"ديبان" الفيلم الحاصل على السعفة الذهبية

الأحد 2015/06/21
المخرج الفرنسي جاك أوديار مع أبطال فيلمه المتوج في مهرجان كان

لم يكن فوز الفيلم الفرنسي “ديبان” للمخرج المرموق جاك أوديار بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي مفاجئا لي شخصيا، فقد كنت قد اخترت الفيلم بالفعل ضمن أفضل ثلاثة أفلام من بين الـ19 فيلما التي شاركت في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة. والفيلمان الآخران هما “ابن شاؤول” المجري، و”شباب” الإيطالي. وربما كان فوز “ديبان” مفاجئا لدى الكثيرين الذين يعتبرونه أقل تألقا من الفيلمين السابقين لمخرجه جاك أوديار، وهما “نبي” (2009)، و”صدأ وعظم” (2012)، إلا أن هذا الفيلم لا يقل في رأيي،عن مستوى أفلام أوديار بشكل عام، بل إن موضوعه المتميز يجترئ على ما يمكن اعتباره من “المسكوت عنه” في الثقافة الأوروبية بوجه عام، والفرنسية بوجه خاص.

غير أن جاك أوديار ليس من السينمائيين الباحثين عن موضوع مثير، يمكن أن يحدث فرقعة إعلامية ثم ينتهي أثره بعد عرضه، بل هو عاشق حقيقي للسينما، يهتم بأدق تفاصيل العمل السينمائي، الذي يرى أنه ينطلق أساسا من السيناريو. يقول أوديار إن شكل الفيلم يجب أن يتحدد خلال مرحلة السيناريو أو النص السينمائي قبل التصوير، فالسينما حسبما يرى، “ليست مجرد قيمة مضافة إلى الكتابة، بل عملية كلية شاملة”.

ينشغل أوديار بعملية الخلق السينمائي، بتوظيف العناصر الفنية المختلفة في خدمة رؤيته السينمائية، بالشكل السينمائي الذي يتشكل خلال الممارسة الذي يحرص على أن يجعله متوازنا: فالإغراق في الواقعية كما يرى، يمكن أن يجعل الفيلم يبدو سقيما وباردا وبعيدا عن الجمهور، ومن ناحية أخرى، فالمغالاة في التلاعب باللغة، بالشكل، والميل إلى التجديد وابتكار في الأسلوب يجعل من الصعب تصديق ما يحدث في الفيلم. أي أن الإغراق في الواقعية قد يكون مملا، والاستغراق في الأسلوبية يجعل الفيلم بعيدا عن الواقع. هذا المأزق يحاول أوديار الخروج منه دائما عن طريق المواءمة -وليس التوفيق- بين البناء، والشخصيات، وبين الموضوع الذي يعكس أبعادا قد تتجاوز ما يحدث على الأرض في الواقع من خلال لغة أقرب إلى لغة الشعر، والارتفاع بالشخصيات نحو ذرى وأبعاد أخرى لا يسهل أن نلمسها في الواقع، وأسلوب خاص في التعامل مع الصورة، ومع تركيب الصور معا بحيث ينتج عنها تأثير ما، إحساس، معنى صادم إلى حدّ ما، ولو بدت أحيانا كما لو كانت خارج سياق الواقع.

تجربة فيلم "نبي"

هذا ما نلحظه مثلا في فيلمه الكبير “نبي” A Prophet الذي كان فتحا سينمائيا عند ظهوره قبل ست سنوات. هذا فيلم يبدو من الوهلة الأولى، من أفلام التشويق البوليسية التي تمتلئ بالعنف والإثارة والمشاهد المعتادة للصراعات بين الأشقياء داخل السجن، لكن النظرة الأعمق إليه، والنفاذ تحت جلد شخصياته، خصوصا شخصية بطله الشاب الذي يدخل إلى السجن في البداية كما لو كان يخرج من الرحم إلى “الحياة” الحقيقية التي تمتلئ بالقسوة والصراع من أجل البقاء، ليكتسب تدريجيا، قدرات ذهنية وعقلية، وهو الأمي الذي لم يكن يعرف الكتابة أو القراءة، تمكنه هذه القدرات المكتسبة من التفوق على عتاة المجرمين وأعوان الشر. هذه النظرة تجعل من “نبي” عملا متميزا، صحيح أنه يمتلئ بالكثير من العنف، لكن في سياق شعري، فيه أيضا الكثير من التأملات حول معنى الحياة، وكيف يمكننا أن نحياها ونتحايل عليها لكي نستمر.

يدخل “مالك” (الجزائري الأصل) السجن بتهمة لا نعرفها، محكوما عليه بقضاء ست سنوات، حيث يصبح عرضة لاضطهاد بشع من جانب عصبة إجرامية كورسيكية يتزعمها “قيصر”، الذي يرغمه على القيام بكل الأعمال القذرة بل وحتى التجسس لحسابه على الفئات الأخرى من المجرمين، ويحظر عليه الاختلاط بأقرانه من السجناء العرب المسلمين.

ينشغل أوديار بعملية الخلق السينمائي، بتوظيف العناصر الفنية المختلفة في خدمة رؤيته السينمائية، بالشكل السينمائي الذي يتشكل خلال الممارسة الذي يحرص على أن يجعله متوازنا

هذا الشاب الذي جاء إلى هذا العالم -عالم السجن- دون أي أفكار أو معرفة أو انحيازات مسبقة، هو أقرب إلى طفل ولد وألقي به داخل العالم “الحقيقي” لكي يتعلم كيف ينجو ويطفو ويستمرّ في الحياة.

مالك المنفصل بإرادته عن جذوره الثقافية، يريد أن يحيا وأن يتجاوز المحنة بأي ثمن، وهو يتعلم من خلال الإنصات والاحتكاك كيف يستغل الثغرات لحسابه، ثم يحقق انتقامه الشخصي من الذين أهانوه وأذلوه ويوجه لهم الضربة القاضية. هذا فيلم عن “البقاء” بالمعنى الوجودي. وخلال رحلة الوعي بما حوله، وبأن لا شيء يكتسب معنى إلا من خلال تعاملنا المباشر معه، يتعلم مالك كيف يبطن غير ما يظهر، وكيف يطيع لكي يتمكن في ما بعد من إصدار الأوامر. وهو لا يتورّع عن القتل والتجسس على الآخرين والقيام بالمهام الصعبة المستحيلة، واستغلال الفرص التي تتاح له للخروج المؤقت من السجن للقيام ببعض الأعمال لحسابه الخاص أيضا، إلى أن يتوّج في النهاية إمبراطورا في عالم الحياة أو الإجرام، تخشاه العصابات المنافسة. لكنه يكون قد اكتشف خلال رحلته في العالم السفلي، ومع تعرضه للمخاطر، أن ولاءه الحقيقي يجب أن يكون لثقافته ولرفاقه ولأبناء جلدته.

هذا فيلم يتعلق بالبحث عن الهوية، عن العنصرية المقيتة التي تجعل السجن رمزا مصغرا للمجتمع في الخارج حيث يمارس الأقوياء القهر على الضعفاء، كما يمارس الآخرون (الكورسيكيون) عدوانهم العنصري الفظ بتعليقاتهم المهينة لمالك وأصله العربي والإسلامي طوال الوقت. والفيلم أيضا عن فساد مؤسسة الشرطة والسجون الفرنسية وخضوعها المهين للمجرمين والأشقياء وتجار المخدرات.

الاكتشاف الكبير

اكتشف أوديار الممثل الجزائري الشاب طاهر رحيم الذي قام بالدور الرئيسي، وسرعان ما أصبح من أهم الممثلين في السينما الفرنسية حاليا.

يقول أوديار إنه كان قد بدأ يشعر بعدم الارتياح للعمل مع الوجوه المألوفة للممثلين في فرنسا، وكان يبحث عن وجوه أخرى، سحنات مختلفة بأشكالها وألوان جلدتها وطريقتها في الحديث والتفكير، أشكال أخرى من التعبير مختلفة عمّا اعتاد رؤيته. وهنا كانت تجربة العمل مع مجموعة كبيرة من الممثلين من أصول عربية، مغربية وجزائرية، بل وقد تعاون في كتابة السيناريو مع الكاتب من أصل جزائري عبداللطيف ضفري.

ديبان.. مقاتل التاميل الهارب مع الطفلة التي أصبحت ابنته

هذا الاتجاه نحو نقد الفساد داخل “المؤسسة الفرنسية” والميل إلى اكتشاف الآخر، الأجنبي، القادم من قلب ثقافة أخرى هو ما جعل أوديار يتجه إلى جهة أخرى في الجانب الآخر من العالم، إلى “التاميل” في سيريلانكا في جنوب شرقي آسيا، لكي يكتشف “بطله” هناك، وينسج قصته في سياق درامي مشوّق، عن ذلك البطل “اليائس″ الذي يحاول بشتى الطرق، التواؤم مع الحياة الجديدة، لكنها ترفضه وتهزأ منه وتهدده وأحبابه، وترغمه على استدعاء المدفون في داخله.

ديبان

إن “ديبان” بطل فيلم أوديار الجديد الذي يحمل الاسم نفسه، مقاتل سابق في صفوف التاميل، تخلى عن القتال بعد أن تمكنت قوات النظام في سيريلانكا من هزيمة الثوار المطالبين بالانفصال، واتخذ لنفسه هذا الاسم الذي ليس اسمه، وأخذ يبحث عن طريقة للفرار إلى عالم آخر بعيد عن كل ذلك العنف الذي أودى بحياة زوجته وابنته. لكنه يتعين عليه للحصول على تأشيرة تمكنه من الذهاب إلى “جنة فرنسا”، أن تكون لديه عائلة، فيدبر الأمر بأن يقنع فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها هي “ياليني” تريد أيضا الفرار من الجحيم، بأن تلتحق به، ويعثر الاثنان على طفلة في التاسعة هي “إيليال” التي فقدت أسرتها في الحرب، ويكوّن الثلاثة أسرة مزيفة، تتجه إلى فرنسا حيث تعاني في البداية من ظروف الحياة الشاقة القاسية. المقاتل السابق ينضم لباعة الورود والألعاب الوهمية في شوارع باريس، ويقيم الجميع في معسكر مؤقت إلى أن يتم نقلهم إلى مدينة أخرى، ويُمنح ديبان وظيفة حارس عمارة سكنية من عمارات الحكومة التي تأوي المهاجرين، كما تسند إلى “زوجته” مهمة الإشراف على الطهي والتنظيف في منزل رجل من عتاة الإجرام سابقا، زعيم إحدى عصابات المافيا من أصول عربية (يقوم بدوره المخرج المغربي فوزي بن سعيدي) يقيم معه ابنه “إبراهيم” الذي يتولى قيادة العصابة المسلحة وهو ضالع في صراعات دموية مع عصابات أخرى من تجار المخدرات.

إذن الأسرة القادمة من بعيد بحثا عن السلام في الجنة الفرنسية، سرعان ما تجد نفسها واقعة وسط النيران المتقاطعة، بين زمرة من الأشقياء. هنا من هذا الموقف الدرامي المعقد، الذي تمتزج فيه السياسة بالحب، مع فكرة الأسرة، بالبحث عن الانتماء: هل هو للوطن أم للوطن البديل أم للأسرة، والأولوية لمن؟ وكيف تصبح الابنة التي ليست ابنة، منتمية لأسرتها الجديدة لا تستطيع فراقها؟ ومن هم هؤلاء الأشقياء، ولماذا يقومون بما يقومون به، هل هو قدرهم، أم اختيارهم؟ وهل يمكن لهذا المقاتل الشرس في السابق أن يظل كاظما غيظه وهو يتعرض للإهانة اليومية ثم أخيرا للتهديد بمحو أسرته من الوجود؟

هذه التساؤلات الوجودية تجعل أوديار يقود تجربة فيلمه البديع “نبي” على استقامتها هنا، في سياق البحث عن الانتماء، عن الهوية، عن الحب وعن التعاضد الإنساني، والفهم، ولكن أيضا في إطار من الهجاء السياسي الواضح للمنظومة الاجتماعية والسياسية الفرنسية، تماما كما كان نبي.هل أفسد كل هذا العنف، الذي يتفجر في النهاية، الفيلم؟ كما يقول الكثيرون الذين اشتكوا أيضا من المغالاة في تصوير “ديبان” وكأنه قد أصبح “رامبو”.

هذا التساؤل ليس له محل في رأيي، لأننا نعرف من البداية أن ديبان ضابط سابق ومقاتل شرس أرغم على التخلي عن العنف بسبب ما وقع له ولأسرته. وهو خلال الفيلم يحرص على تجنب أي ردة فعل من جانبه قد تورطه في العنف مجددا، بل وعندما يلتقي برئيسه السابق الذي جاء إلى فرنسا يريد شراء أسلحة -من اللبنانيين كما يقول- لإرسالها إلى سيريلانكا لاستئناف القتال، يسخر منه ديبان ويرفض رفضا تاما الانصياع لأوامره، غير آبه باتهامه بالتهاون والتخاذل بل وخيانة القضية. لكن كان منطقيا أن يتخلى ديبان في النهاية عن حذره هذا بعد أن أصبحت أسرته الجديدة أيضا عرضة للموت أي ضحية للعنف.

في الفيلم الكثير من المواقف التي يعبر من خلالها أوديار بشاعرية وحس سينمائيين عاليين، عن ذلك التشكك والحذر الطبيعي في البداية، بين ياليني وإبراهيم من خلال الحوارات البديعة الطبيعية

عنف وشعر

يقول أوديار إن ما أثار اهتمامه بموضوع هذا الفيلم هو وضع شخص ما مختلف في المجتمع، وأضاف أن ما يثير اهتمامه أكثر حاليا، شخصيات مثل الرجل المهاجر الذي يبيع الورد إلى رواد المقاهي، فمن أين جاء، ومن هو تحديدا، وكيف يفكر وكيف يرى الأشياء؟

يثير فيلم ديبان بلا شك، موضوع تعامل فرنسا مع المهاجرين، بل ويفتح أيضا ملف الأحياء الداخلية في المدن الفرنسية والأسباب الكامنة في داخلها للغضب، والعنف، لكنه يبقى أساسا، عملا دراميا شاعريا متماسكا، عن اكتشاف الحب والانتماء والبحث عن السعادة ولو بين من اضطرتهم الظروف القاسية للقبول بالتعايش معا في البداية، قبل أن ينمو الحب.

وفي الفيلم الكثير من المواقف التي يعبر من خلالها أوديار بشاعرية وحس سينمائيين عاليين، عن ذلك التشكك والحذر الطبيعي في البداية، بين “ياليني” و”إبراهيم” (يقوم بدوره الممثل الفرنسي فنسو روتييه)، من خلال الحوارات البديعة الطبيعية، ثم الفهم والتفاهم بل ويصوّر كيف تشعر ياليني بالخوف على حياة إبراهيم، وتحاول أيضا إثناءه عمّا يقوم به.

وكما تمكن أوديار من اكتشاف طاهر رحيم في “نبي” قدم لنا في “أوديار” اثنين من الممثلين ليس من الممكن أن ينساهما المتفرج، وهما الممثل والممثلة اللذان يقومان بالدورين الرئيسيين: جيسوثان أنطونيثاسان وهو كاتب من التاميل وكان في السابق مقاتلا ضد النظام وسجن في أكثر من دولة إلى أن لجأ إلى فرنسا عام 1997، وكليسواري سرينيفاسان وهي ممثلة مسرح هندية. وقد بلغت درجة الإجادة في أداء الدورين، إلى حدّ ترشحهما للحصول على جائزتي التمثيل في مهرجان كان، وكان يمكن أن يحصلا عليها لولا فوز الفيلم بالسعفة الذهبية، ولا يجوز حسب قانون المهرجان حصول الفيلم الفائز بها على جوائز أخرى.

يقول أوديار إن إسناد دور البطولة إلى بطله طاهر رحيم في فيلم”نبي” أحدث صدمة لدى الجمهور الفرنسي، فقد كان عربيا، وقد تمكن من الانتصار على الجميع، على عتاة المجرمين، ولو كان مجرما فرنسيا لما كانت هناك صدمة، ولو كان الممثل الذي قام بالدور فرنسيا لكانوا قد صفقوا له، أما أن يكون طاهر رحيم الذي لا يعرفونه أصلا، فهو ما أزعجهم، وكان قصدي أن أجعلهم يصدمون وينزعجون. والواضح أن أوديار يكمل الطريق في اتجاه مزيد من الإزعاج، لكن للسعفة الذهبية رونقها وسحرها في النهاية.

16