دون خجل

الخميس 2015/06/11

لا أخفي عليكم أنني أتعب. أتعب كثيرا في فهم نفسي واحتياجاتي وما أريد وما لا أريد كامرأة ولدت وتربت في ثقافة شرقية من جهة ودرست وعاشت في الغرب من جهة أخرى. طبعا، لا سبيل للتعريج هنا عن الخلل الذي يحدثه صدام الحضارات في شخصية الواحد منا، خلل ربما يظل يلاحقنا إلى الأبد. والأرجح أنه يتحول مع الزمن إلى سمة مميزة في شخصياتنا. وبقليل من التفاؤل يستطيع البعض أن ينظر إليه على أنه إثراء للشخصية وغناء لتركيبتها النفسية والفكرية، لكن دعونا نكون صريحين: ما الذي يستطيع أن يكون ميزة في شخصية تاهت بين ما هي عليه وما تريد أن تكون، وبين قيم تربت عليها باعتبارها ثوابت وركائز تسندها وتقيها من التهاوي عند الحاجة، فتكتشف أنها عائق وعيب وعثرة في طريقها؟

خذوا مثلا “الخجل” الذي يعتبر صفة محببة وميزة لدى الفتيات في ثقافتنا العربية، فإذا تخلت عنه الواحدة اعتبرت “وقحة” و“بجحة” و“قليلة أدب”، فالفتاة الجيدة، “بنت العائلة”، هي التي تخفض عينيها قليلا وهي تخاطب رجلا لا تعرفه، أو عندما تتلقى إطراء من أحدهم، أو وهي تتكلم مع من هم أكبر منها سنا ومرتبة داخل العائلة، مثل الأب والعم والأخ.. ولا تخلو صور الواحدة منا من لقطة لها، وهي تخفض عينيها في خجل واستحياء، صورة نمطية تكاد تكون من أحب الصور إلينا جميعا.

لكن الخجل في الثقافات الغربية عيب حقيقي وعائق يقف في وجه صاحبه فلا يدعه ينجز أو يتقدم. أذكر أنني أول مرة ذهبت لإجراء مقابلة عمل، وكنت وقتها لا أزال طالبة، تلقيت الرد التالي “تتمتعين بسيرة ذاتية وقدرات هائلة وتتكلمين لغات عديدة، لكن للأسف تبدين خجولة، مع أنه لا يوجد لديك ما يدعو لذلك”. كان بودي أن أشرح لمتحدثي ساعتها أن “الخجل” ميزة تربينا عليها، و أنه ليس من السهل التخلي عنها بهذه السهولة، بل كنت أريد أن أسأل لماذا تعتبر خجلي عائقا؟ في حياتي لاحقا عانيت كثيرا لأحصل على وظيفة جيدة بسبب “مسحة الخجل” الرقيقة في عيني، وعانيت أكثر وأنا أحاول أن أتخلى عن “خجلي” المحبب، وإلى الآن لم أتمكن من التخلص منه بشكل نهائي، لكني نجحت في التحايل عليه بطرق مختلفة.

رغبة المرأة في إرضاء الرجل والاستجابة لتطلعاته عنها وحولها، هو ما يتحكم في تصرفاتها وسلوكياتها وردود أفعالها النفسية. وبما أن الشعوب العربية شعوب كانت ولا تزال بطريركية بامتياز، فإن المرأة تتصرف من موقع دوني، متحلية بسلوكيات وسيكولوجيات لم تعد تتماشى مع عصر الحريات والحقوق المتساوية. فالمرأة لن تتمكن من التخلي عن سمات معيقة مثل الخجل، إلا إذا ساعدها الرجل على ذلك، ومساعدته لها تكمن في إدانته لهذا السلوك وليس تشجيعه، واعتباره سمة محببة لديها، ولا بد أننا جميعا نعرف حجم الأغاني والأشعار التي تتغنى بخفر المرأة، وعينيها المخفضتين وضحكتها الخجولة ومشيتها المتلعثمة. هذه الأغاني على أهميتها، لا يجب وضعها في غير موضع القيمة الفنية الفلكلورية التي تؤرخ لحقبة معينة. وفي رأيي حان الوقت لأغان وأشعار وأدبيات تشيد بجرأة المرأة وجسارتها وقوتها وحدة نظرها واستقامة رقبتها ونظرتها الثاقبة النفاذة ووجهها المتصلب الصارم. ويكفي أن أذكر هنا أن شعبا مثل شعب هولندا لم يغفر أبدا لملكته السابقة “جوليانا”، ظلال نظرة “منكسرة” في عينيها، وكان يفضل عليها ابنتها “بياتريكس” التي تولت الحكم بعدها، وتميزت بنظرة قوية حادة تليق بالملكات.

21