ديانة الشمولية

الخميس 2016/05/19

قليلة هي الأصوات التي تشذ عن النعيق العام في أوساط النخب التونسية، التي تساند في معظمها نظام بشار الأسد، حتى ليحار العاقل كيف يمكن تفسير الموقف المتناقض لفئة ثارت ضد طاغية، ثم راحت تدافع عن سفّاح دمّر بلاده، ليكرّس بقاءه على كرسيّ ورثه عن أب كان من لذّاته سفك الدماء. وكيف يمكن أن يفهم وقوفها ضدّ الثورة السورية والحال أن هذه الثورة رفعت نفس الشعارات التي كانت تتردد في مدن تونس وساحاتها، فقد استأنست هي أيضا بثورة الكرامة في سلميتها ودعوتها إلى تغيير وضع ما عاد يطاق، ولم تتحول إلى حرب ضروس إلا بعد أن أمعن النظام في شعبه بطشا وتنكيلا، ولم يتورع عن فتح بلاده للغرباء كي يفتكوا ببني قومه. والسبب ليس عمى مذهبيّا، بل أيديولوجيٌّ، إذ أن هذه النخب غلب عليها كرهها لإخوان النهضة وحلفائهم المناهضين للنظام السوري، فألهاها ذلك الكره عن النظر إلى المسألة بموضوعية، لترى أن شعبا عربيا يُذبح بيد حاكم ظلوم غشوم، وليس بطلا قوميا، كما تروّج بعض المواقع الاجتماعية.

هذا الموقف يذكرنا بموقف اليسار الفرنسي من الشيوعية، فقد أعمت الأيديولوجيا عيون أعلامه رغم الجرائم التي كان ستالين يقترفها ضد شعبه وضد الشعوب الخاضعة لدكتاتورية البروليتاريا.

وكما هي الحال مع النظام السوري المجرم، كانت الأنظمة التوتاليتارية تجد لها أنصارا من المثقفين، كانوا يفسرون الجرائم المقترفة بكونها السبيل التي لا محيد عنها من أجل التقدم، وكأن من يقع إعدامهم وتقتيلهم كانوا موافقين على زوالهم لـ”وضع التاريخ في مساره الصحيح”. فالفيلسوف آلان باديو مثلا دافع صراحة عام 1979 عن الإبادة الجماعية التي ارتكبها الخمير الحمر في كمبوديا، بدعوى أنها ترتيبُ أوضاع ضروريٌّ من أجل التقدم، فيما برز ميشيل فوكو بموقفه الداعم للثورة الإسلامية في إيران، التي لم ير منها غير “أول تمرد كبير ضدّ الأنظمة الكونية” و”الشكل الأكثر حداثة للثورة”. ولم يخرج عن الصفّ سوى ألبير كامو في خطاب شهير كان ألقاه في باريس عقب اكتساح القوات السوفييتية مدينة بوادبست، تجاوز فيه، بخلاف سارتر وأراغون، ثنائية اليسار واليمين، وأدان بشدة “دبابات البروليتاريا التي أهلكت العمال الباحثين عن اللقمة، والباحثين قبل كل شيء عن الحرية”.

في ذلك الخطاب، قال صاحب “الإنسان الثائر” “فلتملك الشجاعة كي تستعمل فهمك الخاص”. وما أحوج نخبنا إلى فهمها الخاص بعيدا عن الأيديولوجيا كي تدرك حقيقة ما يجري في سوريا، وتنأى بنفسها عما يسميه كامو “ديانة الشمولية”.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15