل من قرارهم منفردين ومجتمعين ألاّ يعملوا إلا ما يؤذي شعوبهم، تماما بعكس الاتحاد الأوروبي الذي جعل من بولندياً- انظم بلده منذ عشرة أعوام إلى الاتحاد- رئيسا له.

معروف أن رئيس المجلس الأوروبي يتولى الإشراف على سير الاجتماعات الوزارية وترؤس قمم الاتحاد وتمثيل أوروبا في المحافل الدولية، وله حق القيام بمبادرات محددة عند الضرورة أو الدعوة لاجتماعات استثنائية وإصدار بيانات تتعلق بالسياسة الخارجية. ويرى المحللون أن تكليف أحد رعايا بولندا للمرة الأولى بمنصب رفيع المستوى في المؤسسات الاتحادية في بروكسل يعكس تنامي نفوذ الدول الشرقية التي انضمت تباعا إلى الاتحاد الأوروبي منذ عام 2004 وباتت تمثل مجالا سياسيا واقتصاديا مهما.

عن المزايا التي يتحلى بها الرئيس الجديد للمجلس الأوروبي، يقول الأستاذ الجامعي بيوتر كاشينزكي، في المعهد الأوروبي للإدارة العامة إن “الرئيس السابق هيرمان فان رومبوي كان سيد الحلول الوسط، وهذا من الأسباب التي دعت إلى اختيار دونالد توسك لترؤس المجلس الأوروبي، وقد كان رئيسا لحكومة بولندا وقائدا سياسيا، وسنعرف قريبا كيف سيقوم بمهامه الجديدة على رأس المجلس الأوروبي”.

تسلم الرجل مهامه في فترة توتر مع روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية. وقال خلال حفل التسلّم والتسليم إن الاتحاد الأوروبي يواجه تحديا «من الأعداء». وأضاف “لقد عادت السياسة إلى أوروبا. وعاد التاريخ”. وعد بالعمل بقوة وتصميم من أجل تنشيط الاقتصاد والدفاع عن الاتحاد الأوروبي من التهديدات الخارجية والداخلية. وقال إن «الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مسؤولة عن المزيد من اندماج اقتصادات الاتحاد». وأضاف أن «اليورو ميزة لدينا وليس عيبا»، رغم أن بولندا لم تنضم إلى العملة الموحدة حتى الآن. كما اعتبر توسع العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أولوية قصوى بالنسبة إليه.

توسك يؤمن بأن توسيع العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أولوية قصوى بالنسبة إليه

يقول أحد المراقبين «يريد توسك أن ينقل العمل الأوروبي من خانة إدارة أزمة اليورو التي طبعت فترة فان رومبوي، إلى خانة التأثير على السياسة الدولية خاصة في مجل التعامل مع روسيا، وهو يتمتع بالإضافة إلى دعم دول البلطيق والدول الشرقية، التي يعبر عن مصالحها مباشرة بتأييد أيضا من قبل الدول الأسكندنافية والتي تدافع بقوة عن الشراكة الشرقية التي يعمل الأوروبيون على إرسائها مع الدول المتاخمة لروسيا، وهي جورجيا وأوكرانيا وأذربيجان وأرمينيا ومولدافيا، أما رئيس كتلة حزب الشعب الأوروبي داخل البرلمان الأوروبي جوزيف دُول يقول في تعليق على اختيار البولندي “توسك” إنه مقتنع تماما بأن توسك ستكون له مساهمات هائلة في السنوات المقبلة في عمله كرئيس للاتحاد خاصة أنه نجح في قيادة بولندا على مدى سبع سنوات، وقد نجح في وضع بلاده في طليعة دول أوروبا، وسوف ينجح في قيادة المشروع الأوروبي الوحدوي جنبا إلى جنب مع رئيس المفوضية الجديد جان كلود يونكر. فتعيين توسك رئيسا لمجلس الاتحاد الأوروبي يظهر أن الأوروبيين الذين لا يريدون جدرانا جديدة يعتقدون فقط في أوروبا الموحدة والتي نجحت في التغلب على الانقسامات السابقة بين بلدان الشرق والغرب.

صديق ميركل وكاميرون

أمام العاملين في مختلف إدارات وأقسام وأجهزة مقر المجلس الأوروبي؛ تحدث الرئيس الجديد قائلا “إذا كنتم متأثرين من جراء هذا التغيير فلا داعي للقلق، ربما يساورنا القلق أيضا، لكن التأثر سيزول. في الواقع إنه لشرف عظيم أن نبدأ بالعمل هنا في المجلس الأوروبي وهذا تحد كبير”.

دونالد توسك يعرف جيدا المجلس الرئاسي الاوروبي، حيث كان قد شارك في اجتماعات القادة الأوروبيين منذ سبعة أعوام كرئيس لوزراء بولندا، تربط توسك علاقات وثيقة بالمستشارة الألمانية ميركل ورئيس وزراء بريطانيا دايفيد كاميرون. بفعل قدومه من أكبر بلد أوروبي شرقي ينظر إلى دونالد توسك وكأنه الشخصية التي تستطيع أن تؤثر بشكل إيجابي على الحلول التي قد تطرح من أجل حل الأزمة الروسية الأوكرانية.

دونالد توسك يعاب عليه أنه لا يتقن الحديث باللغتين الفرنسية والإنكليزية؛ إلا أن اتقانه للألمانية ربما يعطي إشارات تجاه الماكينة الألمانية التي تقف وراء الرجل

توسك ولغات اوروبا

إن كان يعاب على “دونالد توسك” أنه لا يتقن الحديث باللغتين الفرنسية والإنكليزية؛ إلا أن إتقانه للألمانية ربما يعطي إشارات تجاه الماكينة الألمانية التي تقف وراء الرجل. وعن أثر اللغة في عمليات التخاطب والتواصل مع القادة الأوروبيين، يقول بيوتر كاشينزكي «لقد أعلن دونالد توسك عن إرادته لتحسين إتقانه للغة الإنكليزية، لكن من المعروف أن الرئيس الجديد للمجلس الأوروبي يتقن الإنكليزية بشكل كاف يمكّنه من إيجاد سبل التوافق». وعن إجادة توسك للألمانية يقول الأستاذ الجامعي «هذا أمر مهم جدا، فلقد كان هيرمان فان رومبوي يفاجئ في المؤتمرات الصحافية بتحدثه ثلاث لغات، وربما فعل دونالد توسك الأمر ذاته فيتحدث بالبولندية والإنكليزية والألمانية».

أحدهم يصفه بـ”رجل دولة أوروبا”، إنه “جاء من بلد يؤمن بعمق بما تعنيه أوروبا”، إيزابيل دا سيلفا من يورونيوز تقول عن الرجل إنه بالنسبة إلى السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي هنالك تحد كبير يكمن في العلاقة مع روسيا و الأزمة في أوكرانيا وموضوع الطاقة، وتسأل هاهنا سؤالاً بلاغياً جاء فيه “هل سيكون الرئيس دونالد توسك بمثابة الصقر البولندي سياسيا في مقابل سياسة الحمائم التي وصفت بها مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني.

بعد لقاء دونالد توسك مع أوباما كان أكثر صراحة في انتقاده لموسكو من الرئيس أوباما؛ فهذا ما قاله “أعداؤنا هم الذين يستخدمون الدعاية ضدنا، ويرتكبون أعمال عنف، ويمسون بسيادة جيراننا. لهذا أعتقد أننا إذا كنا يدا واحدة سنبقى صامدين، وإذا تفرقنا سنسقط. أنا مقتنع أن هذا صحيح”، كل ما جاء في وصف الرجل قد يكون صحيحا: إنه صقر بولندي ورجل دولة أوروبي؛ والماكينة الألمانية خلفه؛ وأنشط من أوباما تجاه الروس، ولكن يبقى أن يخلّص أوروبا من عبارة رامسفيلد الوقحة. إن تمكن فلن تكون المنظومات العالمية، دولا أو اتحادات، مجرد قطع على رقعة شطرنج هناك من يلعب بها كيف شاء وشاء له الهوى.

7