دون قيد أو شرط

هل يمكن أن تكون الحرية مطلقة دون قيد أو شرط؟.. وثمة سؤال فلسفي أكبر: كيف يمكننا أن نطلق عليها حرية حينما تكون مغلولة بالقيود؟
الأربعاء 2018/03/28
حرية بلا قيود

الحرية!.. يا لها من كلمة سحرية!.. كلما سمعتها أو نطقت بها أحسست بأن جسدي قد استحال إلى كتلة من أجنحة ترفرف وتطير بي إلى أعلى سماء.. أو أن أطرافي استحالت زعانفَ سمكة تمخر البحار وتغوص بي إلى أعماقها دون قيود أو شروط.. لكنني أستدرك فجأة عند منتصف الحلم وكأنّ ارتباكا يلكّئُ خاطري.. وأتساءل: هل يمكن لسحر أي سحر أن يتحقق دون أي شرط؟

فحتى سندريلا التي جعلتْها ساحرة الخير ترتدي ثياب الأميرات وتركب أفخر العربات لتحضر الحفل فيراقصها الأمير ويختارها عروسا له.. كان لا بد لها أن تعود إلى ما كانت عليه قبل زوال مفعول السحر عند منتصف الليل حين تدق الساعة اثنتي عشرة دقة.. فهو شرط الساحرة الذي لم يكن ممكنا لسندريلا أن تتحايل عليه!

فما الذي يمكن أن يكونه شرط السحر الذي يرافق الإحساس بالحرية؟.. وهل يمكن أن تكون الحرية مطلقة دون قيد أو شرط؟ وثمة سؤال فلسفي أكبر: كيف يمكننا أن نطلق عليها حرية حينما تكون مغلولة بالقيود؟

لطالما ارتبطت الحرية بالعبودية بصفتها ثنائية موغلة في التاريخ الإنساني.. وكان مفهوم الحرية يقابله مفهوم الاستعباد والقهر.. وفي العصور الحديثة صار معنى الحرية يشير إلى التحرر من الاستعمار والدكتاتورية والظلم..

واليوم.. تطور المعنى بشكل كبير.. فقد يحدثك صديق على الهاتف قائلا “لن أكون حرا حتى نهاية الأسبوع!”.. مما يشير إلى تحرره في نهاية الأسبوع من جملة من الارتباطات والضغوط التي تمثلها العبودية الحديثة.. وهي كثيرة في عصرنا الحالي: مثل العبودية للعمل والالتزامات الحياتية والأسرية والارتباطات الاجتماعية.. وقد يرافق مفهوم الحرية أيضا مفهوم عبودية الإدمان (مثل الإدمان على المخدرات أو الكحول أو السجائر أو الإفراط في الأكل.. إلى آخره).. وهنا أصبح للإحساس بالحرية معنى آخر مغاير تماما عما كان عليه في السابق..

وما يعنينا الآن أكثر من سواه هو مفهوم الحرية الشخصية الذي لا يمكن أن يكون مطلقا دون الإشارة إلى الالتزام والمسؤولية.. يعني أن السحر الذي يمنحه لنا الشعور بالحرية إنما هو مشروط بالإحساس بالمسؤولية.. “فأنت تستطيع أن تحرك إصبعك في الهواء حيث شئت وبحرية تامة شرط ألا تدس إصبعك في أنوف الآخرين”.. و”أنت حر إذا لم تضر”..

وثمة قولٌ عراقي قديم يقول “كـُلْ ما يعجبُكَ.. والبَسْ ما يعجبُ الناس”.. وهو يحاكي معنى الحرية الشخصية في اختيارنا لطعامنا وهو ما لا يحق لأحد أن يفرضه علينا.. في مقابل التزامنا أمام المجتمع من حولنا.. مما يحتم علينا ارتداء ما يراه الناس مناسبا وما لا يخدش حياء أحد أو ما يبدو غريبا عن المألوف..

بيد أن هذا القول لم يعد ساري المفعول في عالم اليوم.. فعلى الرغم من أننا مازلنا نلبس ما يعجب الناس.. لكننا لم نعد نأكل ما يعجبنا.. فكل الأكل اللذيذ الذي اعتدناه من أمهاتنا وجداتنا يقع اليوم ضحية لهجمة مضادة من أصحاب حملات التوعية الصحية: فاللحوم مضرة والرز مضر وكذلك الدهون والحلويات الشهية والمشروبات الغازية والقهوة.. لقد أصبح كل ما يعجبنا أشبه بمحرمات.. وصار لزاما علينا تغيير مفاهيم الحرية وتغيير القول المصاحب لها ليكون “لا تأكلْ ما يعجبك.. والبس ما يعجب الناس!”.

صباحكم حرية..

21