دويتو نشرة الأخبار

السبت 2017/08/05

ثمة ارتفاع قوي في منسوب الكآبة في الدم، ليس بمقدوري تحديد كل منابعه وسواقيه. التلفزيونات منفرة ومهينة ومانشيتاتها تكاد تسيح خارج حد الشاشة من ثقل الدم.

ما يجعل مشهد المصيبة شاسعا وقاتلا هو ذلك المقطع التمثيلي المقرف الذي يتناوب على أدائه الممل، مذيع الأخبار الجلف والمذيعة الحلوة كما لو أنهما يقومان بتقديم ما يعرف بلغة أهل الطرب والرقص “دويتو” حيث يترامى الاثنان بالالتفاتات وتحريك كل عضلات الوجه مرة واحدة، وتصنيع الابتسامات وهز الكتفين ومط الشفة السفلى وتنعيس العينين حتى تكادان تتناوشان ذكريات البديعة نبيلة عبيد وخالتها بالرضاعة الفنية الصرف مارلين مونرو.

التلفزيونات المتطورة قد تنجح في هذا الفعل الجلل، لكن الفضائيات المتخلفة ستسقط حتما في التقليد فتنتج الربكة والرجفة والكثير من طيحان الحظ والطالع، فتضيّع المذيعة البائسة خيط الخبر وينشغل المذيع المجروح بالبحث عن عصفور اليقين.

تحدث تلك التمثيلية الممجوجة السعيدة بنفسها حتى لو كان الخبر يتكلم عن ألف هارب من جحائم البلدان وقد ركبوا البحر وتيتانيك الفقراء، فزعلت عليهم الأمواج القاسيات وابتلعتهم ورمتهم في طوفان الظلمات. ثم تستجمع ما تبقى من قوتك العقلية فتهجر سبورة الأخبار وتقفز صوب لوح السينما الهوليودية الفخمة الضخمة باحثا عن منجى نفسي ممكن.

ولأنك من صنف متاعيس الحظ فسوف تكون حصتك الأولى من مشهد الفيلم هي عن بنت ممثلة جميلة تجلس بظل شجرة قرب ساقية ماء زلال صحبة حبيبها الوسيم.

تقوم البطلة بفك أول أزرار قميص البطل فترتفع درجة حماستك وتنتظر المزيد الذي سيأتي فورا من البطل الشهم الذي يقوم بفك زرين من أسفل قميص البطلة الكريمة التي ترد على حبيبها بترخية حزام الجينز وخلع القندرة، فتقوم أنت على حيلك لتتيقن من أن العائلة تشخر بسلام، ثم تعود إلى فيلمك المختار لتجد أن الحال قد تبدل والسماء ترعد وتزبد وتبكي، وثمة ذئب يعوي فوق تلة، وقمر يتخفى بين نتف غيوم سود مثل وجه غراب البين.

البنت البطلة نبت في فمها نابان طويلان وتحولت عيناها إلى حفرتين عميقتين، والشاب البطل يحافظ على أثاث وجهه الذي طلع به أول مرة، لكنه ربما بال بسرواله بسبب الفحيح المرعب الذي تصدره حبيبته التي تعاجله بقبلة قاتلة تقطع بها جرف فمه الأسفل، وتثنّي عليه بغرسة فموية ماصة من وريد الرقبة فتظهر نافورة دم تشرب منها الحبيبة الشرسة بنهم ولذة. الولد يعيط ويبكي لكن لا أحد في الجوار سوى الذئب والقمر وعويل الريح وقصف السماء ورقصة صاخبة لعشيرة من مصاصي الدماء تحدث في عمق الغابة.

24