ديدرو فيلسوف الحرية.. ثلاثة قرون على ميلاده

الأحد 2013/10/27
"رسائل حول العميان" تقود ديدرو إلى السجن

خلافا لمعاصريْه الكبيريْن، فولتير وروسّو، لم يحظ دنيس ديدرو (1713-1784) بشرف أن يكون في مقبرة "البانتيون" المخصّصة لعظماء فرنسا. مع ذلك هو يبدو اليوم أكثر التصاقا منهما بقضايا عصرنا الرّاهن. كما لا يزال مرجعا أساسيّا لا في المجال الفلسفي فحسب، بل في العديد من المجالات الأخرى، خصوصا الرواية حيث نوّه وينوّه كبار الروائييّن بعمله ذائع الصّيت: "جاك القدري".

وكان ديدرو قد وصف نفسه عام 1767، وهو في الرّابعة والخمسين من عمره، على النّحو التّالي: "كانت لي في يوم واحد هيئات مختلفة بحسب ما أتأثّر به. فأنا رائق المزاج، وأنا حزين، وأنا حالم، وأنا حَنُون، وأنا متّقد العواطف، وأنا متحمّس.. وكانت لي جبهة عريضة، وعينان في غاية التيقّظ، ولي ملامح بارزة، ورأس له هيئة رأس خطيب من العصور القديمة، وطيبة قلب تلامس عن قرب السّذاجة، والبساطة التي تَسمُ الأزمنة الماضية".

وفي موضع آخر تحدث عن نفسه بضمير الغائب قائلا: "لقد لقّبوه بالفيلسوف لأنّه ولد من غير طموح، ولأن له روحا نزيهة، ولأنّ الرّغبة لم تفسد أبدا اللّطافة والسّلام. بالإضافة إلى ذلك، رصين ووقور في هيئته، صارم في طبائعه وأخلاقه متقشّف وبسيط في خطابه، كان معطف الفيلسوف القديم الشيء الوحيد تقريبا الذي يُعْوزه ذلك أنه كان فقيرا وسعيدا بفقره". وأمّا الفيلسوف والكاتب الفرنسي المعاصر، رافئيل أنتهوفن فيصف ديدرو على النّحو التّالي: "لعلّه كان، مع فولتير، والماركيز دو ساد، وسقراط قبلهما، الرّجل الأكثر حرّية في زمنه. وقد جسّد ديدرو عظمة عصر الأنوار وغرابته لأنه كان المتمرّد بامتياز، وكان أيضا الفيلسوف الذي عرف أكثر من غيره كيف يطرح القدريّة كقضيّة للجدل".


نشأة ديدرو


ولد دنيس ديدرو عام 1713 في "بلدة "لانجرس" التي تحيط بها أسوار عالية، وتطلّ على مشاهد طبيعيّة خلاّبة سوف تسمح له مبكّرا بأن يتوحّد بنفسه للتأمل، والتفكير، والقراءة بعيدا عن جلبة الحياة اليوميّة.

وفي ما بعد سيتحدّث عن مسقط رأسه، وعن أهاليه قائلا: "سكّان البلدة التي فيها ولدتّ ونشأت يتمتّعون بالتفكير السّليم، وبالحيويّة، ولهم تقلّبات الدّوّارات الهوائيّة. وأعتقد أن ذلك عائد إلى تغيّر الطّقس الذي يمكن أن يتحوّل في الأربع والعشرين ساعة من بارد إلى حارّ، ومن الهدوء إلى العاصفة المطريّة، ومن الصّفاء إلى ظلمة المطر".

وكان والد دنيس ديدرو يصنع السّكاكين ويبيعها. وكان رجلا صارما وقاسيا، ومتشدّدا في تربية أطفاله. مع ذلك سوف يتحدّث ديدرو في ما بعد عن البعض من الفضائل التي ورثها عن والده. أما والدته التي توفيّت عام 1748، فتبدو سيّدة راضخة لسلطة زوجها القويّ الوقور. وفي عام 1728 حصل ديدرو على جائزة ترجمة الشعر اللاتيني، فكان ذلك حدثا كبيرا بالنسبة إليه ولعائلته.

وعندما عاد إلى البيت محمّلا بجائزته، أجهش الوالد بالبكاء.. في السّنة التّاليّة انتقلت العائلة لتستقرّ في باريس. وبسبب انصرافه إلى اللّهو، واستخفافه بالدراسة، قطع الوالد عن إبنه المساعدة الماديّة التي كان يتمتّع بها. لذلك سيضطرّ إلى احتراف مهن مختلفة بهدف كسب قوته. فكان معلّما للرياضيّات، وكان مترجما، وصحافيّا.

في عام 1741 تزوّج ديدرو من امرأة جميلة تدعى آن - توانيت شومبيون. غير أن ذلك الزّواج المتسرّع لم يَرُقْ لوالده المتمسّك بالتّقاليد فحبس ابنه في دير في مسقط رأسه، غير أنه تمكّن من الفرار منه: "ألقيت بنفسي من النافذة في اللّيلة الفاصلة بين الأحد والإثنين. وكان عليّ أن أقطع مسافة طويلة لكي أصل إلى محطّة العربات في "ترويس" ومن هناك انطلقت إلى باريس".


أنسكلوبيديا ديدرو


وبعد أن أنجز العديد من الترجمات لأعمال قديمة في مجالات مختلفة، انشغل ديدرو بتأليف كتاب حمل عنوان: "أفكار فلسفيّة". وعند صدوره، أدانه البرلمان بشدّة، وقام غاضبون بتمزيقه وحرقه في السّاحات العامّة باعتباره "مناف للدّين والأخلاق الحميدة". مع ذلك واصل ديدرو العمل بثبات ليُتْممَ كتابا آخر سمّاه "جولة متشكّك"، وفيه أبرز موهبته العالية في المجال الروائي، والتي سوف تتجلّى بشكل رائع في "جاك القدري". وفي ذلك الكتاب الذي لن يصدر إلاّ عقب وفاته، هاجم ديدرو الكنيسة المسيحيّة، ومشيدا بالفلسفة المادية المتحرّرة من الأوهام، ومن الأساطير الدينيّة التي تحجب الواقع وتعمي البصائر. وفي عام 1747 تعرّف على جان جاك روسو الذي يكبره بسنة واحدة، ومعه ومع ألامبير والمكتبيّ لوبروتون وآخرين، شرع في إنجاز مشروع عظيم يتمثل في "الأنسكلوبيديا"، والذي سوف يستغرق منه عشرين عاما من العمل المضني، الشّبيه بـ"عمل المحكوم بالأشغال الشّاقّة المؤبّدة".

وكان الأنسكلوبيديا: بمثابة مغامرة فكريّة. وقد تضمّن 3500 مقال في مختلف مجالات معارف القرنين السادس عشر والثّامن عشر، وعلى محاضر ضبط لأعمال مفكّري عصر الأنوار وفلاسفته. وعندما تخلّى صديقه ألامبير عن العمل معه، واصل ديدرو الانشغال بـ"الأنسكلوبيديا" وحيدا، وفي شبه سريّة خشية تهديدات السّلطات السياسيّة والدينيّة. وفي مؤّلّفه "رسالة حول العميان" الذي أصدره مطلع صيف 1749 دافع ديدرو عن فلسفته الماديّة مجاهرا بإلحاده: "ليس مهمّا على الإطلاق أن نؤمن باللّه أو لا نؤمن به. الملاحدة يقولون إن كلّ شيء ضرورة، وبحسبهم إذا ما ألحق بهم أحد أذى فإنّه لا يفعل ذلك بحريّة أكثر من آجرّة تنفصل عن الجدار، وتسقط على رؤوسهم. غير أنهم لا يخلطون أبدا الأسباب ببعضها البعض. ولا تغيظهم أبدا إساءة الآجرّة".


مسجون "رسائل حول العميان"


وسبب كتاب "رسائل حول العميان"، قامت الشّرطة باقتحام شقّة ديدرو لتفتيشها، ثم قادته إلى السّجن ليظلّ فيه حتى شهر نوفمير من العام المذكور. وبعد إطلاق سراحه، أصدر كتابا آخر بعنوان "رسالة حول البكم والصّم". وبعد أن اطّلعت على مؤلّفاته، وعلى أجزاء من "الأنسكلوبيديا" قرّرت كاترين الثّانية ملكة روسيا شراء مكتبة ديدرو، وخصّصت له راتبا شهريّا، ثمّ دعته لزيارة سانت -بطرسبورغ، ففعل ذلك عام1773. وكانت تلك أوّل رحلة يقوم بها خارج فرنسا إذ أنه، خلافا لفولتير وروسو، كان يمقت الأسفار. ومرّة كتب يقول: "الإنسان الميّال إلى التّفكير والتأمّل حضريّ بطبعه. أمّا المترحّل فجاهل وكذّاب".

وفي كتابات أخرى أشار ديدرو إلى أنّ الفلاسفة البورجوازيّين يحتقرون "هذا الرّهط من المترحّلين المتوحّشين، وهؤلاء الذين يجوبون أصقاعا كثيرة وينتهون بعدم الانتساب إلى أيّ أحد منها، والذين يضاجعون النساء في الأمكنة التي يعبرونها ولا هدف لهم من ذلك غير إرضاء حاجاتهم الحيوانيّة". وفي طريقه إلى سانت -بطرسبورغ مرّ ديدرو بهولندا حيث زار المتاحف في لاهاي، والتقى بمفكّرين كانوا يكنّون له تقديرا كبيرا.


الفيلسوف في ضيافة الملكة الروسية


كما مرّ بديسولدورف ولايبتزيخ ودرسن. وعند وصوله إلى موسكو كان "شبه ميّت" من الإرهاق والتّعب. وقد خصّته كاترين الثّانية باستقبال بديع. وفي كلّ يوم كانت تختلي به في قصرها الفخم لتتبادل معه الحديث حول قضايا فلسفيّة وسياسيّة كانت تشغل بالها. وكانت تعامله بودّ كبير.

ومرّة قالت لأحد المرافقين له: "ديدروكم هذا شخص خارق للعادة.. وأنا لا أنهي حوارا معه إلاّ وأكون قد أحسست بأن ساقيّ انتفختا واسودّتا من فرط الإرهاق". وأمام طلبة أكاديميّة العلوم وأساتذتها تحدّث ديدرو عن سيبيريا ليكشف لمستمعيه سعَة اطّلاعه، بل إنه سعى إلى تعلّم اللّغة الرّوسيّة. وقبل أن يعود إلى باريس، أمضى ديدرو نصف سنة في هولندا. ومن وحي إقامته في ذلك البلد الذي أحبّه كثيرا، ألّف كتابا سمّاه "رحلة إلى هولندا".

وبعد أن تجاوز سنّ الستيّن، كتب ديدرو رسالة إلى أخته ليصف لها حالته الصّحيّة على النحو التّالي: ”أنا في صحّة جيّدة إلى حدّ ما، غير أنّي بدأت أشعر بوهن الشّيخوخة. كلّ أسناني ترتجّ. وعليّ أن أتناول دائما الحساء مثل الأطفال (…) ودائما تتصلّب أذني، وتتعتّم عيناي. الجزء الأكبر منّي يتلاشى، ويضمحلّ. وأنا أرى هذه الاستعدادات للرحلة الطويلة تتمّ من غير أن أنشغل بذلك كثيرا. أنصح الأشرار بأن يكونوا جزعين وقلقين. وبالنسبة إلى الأغبياء والحمقى النّزهاء أمثالي سيقال لهم إنهم حمقى وأغبياء، ثمّ لا شيء".

وفي اليوم الأخير من شهر تمّوز - يوليو 1784 توفيّ ديدرو بسكتة دماغيّة. وواصفا جنازته، كتب زوج ابنته يقول: "كان موكب الجنازة مهيبا، والذين رافقوه إلى مثواه الأخير كانوا كثيرين. وأنا فخور بأن السلطات الدينيّة من أعلى مستوى وحتّى المرشد في المرتبة الدنيا كانوا في الجنازة. وأعتقد أن الأهل في "لانجرس" سيكونون سعداء، بل وراضين عن ذلك أيضا.

11