دون كيخوتة والمنفى

الثلاثاء 2015/08/11

يلعب المنفى/ الخارج دائما دورا في تكوين هوية وخطاب المنفي، سواء على صعيد النص أو الحكاية وحتى الحياة اليوميّة، حيث تبرز أحيانا شخصيات تقدّم نفسها على الصعيد العام أو الشخصي بوصفها تعيش بطولات من نوع ما أو تؤسس لهويتها الجديدة عبر صيغة بطوليّة نتيجة حالة المنفى، فالتفرّد في الخارج يكتسب قيمته -في أحيان كثيرة- نتيجة توافر النموذج الذي يدعم المهارة التي يمتلكها المنفي، لا ذات المنفي وخصائصه، ليكون الأمر أقرب إلى مأساة دون كيخوتة مع اختلافات بسيطة.

تبدو المقاربة غير متسقة، لكن جوهر التماثل يتجلى في ناحيتين هما المرجعية والبطولة، الأولى المتمثلة في المرجعية، ويتشابه فيها “البطل المنفي” ودون كيخوتة من ناحية مصدر سيرته، فالأخير عمد إلى روايات الفرسان لتكوين صورة عن ذاته، حيث أعاد إنتاج صفات الفروسيّة والخطاب البطولي ذي المرجعية الأدبية ضمن حياته اليومية التي تحوّلت إلى رحلة اكتشاف قائمة على الوهم صدّقها هو وانطلت على الآخرين، إذ تقمص صورة الفارس وقام ببناء بطولاته مع طواحين الهواء، كما أن دون كيخوتة لم يبق مكانه، بل قام بالترحال بين البلدان، وكأنه نفى نفسه خارج المكان ليعيش الخطاب البطولي -الوهمي- ويؤسس لصورة جديدة عن نفسه تقوم على استعادة الأمجاد من تاريخ السرد وتقمصها.

المنفي أحيانا يقوم بالشيء ذاته، إذ يقوم البعض سواء على الصعيد الشخصي أو العملي -خصوصا الفكري- بإعادة إنتاج بطولات مرجعيتها الواقع أو الحياة في الداخل، لتكون هوية المنفى/ الخارج تقوم على اجترار الحياة السابقة وإدخالها ضمن صيغة “بطولية” جديدة.

صحيح أن المنفى لا يعنى التأسيس للقطيعة مع الماضي أو مع البلد الذي تمّ الرحيل عنه، فالحياة خارجا لا تعني تحييد الانتماء أو فقدانه، إلا أن السعي للتحول إلى أبطال دون كيخوتيين نتيجة فعل الرحيل لا يعني إلا التمسك بالنوستالجيا وعدم مواجهة الخبرة الحياتية الجديدة التي يؤدّي تفاديها إلى تحويل المنفي إلى دون كيخوتة يبني انتماءات مع الخارج الجديد لا على أساس الخبرة والتفاعل مع هذا الخارج، بل على أساس مرجعية الماضي، ما يجعل هويات المنفى أحيانا لا تتجاوز صيغة الحنين إلى الماضي أو تضخيمه في الخارج.

البطولة الوهميّة التي ذُكرت سابقا مرتبطة بهالة الغرابة التي تترافق مع نجاح بسيط يقوم به أحدهم في الخارج ما يجعله يتحول إلى أيقونة دون كيخوتية، فالمنفى قد يقدم مساحات واسعة من الحرية والتميّز إلا أنها لا تعتبر دائما غرائبية أو “بطوليّة” بل هي نتيجة التواجد الفيزيائي في الخارج وضمن منظومته، الفكرة لا تنطبق على الجميع بل على بعض النماذج، وهذا ما يرّوج حاليا للكثير من المنفيين والمهاجرين من أوطانهم بسبب ما تمرّ به المنطقة، فالهويات الجديدة التي يفرضها المنفى هي رحلة اكتشاف لا قيد، والتحوّل إلى دون كيخوتة في الخارج هو مأساة تستدعي الشفقة، دون كيخوتة بنى مجده على أساس إعادة إنتاج سير الأبطال، ودون كيخوت المنفى يعيد إنتاج سيرته على أساس النوستالجيا ومرجعية الحياة الماضية في الداخل.

كسر الألفة هي الصيغة التي تشكّل الحدّ الفاصل بين تكوين الهوية المختلطة أو الانحلال في صيغة البطل الدون كيخوتي، فالمنفي يمتلك خيارين إما إعادة تكوين ذاته مع الفضاء المغاير الجديد، أو الانصياع للماضي وتكوين تخييل غرائبي عن هذه الذات قائم على ثنائية “الآن وهناك”، بحيث يتحول من قبل نموذج الخارج إلى exotic بسبب كسر الألفة التي يحققها، وهذه الصيغة لا تؤسس لامتلاك الهوية المختلطة التي تمكّن هذا “المنفي” من الإنتاج، بل سيكتفي بتوليد الأعراض والمفارقات الثقافيّة، لأن الأعراض ستزول فورا ويدخل منتجها في النسيان والتهميش الذي لا يحوي صيغة شعريّة أو غرائبية في هذه الحالة، بل هو نتيجة لفظ البطل الوهمي من قبل نموذج الحياة في الخارج بسبب عدم الانصياع لشروط الإنتاج وسيستمر في مقاتلة طواحين الهواء التي ستحوّل بطولاته إلى ما هو مدعاة لشفقة الآخرين.

كاتب من سوريا مقيم في باريس

14