دويلة الشيطان

الخميس 2013/12/12

لم يكن بالأمر المستغرب ظهور الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على قناة تلفزيونية وهو يوزع التهم على جميع الدول العربية باستثناء العراق وسوريا لكن المثير هذه المرة أنه ذكر السعودية بالاسم لعشرات المرات في لقائه المتلفز على قناة OTV في تكرار يوحي بحجم الأزمة التي يعيشها الحزب، والقلق والتخوف الناتج عن التحركات السعودية السياسية وتأثير ذلك في مستقبل نظام الأسد الحليف وبالتالي مستقبل دويلته داخل الدولة اللبنانية خاصة وأن حملة الاتهامات جاءت بالتزامن مع لقاء بوتين- بندر في موسكو وجولة جواد ظريف في دول الخليج.

الحزب الذي وجد في اتفاق جنيف النووي فسحة كبيرة من الأمل لإنهاء الحرب الأهلية السورية سياسياً، لازال يراهن على بقاء الأسد في السلطة وعلى فشل القوى الثورية من تحقيق مكاسب كبيرة على الأرض في المرحلة القادمة. يعزز هذا الأمل المفاوضات السرية التي تجريها الولايات المتحدة مع الحزب الذي طالما اعتبرته منظمة إرهابية وذلك برعاية بريطانية. ويدعمه كذلك التواصل المستمر بين الحزب والسفير التركي في بيروت من جهة، وتواصله شبه الدائم مع قطر من جهة أخرى، وهما الدولتان الداعمتان لبعض الفصائل التي لم تواجه الحزب أو قوات النظام واكتفت باحتلال ما يتم تحريره منهما بواسطة الفصائل الأخرى.

اتهام السعودية بأنها تحاول تغيير الوقائع على الأرض قبل جنيف2 من خلال ما أسماه بغرفة عملياتها في الأردن، لا يمكن أن يكون اتهاماً بقدر ما هو شرف للسعودية أن تواجه طغيان النظام السوري ضد الشعب الشقيق، وأن تعمل على تغيير الوقائع بما يتفق ومصلحة الثوار والشعب السوري الشقيق وهو ما سيكون له أثر كبير في تعزيز موقف الائتلاف في جنيف2 في حال نجاح الثوار في تحقيق مكاسب نوعية تغير في ميزان القوى على الأرض.

الرسائل التي حملها اللقاء أقرب ما تكون إلى حملة دعم لتحقيق مكسب دعائي لإيران، التي تحاول بدورها تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب في فترة الاتفاق التمهيدي المحددة بستة أشهر من ناحية، وللحزب في الداخل اللبناني من ناحية أخرى. ولذلك نجد في اللقاء محاولة تضخيم النمر الإيراني الورقي وتصوير الاتفاق النووي بأنه يكرس لتعدد الأقطاب في العالم ويساوي إيران بالدول العظمى. وهي دعاية لمسناها بكثافة هذه الأيام لدى الناطقين بلسان ملالي قم في وطننا العربي. أما ما ذكره الأمين العام بأن السعودية تغلق أبواب التقارب التي تحاول إيران فتحها وأنها لا تمتلك الجرأة لحرب إيران وتكتفي بحربها بالوكالة، إنما هو يعكس قول المتنبي «رمتني بدائها وانسلت»، فالمعروف واقعياً أن إيران ومنذ عام 1979 تمارس حروبها غير المعلنة بواسطة مخالبها المنتشرة في العالم العربي، وليس أدل على ذلك من مخلبها اللبناني الذي يعمل جاهداً على السيطرة على لبنان لتحويله إلى عراق آخر تسرح فيه ميليشياتها أنى وكيفما شاءت. نسخة يسعى الحزب لاستنساخها في لبنان بكل الوسائل الممكنة.

في الداخل اللبناني مثَّل الحزب العصا الإيرانية التي نشرت الخوف على حاضر لبنان ومستقبله، في الوقت الذي تعيش فيه الحكومة والجيش في لبنان حالة سبات شتوي عميق أمام ما يتعرض له البلد من تهيئة تدريجية لدولة الفقيه. المجتمع اللبناني بطبيعته مجتمع أقليات تؤمن بضرورة التعايش المشترك الذي أكدت أهميته الحرب الأهلية اللبنانية. لبنان التي تحاول منذ سنوات تجاوز آثار تلك الحرب، تعاني من وقوف الحزب في وجه استكمال بناء الدولة اللبنانية من خلال بناء دويلة الشيطان الفقيه داخل الدولة الأم.

هناك مؤشرات عدة توضح توجه الحزب لابتلاع لبنان من الداخل. استقواء الحزب بإيران جعله يمارس استبداداً سياسياً لفرض مشيئته على الطوائف والأحزاب الأخرى وأضعفها كثيراً. كذلك يمارس الحزب انفراداً بقرارات مصيرية تنعكس سلباً على الدولة الأم ومنها التدخل في سوريا، تارة تحت حجة حماية لبنان ممن وصفهم بالتكفيريين، وتارة بحجة حماية مقام السيدة زينب، خاصة وأن الأمين العام للحزب قد أعلن أنه مجرد جندي صغير في جيش الولي الفقيه.

محاولات بناء دويلة الشيطان الفقيه بدأت مبكراً، واتخذت عدة مسارات أضرت بلبنان كثيراً بما فيها تعريض الجنوب اللبناني للتدمير الكامل عام 2006 وهو ثمن كبير لتحقيق شعبية تسمح له مستقبلاً بتخطي حدود الحزب إلى حدود الدويلة، وربما في مرحلة لاحقة إلى حدود الدولة. ولعل مسألة تسليح الحزب خلال السنوات الماضية ومتاجرته بالقضية الفلسطينية المستمرة حتى الآن مؤشر إلى ذلك. الممارسات التالية للحزب أكدت النوايا المبيّتة للمخلب الإيراني في لبنان، فرأينا ما يسمى بالأمن الذاتي وإقامة حواجز التفتيش بل ووصل الأمر إلى الإيقاف والتحقيق، ثم رأينا الحزب وهو يتولى بناء بنية تحتية لشبكة اتصالات متكاملة في لبنان في تنامٍ واضح للدويلة، ليتبعها أخيراً بتفجير جامعي التقوى والسلام في طرابلس بواسطة مجموعات تعمل لتحويل طرابلس إلى وكر من أوكار الأسد وهو ما تعهد ميقاتي بعدم حدوثه. ويبدو أن تصرفات الحزب في بيروت وتعامله فيها وكأنها مدينة إيرانية ما هي إلا مقدمة لما يُراد بالمدن الأخرى. ولعل هذا ما يبرر دفاع الأمين العام عن مفجري المسجدين في طرابلس في إشارة واضحة إلى أن دويلة الشيطان الفقيه تسعى إلى افتعال أحداث معينة والعمل على تصعيدها إلى حد الاقتتال للسيطرة المطلقة على خصومه، وبالتالي على كامل لبنان.

ما نراه حقيقة هو أن الحزب وأمينه العام في اتهاماته المتعددة إنما يحاول صرف الأنظار عما يُحاك سراً وعلناً ضد لبنان، وقد لمسنا صدى التسريبات الصحفية الإيرانية، عن تغيير المعادلة في الشرق الأوسط بعد اتفاق جنيف، في تصريح الأمين العام بتغيير قواعد اللعبة مع السعودية والتخاطب السياسي معها. صناعة العدو إحدى الآليات التي تتبعها إيران سواء كدولة أو كمخالب. السعودية لم تكن في يوم من الأيام خصماً للبنان بل كانت اليد الحانية التي تمتد إليه بالخير دائماً، ولكنها أيضاً لا يمكن أن تقبل التعامل مع دويلة الشيطان الفقيه في لبنان كما فعلت إدارة أوباما. وما هذه الاتهامات إلا إسقاط تمارسه دويلة الشيطان على من يقف في وجه مخططاتها بعيدة المدى.


كاتب سعودي

8