ديبورا فيلدمان يهودية أميركية تبحث عن هويتها

السبت 2017/10/28
ديبورا فيلدمان كاتبة محجبة تهرب من الحي الحسيدي المتشدد

برلين- في العاصمة الألمانية ثمة نجمة تحتفي بها وسائل الإعلام احتفاء غير عادي، بعد نشرها لكتابها “غير تقليدي” والذي أدرج ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعا حسب “نيويورك تايمز”، وكتابها الجديد “بناء على طلب” الذي تطرح فيه أسئلة تؤرق الإنسان وتشارك القارئ في البحث عن أجوبة لها.

ديبورا فيلدمان بدأت رحلتها من دون تذكرة عودة، ومن دون نقود لتهرب من ويليامزبرغ في بروكلين بنيويورك والذي يضم جماعة يهودية متشددة جدا هي الطائفة الحسيدية التي تنغلق على نفسها، وترفض الاحتكاك بالآخرين.

ترتدي نساء الحسيديم الحجاب والثياب السوداء، و يجري تزويجهن في عمر مبكر جدا، وعند الزواج يحلقن شعرهن ولا يسرن بمحاذاة الرجل، فدائما تأتي المرأة في مرتبة أدنى، وتعتبر جزءا من ملكية الرجل، لا يحق لها الخروج من ويليامزبرغ أو الذهاب إلى الجامعة.

ولكن وبعد أن تزوجت فيلدمان، مثل غيرها، في سن السابعة عشرة وبعد إنجابها لطفلها، قررت وهي في الثالثة والعشرين الذهاب إلى مانهاتن. تقول فيلدمان لـ”العرب”، “كنت أحاول إنقاذ ابني من براثن تلك العادات المتخلفة وفتح أبواب المستقبل له، لم يكن قرارا سهلا، فالهروب ينسف أي امكانية للتواصل مع من هم في داخله، ليبقى الشخص وحيدا دون أسرة أو أصدقاء ودون منزل، كمن يقفز ليسقط في الفراغ”.

المجتمع الأميركي الآخر

لا تخفي فيلدمان نقمتها على المجتمع الأميركي الذي لجأت إليه في البداية، حيث تم تجاهل وضعها من قبل الحكومة الأميركية، ولم تقم الجهات الرسمية بمساعدتها كامرأة تتمرد وترفض الظلم الذي يمارس عليها. اعتبرت فيلدمان أن هذا المجتمع قام بخيانتها وخيانة المسؤولية الملقاة على عاتقه كمجتمع إنساني ديمقراطي.

الحلم الأميركي الشهير تنتقده فيلدمان وتفضح هشاشته، ذلك الحلم الذي يدور بفلك الفردانية، والمقترن فقط بالمال. تتذكر بحنق وتقول “بقدر ما تملك من المال فأنت مواطن أميركي صالح، وهذا ما يتم تكريسه وبرمجة الأطفال عليه بمناهج التعليم، بالدعايات، برامج التلفزيون والمسلسلات كلها تطرح طريقة واحدة للحياة وهي حصولك على المال أهم من كيف تحصل عليه، بالإضافة إلى عدم وجود نظام اجتماعي يحمي المفلسين والفقراء بل يعتبرهم غير موجودين”.

تهمة العداء للسامية

فيلدمان، وبعد أن تزوجت صغيرة مثل غيرها في الحي، في سن السابعة عشرة وبعد إنجابها لطفلها، قررت وهي في الثالثة والعشرين الهروب إلى مانهاتن

تعرضت فيلدمان للكثير من التهديدات من قبل عوائل يهودية ادعت بأنها معادية للسامية، طالبين منها الانتحار لأنها خرجت عن الطائفة لتكون عبرة للآخرين، تقول عنهم إن هؤلاء “كأنهم إذا تجاهلوا المشاكل استطاعوا حلها”. تتحدث فيلدمان بألم عن إحدى صديقاتها استي، التي وجدوها منتحرة في سيارتها بالرغم من أن فيلدمان كانت تجدها امرأة متوازنة ولديها حلم. تقو ل”هذا ما يرغبون فيه، أن أكون يائسة وأنتحر، ليقولوا لأطفالهم هذه هي نتيجة من يهرب من مجتمعنا، ويكسر القيود”.

لم تستطع هذه اليهودية المتمردة البقاء في الولايات المتحدة، لكنها لم ترغب في الاستقرار بإسرائيل أيضاً، بل إن “أرض الميعاد” لم تكن ضمن احتمالات التفكير لديها. فهي تجد أن إسرائيل عبارة عن مجتمع عنصري في داخله بالرغم من تشدقه بأنه الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.

تضيف “في الحقيقة يخضع ذلك المجتمع لسلطة الدين والذي يتحكم به أصحاب السلطة والنفوذ، كل البلاد يجب أن تقفل في أعياد اليهود حتى لو لم أكن مؤمنة بالدين” وتضيف “العلمانية تقود إلى مجتمع حر ومسالم وتستطيع القيام بما تريد لكن في إسرائيل أنت لست حرّا، وخاضع لسلطة الدين بشكل أو آخر”.

لا تتوانى فيلدمان عن ذكر ما حدث أثناء جلوسها في أحد مقاهي نويكولن في برلين، حيث ألقى عليها شخص التحية بالعبرية فردت عليه قائلة أنا مثلك يهودية ليسألها على الفور “من أين أنت؟”. تتابع “قلت له من نيويورك”. فأجابني:”لا، أنت لست مثلي ، ولسنا متشابهين ومتساوين فأنا يهودي من إسرائيل، أنا لدي وطن، أنا النوع الجديد من اليهود، أمتلك القوة ولست ضائعا، أنا الأفضل، أما أنت فيهودية تقليدية ضعيفة، أستغرب أن تقولي: إننا متشابهان لكوننا يهوديين”.

مصادفة الولادة

ذاكرة الأحداث التاريخية تحضر بقوة مع ديبورا فيلدمان في حياتها وفي كتبها أيضا

لم يكن بمقدور فيلدمان التغاضي عن هذه النظرة المتعالية للإسرائيليين اليهود والتي يتعاطوا بها مع الآخرين وفيما بينهم، لكنها مؤمنة بالإنسان الذي ينتمي لكل العالم وليس لبقعة بعينها “أعتقد ان الولادة هي مصادفة، ولا يسعني سوى القول: إنني أؤمن بالبشرية”.

يتبادر سؤال للذهن، ماذا لو ولدت في عائلة ألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية، ماذا ستقول عن المحرقة؟ المحرقة التي فر منها أجدادها وهربوا إلى الولايات المتحدة ليعيشوا ضمن تلك “الغيتوات”. بالرغم من أن جدتها كانت إحدى الناجيات من المحرقة، ولكن يمكن للمرء أن يتلمس تحرر فيلدمان من ثقل هذا الماضي بسهولة، ومحاولتها البحث عن جذور لها في ألمانيا وتحديداً في برلين.

تصف فيلدمان برلين التي تسود فيها روح التنوير والخطاب الفكري، بأنها مدينة لكل اللاجئين من كل أصقاع العالم ولمختلف الأسباب ومختلف الأعراق “لقد منحتني هذه المدينة الكثير من الراحة كما منحتني الوقت لأبني ذاتي من جديد، إنها مدينة تقبل الجميع وتساعد كل المخذولين ليبدأوا من جديد”.

وتضيف فيلدمان إنها تستطيع العيش كلاجئة مثل بقية اللاجئين، تقول “أستطيع أن أعيش حياة اللجوء التي يعيشها الكثيرون، والحياة التي عاشها أجدادي من قبل، لقد هربوا من النازية إلى أميركا وأنا الآن أهرب بشكل معكوس لأعود إلى ألمانيا. هذا يمنحني فهماً جديداً للحياة خارج إطار المألوف”.

جدتها التي لا تفتقد أحداً سواها والتي كانت مقيمة معها في بروكلين، لم تذكر شيئا عن الأهوال الحقيقية لمعسكرات الاعتقال. لم تتعرف فيلدمان على ما حدث سوى من قراءتها لـ”مذكرات آن فرانك” والذي قرأتها خلسة. إن عدم قدرة الجدة على التعبير عن الألم والذي جعلها تتحمل عبء العبودية لمبادئ الحسيدية وهي أبعد ما تكون عنها، جعل فيلدمان تمسك بـ”شعلة هذه المعاناة لتبقى على قيد الحياة في قلبها”.

التعصب العالمي

“المجتمعات كلها تنحاز للتعصب في هذه الفترة إن لم يكن دينيا فسيكون سياسيا، ولم يعد من السهل العيش في مجتمع لا يتقبل الآخر باختلافاته”، هكذا تتحدث فيلدمان التي تضيف “يمكنني التعرف على مشاعر جميع من لا يملكون جذورا في هذه المدينة، أريد التعلم منهم والمشاركة معهم في البناء وبرلين تقدم لي ذلك ببساطة”.

الحسيدية طائفة يهودية متشددة تعامل المرأة بتحفظ وتجبرها على الحجاب والزواج المبكر وتمنعها من الاختلاط

لم تكن تتوقع أن تكون سعيدة ومتوازنة بعد سباحتها في الأماكن وبحثها عن مكان تنتمي إليه، لكنها سرعان ما أدركت أن منزلها غير مرتبط بمكان معين، وإنما تجده داخلها وبين جنبات روحها. لم يمنعها هذا من المشاركة بالانتخابات الاتحادية في ألمانيا بعد وجودها في برلين لأكثر من سبع سنوات تقول “إن الرغبة في اختيار ما وراء مصالحنا الحالية تقوم على ذاكرة المعاناة، وهي ذاكرة على حد سواء: شخصية وجماعية، وبسبب الظلم الذي واجهته، أنا على استعداد لاختيار من يجعل القضاء على الظلم والاستغلال أولويتهم، ليس لأنني ما زلت بحاجة إليها، ولكن لأنني أعرف من التجربة ما تعنيه الحاجة إليها”.

ذاكرة الأحداث التاريخية تحضر بقوة معها، وهي التي ترغب في أن تكون جزءا من الديمقراطية الموجودة في ألمانيا، والتي تسمح بأن تكون الحرية وحقوق الإنسان والأمن أمراً لا يستدعي التفكير فيه على أراضيها.

تتحدث فيلدمان بانبهار عن القانون الألماني الذي كان نزيهاً في الحكم النهائي ضد أحد النازيين الجدد مارسيل زيش، وتقول إن دولة مثل ألمانيا “أثبتت أنها ولي أمر موثوق به للقانون”. حيث حكمت المحكمة على زيش بأن يسجن لثمانية أشهر وذلك لرسمه وشماً على ظهره لـ”أوشفيتز” الشهير، وهو أحد أكبر معسكرات اعتقال اليهود أثناء الحرب العالمية وسبح في أحد مسابح براندنبورغ، فكان الوشم ظاهراً للجميع، مما أثار امتعاض الناس.

أوشفيتز الرهيب كان بمثابة أكبر المجمعات النازية، ويتضمن هذا المجمع ثلاثة محتشدات رئيسية تم زج المعتقلين فيها وإرغامهم على العمل الإجباري. كما تم تخصيص أحد هذه المحتشدات لفترة طويلة كمراكز للقتل. ويقع بالقرب من الحدود الألمانية البولندية في المنطقة التي استولت عليها ألمانيا النازية عام 1939 بعد اجتياح واحتلال بولندا.

تنهي ديبورا فيلدمان حديثها بتوجيه سؤال لـ”العرب”، “لماذا لا أستطيع زيارة الدول العربية بالرغم من أننا نتقاسم الكثير من الجينات والموروثات والتاريخ والجغرافيا؟”.

تطرح سؤالها وهي التي تؤمن بأن الخلافات السياسية هي نتيجة أجندات يستفاد منها سياسياً، تقول “أشعر بصلات حقيقية مع العرب أكثر منها مع الغرب الأوروبي، لدينا نفس النغمات الموسيقية والشعر، و نفس الشكل الخارجي”، وتعترف ضاحكة أنها توقفت عن صبغ شعرها، لكون جميع من يراها سرعان ما يدرك أنها يهودية.

13