دون معالجة أمراض الحرب لن تكون هناك فرصة لإعادة إعمار العراق

التدهور البيئي قاتل آخر للعراقيين، وخبراء يرون أن البلاد تتصدر قائمة الدول المهددة بالعطش.
السبت 2018/03/10
أمراض الحرب طالت الإنسان والحيوان والنبات

لندن - بينما تضع الحرب العسكرية أوزارها ويكثر الحديث عن إعادة إعمار العراق، حذّر خبراء عراقيون ودوليون، خلال مؤتمر نظمته جمعية البيئة والصحة العراقية في المملكة المتحدة، في جامعة أوف سي آل في لندن، من أن لا مجال للحديث عن مستقبل العراق في ظل الوضع البيئي المتدهور، والذي لا يقل خطره عما واجهه العراق من إرهاب وحروب، بل إن هذا الخطر أشد فتكا، لأنه قاتل صامت ونتائجه طويلة المدى.

وأشارت إحدى الدراسات التي قدمت في المؤتمر، الذي حمل عنوان “التدهور البيئي في العراق وتأثيره على صحة المواطن العراقي“، إلى انخفاض معدل الحياة في العراق مقارنة ببلدان عربية أخرى.

وأطلق المشاركون في المؤتمر ناقوس الخطر حول هذا الموضوع، مشيرين إلى أن أمراض الحرب تفتك بالعراقيين وببيئتهم، وأنه مثلما جاء الإرهاب نتيجة للوضع الذي أفرزه وضع ما بعد سنة 2003، ظهرت أوبئة كانت انقرضت منذ عقود وكان العراق من أول الدول العربية الذي تخلص منها، من ذلك وباء الكوليرا.

خطر مضاعف

تشير جيهان بابان، رئيسة جمعية البيئة والصحة العراقية في المملكة المتحدة، في تصريح لـ”العرب” إلى أن المخاطر البيئية تعد أحد التحديات الكبرى التي تواجه منطقة الشرق الأوسط وتهدد الأمن الوطني والاقتصادي والمائي والزراعي والغذائي بل وتهم جميع العالم بسبب تزايد ظاهرة الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية.

لكن في العراق، الوضع أخطر لأنه مضاعف، فالتدهور البيئي هو نتيجة للتغيرات المناخية، ولكنه أيضا نتيجة للسياسات البشرية، وفق بابان، التي تشير إلى الكثير من القضايا التي تمت دراستها في المؤتمر العلمي الثالث لجمعية البيئة والصحة العراقية في المملكة المتحدة بلندن، في محاضرات قدمها أكاديميون وخبراء وأطباء حول شحّ المياه في نهري دجلة والفرات، ومن أسباب ذلك سياسات دول الجوار في بناء السدود العملاقة وقطع روافد النهرين مما أدى إلى تدني المعدلات المائية في دجلة والفرات.

تداعيات صحية كارثية
تداعيات صحية كارثية

وبينما كان العراق قبل سنوات خارج خارطة المناطق المهددة بالجفاف في الشرق الأوسط، أضحت بلاد ما بين النهرين تتصدر قائمة الدول المهددة بالعطش. وتحدث عادل شريف، أستاذ هندسة المياه ومدير مركز كورا في جامعة سري في لندن عن التحديات المائية التي تواجه العراق، مشيرا إلى أن ندرة الموارد وشح المياه ينعكسان سلبا على الأمن الغذائي في البلاد، وبالتالي على استقرارها وطي صفحة الحروب المدمرة.

وأكد على نفس الخطر، عبدالحميد الصائح، ممثل الهيئة الاستشارية العراقية للإعمار والتطوير في المملكة المتحدة، خلال مداخلته التي قال فيها إن من أبرز المخاطر التي تواجه العراقيين التلوث البيئي الذي لا يقل خطورة عن التهديد الأمني وخطر التطرف والإرهاب. وأكد الصائح على صعوبة رؤية بيئية نظيفة، صحية خضراء، وخالية من التلوث والأمراض الوبائية والسرطانية في العراق على المدى القريب نتيجة الإهمال والفساد وغياب إدارة جدية في معالجة الأزمات الكبيرة كأزمة المياه والتلوث إلى جانب الآثار الناجمة عن استخدام الأسلحة المحرمة دوليا.

وأشار إلى أهمية أن ينجح المؤتمر في بحوثه وتوصياته وأن يكون بمستوى موضوعه في تشخيص عوامل هذا التهديد البيئي وتوفير مستلزمات التخطيط والمعالجة العلمية الصحيحة وإعداد الكوادر الأكفاء في مجال حماية البيئة والتنسيق مع وسائل الإعلام للتثقيف الصحي وإطلاع المواطنين على جدية الآثار التي يحدثها التلوث البيئي ووضع تشريعات تتصل بمخاطر ذلك على المجتمع والأسرة والأطفال تحديدا.

ومما يزيد الطين بلّة أن الحرب أنهكت اقتصاد العراق ولم يعد قادرا حتى على توفير الحاجيات الأساسية اليومية لمواطنيه من ماء صالح للشراب ومدارس وغذاء، وبقدر ما يزداد عدد الضحايا يفتقر العراق إلى إمكانيات المعالجة الآنية والفاعلة المطلوبة. فالعراق لا يستطيع في الوقت الحاضر، بالاعتماد على إمكانياته الضعيفة جدا، أن ينظف بيئته الملوثة والموبوءة، ويعالج عشرات الآلاف من المرضى، ويقضي على أمراض التلوث التي طالت الإنسان والحيوان والنبات. وتشير بابان إلى أن خطر التلوث البيئي في العراق طال أيضا التنوع الإحيائي وتسبب في انقراض أنواع هامة من النباتات والحيوانات والأسماك.

وأوضح مارك سالتر، وهو طبيب استشاري في الصحة الدولية وخبير في الأمراض المتنقلة بوزارة الصحة البريطانية ومديرية الصحة العامة، على أن هناك ترابطا كبيرا بين تلوث المياه والأمراض الوبائية، وهذا ما يفسر ظهور وباء الكوليرا في العراق بعد نصف قرن على اختفائه.

وتؤكد جيهان بابان في تصريحاتها لـ”العرب” على أن التلوث البيئي يؤثر على صحة الإنسان العراقي عبر تزايد معدلات الإصابة بالأمراض الحادة والمزمنة في الجهاز التنفسي والقلب وانتشار الأمراض السارية والمعدية كالكوليرا والأمراض الجلدية خاصة في مخيمات النازحين، ومن التبعات الخطيرة أيضا إصابات السرطان والتشوه الخلقي نتيجة انتشار المواد المسرطنة وأيضا استخدام اليورانيوم المنضب خلال العمليات العسكرية التي رافقت الحروب التي شهدها العراق خلال العقدين والنصف الماضيين.

وأشارت ميس رحيم، وهي أستاذة باحثة في جامعة إمبريال في لندن، إلى تأثير هذا التدهور على الحالة النفسية للعراقيين، الذين يعانون أصلا من مخلفات الحرب والإرهاب النفسية.

 

الحرب أتت على الأخضر واليابس، يتجسد هذا التوصيف في أدق معانيه ومشاهده الحيّة في العراق. حيث لم تقتصر نتائج حصار التسعينات ثم الغزو الأميركي في 2003، على الحرب وما جاءت به من إرهاب وطائفية وميليشيات ترفع راية أجنبية، وتهجير وتدمير لمواقع أثرية وقرى ومدن بأكملها. فقد أثرت الحرب أيضا على الأشجار والمياه والحياة الزراعية والصحية للعراقيين.

تأثيرات نفسية

إن ما مرّ على العراق من حرب ترك آثارا لا يمكن أن يمحوها ماح ولا حتى بعد الملايين من السنين، فتلوث الهواء والتربة والمياه وصل إلى مستويات قياسية ولم تعد الأراضي الزراعية صالحة للإنتاج، كما لم تعد الكثير من النساء العراقيات قادرات على الإنجاب خاصة وأن الكثير من الدراسات كشفت أن نسبة الإشعاع مازالت عالية بين العراقيين، الأمر الذي يؤدي إلى إنجاب أطفال مشوهين، والأخطر أن النساء اللاتي سيلدن بعد الحروب قد ينجبن أطفالا مشوهين وذلك لأن أرحامهن تختزن بويضات تعرضت للإشعاع أثناء وجود هؤلاء الأطفال في أرحام أمهاتهم.

وتضاعف عدد الإصابات السرطانية بعد 2003، وظهرت حالات غريبة لم تكن معروفة قبل عام 1991، مثل سرطان الثدي لدى الفتيات دون الثانية عشر عاما، وسرطان العظام لدى الأطفال الصغار، وسرطان المجاري البولية لدى المراهقين، والأورام السرطانية في المجاري التنفسية لدى الأطفال الرضع، إلى جانب ارتفاع عال في الإصابة باللوكيميا واللمفوما وسرطان العظم، وتسجيل إصابات في عمر مبكر بشكل مناقض للمعايير الدولية.وتشير دراسة نشرتها وكالة “رابتلي” الروسية للأنباء إلى أن محافظة البصرة في جنوب العراق تعاني أزمة بيئية كبيرة نتيجة ما عاشته من معارك وحروب كثيرة بدءا من الحرب العراقية الإيرانية، مرورا بحرب الخليج الأولى، وصولا إلى الاحتلال الأميركي وما أعقبه، وازداد الأمر سوءا بعد دخول تنظيم الدولة الإسلامية للمدينة وحالة الإهمال التي تسبب بها، ثم الدمار والأوساخ المتراكمة نتيجة الحرب لاستعادة المدينة من داعش.

ويشير الباحثون إلى أن قطع الحديد ومخلفات الحرب المنتشرة في المدينة تتجاوز الآلاف من الأطنان، وتبيّن أن نسبة التلوث فاقت 130 بالمئة. وبينت الإحصائيات الصادرة من مستشفى الإشعاع والطب الذري في بغداد أن نحو ثلثي المصابين بالسرطان في العراق هم من المناطق المحيطة بمدينة البصرة، جنوب البلاد. وتسجل مستشفيات البصرة النسبة الأعلى للإصابات بالأورام السرطانية والتشوهات الخلقية بين الأطفال حديثي الولادة من بين باقي مستشفيات البلاد.

6