ديالى.. شريان عراقي وسط تجاذبات داعش وإيران

تعدّ محافظة ديالى العراقية، إحدى المناطق الإستراتيجية لموقعها الحدودي الحساس وقربها الجغرافي من العاصمة بغداد. أهمية جعلت من تلك المنطقة محل تنازع بين قوى الشرّ المتصارعة في العراق؛ بين تنظيم داعش الذي يسعى إلى العودة إليها لا بقوة السلاح فحسب بل من خلال كسب قلوب أهلها هذه المرّة، وبين إيران التي تعتبرها منطقة حيوية في مخطّطتها التوسعي القاضي بالهيمنة على مفاصل الدولة العراقية الرئيسية.
الاثنين 2015/06/15
سعي داعش إلى إيجاد حواضن أهلية وعشائرية له في ديالى يصعب المهمة على الجيش العراقي

تشهد محافظة ديالى العراقية، في الآونة الأخيرة، عودة عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية”، بعد أن كانت حكومة بغداد قد أعلنت، مطلع أبريل الماضي، عن إعادة بسط نفوذها على محافظتي صلاح الدين وديالى.

وقد كشفت شهادات سكان محليين عن تغيير تنظيم “الدولة الإسلامية” لأساليب تعامله مع السكان المحليين. حيث شمل التغيير مرونة أكثر في التعامل ومنح العشائر والأفراد امتيازات مادية من خلال توزيع الدور السكنية والمنح المالية.

ويبدو أنّ التنظيم بات يراهن على إنشاء تحالفات في المناطق التي يبسط عليها نفوذه أو تلك التي يطمح للسيطرة عليها من الداخل أكثر من الخارج. وهو ما من شأنه أن يخدمه في تجنب الضربات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي ضدّه، كما يجنّبه خسائر كبيرة في مواجهة القوات العراقية النظامية وعناصر الحشد الشعبي.

ومازال التنظيم المتشدد يراهن على محافظات المنطقة الغربية، ومنها محافظة ديالى، خاصة أنّها مسقط رأس زعيمه أبوبكر البغدادي، خاصّة أنّه بدأ يفقد دعم الجماعات الجهادية الأخرى في العراق بسبب ممارساته الدموية التي أفقدته الكثير من حلفائه والعديد من مصادر تجنيده، شأن ما حصل مع جماعة “جيش الطريقة النقشبندية”، بزعامة عزت الدوري، التي تعدّ أحد الفصائل الذي بايع البغدادي، لكن في أعقاب تفجيره لعدد من المراقد والمآذن غداة سيطرته على الموصل، أعلنت الجماعة عن انشقاقها عنه.

أهمية إستراتيجية

كشفت شهادات سكان محليين في محافظة ديالى، التي تقع بالجهة الشرقية من العراق وتبعد عن العاصمة بغداد 60 كم، عن وجود تحالفات بين عدد من عشائر المنطقة و”الدولة الإسلامية”، وأبرز تلك العشائر التي لم تحارب داعش هي؛ بني ياس وصميدع وربيعة الحويجة وعساكرة والكروية في جلولاء وعشائر النزارات وبعض عشائر الجبور هذه العشائر لم تحارب داعش. ويبدو أنّ غالبيتها تقف اليوم مع داعش، وتدفع له معاليم اشتراك خاصة في جلولاء والسعدية. وتحتضن محافظة ديالى عددا من العشائر من مختلف المذاهب والأعراق، أبرزها؛ عشائر العبيد (عرب سنة) وعشائر العزة (عرب سنة) وعشائر الكر والهيبات والتركمان، (مزيج بين الشيعة والسّنة). وقد استطاع داعش تكوين علاقات وثيقة وتحالفات مع عشائر المنطقة قبل أبريل 2015، ماعدا عشيرة التركمان من الطائفة الشيعة، التي غادرت المنطقة.

داعش يركز كثيرا على محافظة ديالى ولا يريد أن يخسرها، باعتبارها تمثل نقطة ارتكاز في مخطط استهداف بغداد

ولا تتسم علاقة داعش بتلك العشائر دائما بالتآلف حيث تسودها الكثير من الهزات في أحيان كثيرة لأسباب عديدة، وعلى سبيل المثال فقد تسبب اعتراض شيخ عشيرة العبيد على ممارسات داعش الدموية تنفيذ عقوبة الإعدام في حقّه في بدء الاقتتال بين قسم من عشائر العبيد والتنظيم المتشدد، بينما استمرت عشائر عزة مثلا في مساندة داعش.

ويفسر تركيز داعش على السيطرة على تلك المناطق التي تكتسي في نظره أهمية إستراتيجية، خطّته الأبرز والأهم والتي مازالت متعلقة بتهديد العاصمة العراقية بغداد واستهدافها. وتقوم خطط التنظيم في هذا السياق على إيجاد ثغرات في حزام بغداد، والّذي يضم، فيما يضم، محافظة ديالى القريبة جغرافيا من العاصمة.

وحسب ما أعلنت عنه مصادر من داخل محافظة ديالى، فإن خطط التنظيم تقضي أوّلا بالوصول إلى أحزمة بغداد والسيطرة عليها، وعزلها عن العاصمة، ثمّ تفيد بفتح ثغرات، وصولا إلى تقطيع أوصال بغداد، والسيطرة على جسور إستراتيجية، وشنّ هجمات نوعية ضد أهداف حكومية.

ولهذه الغاية فإنّ خطط التنظيم، تقوم على الانتشار قرب محيطي بغداد الغربي والشمالي عبر قرى زراعية قرب نهري دجلة والفرات باتجاه العاصمة، وإقامة خارطة من التحالفات تسهل عليه تمدده وبلوغ غاياته.

ولدى التطرق لقراءة خارطة التحالفات التي أنشأها داعش مع فصائل مسلحة في العراق، ومن هي تلك الفصائل والجماعات نذكر:

* المجلس العسكري لثوار العشائر: تشكل هذا المجلس في فبراير 2014 ، لكن سرعان ما واجه مشكلة التفكك في يونيو 2014 حين حاول بعض شيوخ “عشائر الكروية” التفاوض مع قيادات البيشمركة الكردية في ناحية جلولاء. وقد انضمت في أعقاب ذلك إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” عشائر أخرى. ويقود المجلس الآن ضباط من الجيش العراقي السابق.

تجنيد الأطفال يحتل أهمية كبيرة لدى قادة داعش في محاولة منهم لإنشاء الجيل الثاني للتنظيم

* تنظيم جيش رجال الطريقة النقشبندية: تحسب غالبية عناصر هذا التنظيم على حزب البعث. ويراوح هذا التنظيم بين الصفة القومية والإسلاموية الصوفية، التي تحاول تجنب الخوض في مواجهة مع “الدولة الإسلامية”. ويفرض سيطرته على ناحية المنصورية والمقدادية ويقل نشاطه في السعدية وجلولاء ومندلي وبلدروز، أمّا أبرز معاقله فهي الحويجة والرياض وكركوك.

* كتائب كردستان: تشكلت من قيادات وسطية كانت تعمل مع تنظيم “أنصارالإسلام” في إيران والعراق، وهو حاليا يختص بتجنيد الانتحاريين من الأكراد لصالح “الدولة الإسلامية”. وكانت هذه الجماعة مسؤولة عن التفجيرات التي شهدتها المناطق المتنازع عليها في جلولاء وخانقين وكردستان.

تنازع إيراني داعشي

لم يعد خافيا أنّ تنظيم “الدولة الإسلامية” يركز كثيرا على محافظة ديالى ولا يريد أن يخسرها، باعتبارها تمثل نقطة ارتكاز مهمة في مخططه الذي يستهدف من خلاله العاصمة بغداد، وفي سياق التعبئة والتجنيد اللّذين يقوم بهما التنظيم في هذا الصدد والتي طالت حتى الأطفال، قال رئيس اللجنة الأمنية في محافظـة ديالى، في تصريح صحفي في مايو الماضي “إنّ هنالك معلومات مؤكـدة تتحدث عن التحاق أكثر من 70 طفلا من منــاطق متفـرّقة في ديالى بصُفوف داعش”.

وأضاف “أنّ أغلب هؤلاء هم على صلة قرابة بقيادات وعناصر من التنظيم وأنّ أغلب الأطفال التحقوا بصفوفه أثناء فترة سيطرته على المحافظة”، مشيرا إلى أنّهم متواجدون حاليا ضمن حدود صلاح الدين وكركوك والموصل وبعضهم جند لتنفيذ عمليات انتحارية.

وتابع رئيس اللجنة الأمنية أنّ تجنيد الأطفال يحتل أهمية كبيرة لدى قادة داعش في محاولة منهم لإنشاء الجيل الثاني للتنظيم.

من جهة أخرى كشفت اللجنة الأمنية في مجلس محافظة ديالى، خلال شهر مايو الماضي، عن بعض خفايا المقبرة السرية التي عثرت عليها قوات أمنية مشتركة داخل معسكر لتنظيم داعش في أطراف منطقة حمرين، شمال شرق بعقوبة. وأكّدت أنّ المقبرة تضم رفات قادة الصف الأوّل للتنظيم، وأغلبهم من العرب والأجانب الذين قتلوا في معارك متفرقة. وقد شهد حوض حمرين أيضا مقتل، عزت الدوري، زعيم جيش النقشبندية. ويعكس تواجد عزّت الدوري في تلك المنطقة أهميتها الجغرافية والعسكرية والإستراتيجية في الحرب التي يشهدها العراق، خاصّة أنّها ماتزال معقلا من معاقل داعش وكذلك “المجلس العسكري لثوار عشائر العراق”. ونظرا إلى هذه الأهمية التي تكتسيها المنطقة، فإنّ تنظيم داعش مصرّ على العودة إليها بعد دحره من قبل قوات الجيش العراقي في وقت سابق، لكن ليس من خلال اجتياحها بالقوة العسكرية هذه المرة بقدر ما هو يعوّل على تنشيط الخلايا الداخلية القريبة منه والحواضن من الداخل.

الإستراتيجية الإيرانية، في العراق تقوم على خلق منطقة عازلة تخلو من تهديدات داعش والمجموعات المسلحة التي تهدد مخططاتها التوسعية

لكن هذا التركيز على محافظة ديالى لا يعدّ حكرا على داعش فحسب، بل إنّ إيران في إطار مخططاتها التوسعية في العراق لم تغفل هذه النقطة وهي ماضية كذلك في البحث عن موطئ قدم لها يسمح لها بتحقيق مآربها لاحقا، وهو ما خلق نوعا من التنازع الإيراني الداعشي على المنطقة.

وتقوم الإستراتيجية الإيرانية، في العراق بصورة عامّة والمحافظات الحدودية ومنها ديالى بصورة خاصة، على خلق منطقة عازلة تخلو من تهديدات داعش والمجموعات المسلحة التي تهدد مخططاتها التوسعية. وقد أرسلت طهران لهذا الغرض عددا من قوات الحرس الثوري الإيراني إلى ديالى تحت يافطة “تطهيرها من تنظيم داعش”، قبل تنفيذ الجيش العراقي لعملية استرجاع السيطرة على محافظة صلاح الدين مطلع شهر أبريل الماضي.

ويملك الحرس الثوري الإيراني قوة القدس، التي تشرف على عدد من المقرات والمحطات والمراكز الاستخبارية، بموافقة الحكومة العراقية، في المنطقة العازلة، وهي محمية بسرب من الطائرات الإيرانية (من دون طيار) تقوم بالمراقبة والاستطلاع، وهي خطوات تسعى من خلالها إيران إلى تثبيت أقدامها في المنطقة تمهيدا للسيطرة الكلية على العراق لاحقا.

وترجع هذه الخطوات التي تقوم بها طهران كذلك إلى تنامي القلق الإيراني جراء انتشار نفوذ داعش في المناطق المذكورة، وإلى العملية النوعية التي نفذها التنظيم المتشدد من خلال اختراق الحدود العراقية الإيرانية وزرع عبوتين ناسفتين (انفجرت الأولى بتاريخ 23 مارس في منطقة “سومار” المقابلة لمنفذ مندلي الحدودي والثانية بالقرب من مخفر “جقة شيركة” الإيرانية في 30 مايو الماضي).

الثابت أنّ تنظيم “الدولة الإسلامية” بات يُراهن على إيجاد حواضن وملاذات وتحالفات مع العشائر، أكثر من الدخول في مواجهات عسكرية على الأرض، تجنبا للخسائر، وهو في نفس الوقت يراهن على تلك التحالفات حتى يتبقى له أنصار ومؤيدون، حتى في حال دحره من المنطقة. كما يراهن التنظيم المتشدد على فشل السياسات والممارسات الحكومية التي اتبعها نوري المالكي في وقت سابق ويعمل عدد من الموالين لإيران اليوم على إعادة إنتاجها في العراق، ليطرح نفسه بديلا عنها.

باحث في قضايا الإرهاب

7