ديسباسيتو ثورة موسيقية تفتح بابا على تاريخ التسجيلات الصوتية

أغنية ديسباسيتو الإسبانية التي حققت مشاهدات قياسية وأصبحت ظاهرة جديدة في عالم الموسيقى، دفعت العديد من الباحثين إلى دراسة تاريخ التسجيلات الصوتية والبحث عن كيفية تطورها بفضل التدخل الرقمي في توزيعها وطرق الاستماع إليها الذي كان للإنترنت الدور الفعال فيه، كشف عن مدى تفاعل البشر مع الموسيقى عبر تغلغل التكنولوجيا في حياتهم اليومية.
الاثنين 2017/07/31
تواصل مباشر مع الجمهور

لندن- دفع نجاح الأغنية الإسبانية ديسباسيتو البعض إلى دراسة تاريخ التسجيلات الموسيقية وكيف تطورت بفعل التكنولوجيا وانتقلت تدريجيا من الوولكمان إلى آيبود. وألقى هذا النجاح الباهر والسريع الأضواء على التغير الجذري في طرق استماع البشر للموسيقى التي بدأت مع الأسطوانة إلى الكاسيت مرورا بالقرص المدمج وتحميل النسخ الرقمية من الألبومات، وصولا إلى الاستماع عبر خدمات التدفق عبر الإنترنت.

ويعد جهاز فونوتوغراف الذي اختُرع سنة 1857 بواسطة المخترع الباريسي إدوارد ليون سكوت دو مارتينفيل، أول جهاز يتمكن من تسجيل الأصوات الحقيقية أثناء مرورها في الهواء (ولكن لم تكن له القدرة على تشغيلها، حيث كان الغرض منه يقتصر على الدراسة البصرية)، ثم طوره مارتينفيل وتمكن من نشر أول أسطوانة مسجلة صدرت عام 1860، وكانت تسجيلا لامرأة تغني الأغنية الفرنسية الشعبية القديمة “تحت ضوء القمر”، علما وأنه تم تشغيل الجهاز صوتيا لأول مرة سنة 2008 بمسحه ضوئيا واستخدام البرامج لتحويل الخط المتموج، الذي أدى إلى التشفير المرسوم للصوت، إلى ملف صوت رقمي.

بعد 150 عاما

ذكرت صحيفة إندبندنت البريطانية أنه قبل أغنية “تحت ضوء القمر” كان لا بد من سماع الموسيقى مباشرة، إما في قاعات الحفلات الموسيقية وإما بالحانات، وإما ربما في غرف الأوركسترا أو كوخ للشرب على البحر، مقارنة بأغنية ديسباسيتو للفنان لوي فونسي التي تفصلها عنها على الأقل، أكثر من 150 عاما، أكثر الأغاني استماعا على الإنترنت على الإطلاق، بعد ستة أشهر فقط من إصدارها.

تطور البرمجيات سهل ظهور الكثير من المواقع التي أخذ الشباب يتنقل بينها وينتقي ما بدا له من أنغام

وكان التطور التقني الكبير التالي هو اختراع قرص الغراموفون، الذي يرجع الفضل فيه بوجه عام إلى إميل بيرلاينر وتم إدخاله إلى الولايات المتحدة تجاريا سنة 1889. وكانت الأقراص أسهل في التصنيع والنقل والتخزين وكانت لها ميزة إضافية تتمثل في أن صوتها كان أعلى (نسبيا) من الأسطوانات، التي كانت بالضرورة، ذات جانب واحد. وتجاوزت مبيعات غراموفون الأسطوانة سنة 1910، وبحلول نهاية الحرب العالمية الأولى أصبح القرص هو تنسيق التسجيل التجاري المسيطر.

واخترع إيديسون، الذي كان المنتج الرئيسي للأسطوانات، مسجل أقراص إيديسون محاولا استعادة السوق. وبعد تقلبات عديدة، أصبح تنسيق القرص الصوتي الوسط الأساسي للتسجيلات الصوتية للمستهلك حتى نهاية القرن العشرين، وكان قرص شيلاك ذو الجانبين وذو الـ78 دورة في الدقيقة هو التنسيق الموسيقي القياسي للمستهلك منذ أوائل العقد الأول من القرن العشرين إلى أواخر الخمسينات منه.

ولا يكمن التطور في الأجهزة التي تنقل الأنغام إلى المستمعين فقط، بل طال سماعات الأذن أيضا التي جعلت للفرد خصوصية، فبفضل التقدم التكنولوجي في مجال سماعات الأذن لم يتخلص الأفراد من إزعاج الآخرين أثناء استماعهم للموسيقى فقط؛ بل لم يعودوا في حاجة للذهاب إلى النوادي أو الحفلات الموسيقية. كما أن تطور البرمجيات سهل ظهور الكثير من المواقع التي أخذ الشباب يتنقلون بينها وينتقون ما بدا لهم من أنغام.

ولفت الصعود الكبير لديسباسيتو الانتباه إلى النقلة الحاصلة في أساليب الاستماع إلى الموسيقى في ظل التطوّر التكنولوجي، إذ لم نعد نتحدّث عن موت الأقراص المدمجة وحلول النسخ الرقمية مكانها، لأنّ هذه المرحلة باتت أمرا واقعا منذ سنوات، بل عن اللاعب الأكبر في سوق صناعة الموسيقى اليوم وهو خدمات التدفّق عبر الإنترنت (ستريمينغ).

ووفقا لما نشرته رابطة صناعة التسجيلات الأميركية (آر أي إيه إيه) مارس الماضي، فإنه للمرّة الأولى منذ حوالي 20 عاما، حقق الاستماع إلى الموسيقى عبر الستريمينغ العائدات الأكبر في الولايات المتحدة خلال عام 2016.

عذبتوهم

تواصل العالم عبر الشبكة العنكبوتية أحدث فجوة كبيرة في طرق تفاعل البشر قديما وحديثا مع الاستماع وتذوق الموسيقى، وكمثال على ذلك ساهم الانتشار السريع لأغنية ديسباسيتو في ظهور أغنية شبابية فكاهية بعنوان “عذبتوهم”، لاقت انتشارا واسعا في أوساط مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي العرب.

واقتبست الأغنية ألحانها من الأغنية الإسبانية التي حققت نجاحا عالميا كبيرا، لكن النسخة العمانية ناقشت ارتفاع تكاليف الزواج في العالم العربي. وتفتتح الأغنية بمشهد شاب يذهب لخطبة فتاة ليتفاجأ بشروط أبيها المجحفة، إذ يطالبه بتوفير مهر عال وشقة وسيارة فارهة لقبوله عريسا.

الشبكة العنكبوتية تخلق وجها جديدا من التفاعل مع الفن

وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن نسبة اهتمام السياح بمدينة بورتوريكو زادت بنسبة 45 بالمئة منذ أن انتشرت الأغنية عالميا، ويعود الفضل إلى المشاهد والمعالم السياحية الطبيعية المميزة التي ظهرت في كليب الأغنية.

أغان بالمجان

طرح الناقد الموسيقي غريغ كوت، في الوقت الذي يبحث فيه الموسيقيون والشركات الفنية عن سبل جديدة لجذب الانتباه، سؤال ماذا يعني لو أصبحت الأغاني والموسيقى بالمجان بالنسبة إلى عشاقها؟

وكان هناك صخب كثير بين مجموعة من الفنانين من بينهم المغنية تيلور سويفت وفريق يو تو الموسيقي والمغني جارث بروكس والمغني ليجي بوب وعدة فرق موسيقية أخرى، حول اختبار نماذج جديدة للتعامل مع الأسواق التجارية.

ولا يتوفر أحد على إجابة لكيفية تعويض الفنانين في عالم التكنولوجيا الرقمية الشرس الذي خرج من قمقمه دون ضوابط منذ ظهور موقع نابستر الذي يضم الملايين من الأغاني على الإنترنت عام 1999.

وفي ظل هذه الفوضى، يبدو أن هواة الموسيقى ومحبيها هم الفائزون الوحيدون في هذا العالم الجديد، وإذا تحول الأمر على نحو أو آخر فيمكنهم تحويل الفنانين الذين يحبونهم إلى فائزين أيضا، وإذا كان النقيض، فسنعود إلى ما كنا عليه في البداية، مع ظهور مجموعة جديدة من الشركات تتولى المسؤولية.

ووفقا لموقع بي بي سي البريطاني، فإنه من وجهة نظر الفنان، يعد شعار مثل “مجانا للجميع” في اقتصاد السوق الرقمي أمرا سلبيا لخصه الباحث والموسيقي الشهير إيجي بوب في محاضرة ألقاها مؤخرا بقوله ‘إنه لو اعتمد على مبيعات الموسيقى المسجلة كمصدر للدخل لبحث عن عمل آخر يعيش منه’.

ويضيف بوب أن “الكل الآن أصبح مهربا”، ومن المفترض أنه يشمل بهذا التوصيف الكثيرين من جمهوره المحبين له، وهو لا يريد هنا مقاضاة الذين يحملون الملفات الموسيقية من مواقع الإنترنت -وهو الأمر الذي لجأت إليه صناعة الموسيقى قبل بضع سنوات وأثار سخرية شديدة- لكنه يدعو إلى ربط موسيقاه بنظام الترخيص عند التعامل مع المعلنين التجاريين حتى تتوفر له لقمة العيش على حد تعبيره.

وقد لجأ الكثير من زملائه من الطبقات المتوسطة والدنيا إلى نظام الترخيص كوسيلة ومصدر بسيط للدخل للإبقاء على أعمالهم على قيد الحياة، لكنهم ليسوا في وضع مثل وضع المغنية تيلور سويفت التي أزالت كل موسيقاها من خدمة التوزيع المعروفة باسم سبوتيفاي، بما فيها أحدث ألبوم لها بعنوان 1989.

وتقول سويفت إنها لا تريد أن تُنهب مبيعاتها، وهي غير مستعدة للإسهام بأعمالها التي تشكل معين حياة بالنسبة إليها في تجربة لا تشعر أنها قد تعوض الكتاب والمخرجين والفنانين وموزعي الموسيقى بشكل عادل.

جهاز فونوتوغراف الذي اختُرع سنة 1857 بواسطة المخترع الباريسي إدوارد ليون سكوت دو مارتينفيل، يعد أول جهاز يتمكن من تسجيل الأصوات الحقيقية أثناء مرورها في الهواء

وهذا ما صرحت به لموقع ياهو، لكنها ضخمت وجهة نظرها هذه في حديث إلى صحيفة وول ستريت جورنال، وقالت “الأشياء الثمينة يجب أن يكون لها مقابل”، وقد صدقت مقولتها واستراتيجيتها؛ إذ وصلت مبيعات ألبومها الأخير “1989” إلى مليون و300 ألف نسخة، (دون تدخل من شركة سبوتيفاي للتوزيع الموسيقي)، وكانت الأعلى في أسبوع واحد منذ عام 2002.

لكن سويفت تمثل نسبة الواحد بالمئة من المحظوظين من الفنانين أصحاب التسجيلات الموسيقية، فمثلها مثل بيونسيه وكولدبلاي، بوسعها التصرف على هذا النحو دون الحاجة إلى شركات خدمات التوزيع التجاري لتشعر الجمهور بوجودها. وباستثناء سبوتيفاي، ظهر ألبوم “1989” في كل مكان في الأسابيع السابقة على خروجه إلى الأسواق.

وقال سكوت بورشيتا رئيس شركة التسجلات الموسيقية بيغ ماشين ليبل غروب، في مقابلة إذاعية إن سويفت تحاول في الواقع إنقاذ مريديها ومحبيها من مواجهة الضغوط من جانب أقرانها، والمتمثلة إما في الاستماع مجانا على موقع سبوتيفاي إما الشراء من مكان آخر.

منافسة شرسة

ثمة نوع مشابه من هذا المنطق التجاري اقتنعت به فرقة يو تو (U 2) الغنائية، واتبعته في أحدث مناورة توزيع لها، وحصلت به على مئة مليون دولار من شركة أبل لإخراج أحدث ألبوم لها.

وأصبحت “أغاني البراءة” متاحة مجانا لمئات الملايين من مستخدمي آي تيونز، واعترض العديد منهم على غزو مكتبتهم الموسيقية، لكن فرقة يو تو حصلت على ما أرادت، وباتت أغلب مناطق العالم تعرف أحدث ألبوماتها، حتى تلك الأماكن التي لا تعبأ بذلك الفريق الرباعي الأيرلندي.

وفي خطوة جريئة مماثلة، وفي إطار استراتيجية المغني جارث برووكس لكشف النقاب عن أول ألبوم جديد له منذ ثلاثة عشر عاما، دشن موقع خدمات الموسيقى الخاص به (جوستتيونز دوت كوم) كبديل للآي تيونز وسبوتيفاي.

ويعد بروكس مثله مثل أعضاء فرقة يو تو، واحدا من فنانين قلائل على وجه كوكبنا لا يتبعون بالضرورة النظم والقواعد التي يضعها الآخرون، بل يتبعون قواعدهم الخاصة بهم. وبصفته الفنان الأميركي الأكثر مبيعا في الثلاثين سنة الأخيرة فهو يعرف تماما ما يفعله.

لكن معظم الفنانين ليسوا في وضع يؤهلهم لإبرام صفقات بعدة ملايين من الدولارات مثل بروكس، ويو تو، أو إلغاء واحدة من أبرز خدمات التوزيع مثلما فعلت سويفت.

وعند التعامل مع كبار النجوم لا يزال المشجعون والمحبون يعاملون معاملة المستهلكين، وهي شريحة يقدم لها مشاهير الفنانين أحدث إنتاجهم الموسيقي. وهذا مجرد شكل متنوع آخر لما كان عليه الوضع التجاري في القرن العشرين عندما كانت الشركات والوسطاء يسيطرون على الخط الرابط بين الفنانين ومحبيهم.

الآن يمكن للمشجعين أو المعجبين أن يصبحوا “مهربين” كما يقول بوب، لكنهم أيضا من يقومون بدور الذواقة، والمسوقين والموزعين. وتتيح لهم هواتفهم الذكية القدرة على حيازة الموسيقى بنقرة زر واحدة، بل والظهور كمتعاونين أو متواطئين أيضا مع الفرق الموسيقية المفضلة لديهم.

تحميل المستمعين لأغانيهم المفضلة مجانا يقلق الفنانين

ولا يريد الفنانون الناس لمجرد شراء منتجاتهم، بل يريدون أنصارا لهم وحلفاء. وبعد تحمل تكلفة البنية الأساسية بفعل الانتشار الداخلي لأعمالهم، تحتاج الفرق الموسيقية الصاعدة المساعدة في شتى المجالات، بدءا من التسويق، وحتى التوزيع إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ومواقع الشبكة العنكبوتية.

وقد أصبح الفنانون في حالة حوار أكثر عمقا مع معجبيهم من أي وقت مضى، بداية من أفكار تمويل الجمهور للألبومات الجديدة مثل ألبومي “رن ذا جويلز” و”أماندا بالمر”، إلى القوائم التي يحددها المعجبون مثل “ماي مورنينغ جاكت”. ولا تزال تلك العلاقة التي تقوم على المشاركة في طور الطفولة، لكنها تحمل في طياتها وعدا بتغيير قواعد اللعبة التجارية.

وقد جعلت شبكة الإنترنت المجانية والمفتوحة هذا المستقبل أمرا ملموسا، ومن ثم فلا عجب أن عددا من الشركات المتعددة الجنسيات، والتي هيمنت على عالم الموسيقى التجاري في ظل النظام القديم ذي النطاق الضيق، تفضل أن ترى هذا الوضع وقد تلاشى أو اعتراه التغيير إلى حد بعيد بغية جعل الكفة تميل لصالحها مرة اخرى.

حياد الإنترنت

ويرى العديد من أنصار حيادية الإنترنت أن الدمج المرتقب بين عملاقين من عمالقة شركات الموسيقى، “تايم ورنر كو” و”كومكاست”، يمثل تهديدا وشيكا في المستقبل القريب، لكنه ليس التهديد الوحيد.

وقد وصف مينون كلايبيرن مفوض الاتصالات الفيدرالي في الولايات المتحدة، في حديث له على نحو عام في قمة مستقبل الموسيقى في واشنطن، الإنترنت بأنها سوق للتنوع والتعدد “ليس فقط للعرق والنوع، بل للأفكار والمحتوى”.

وهذا تفسير دقيق وبليغ لمدى حساسية حرب حيادية الإنترنت، وهي التي تحمل في طياتها مستقبل العلاقة بين الفنان ومعجبيه، بل وربما تقرر إن كان الفنانون دون موقف قوي، مثل موقف فرقة يو تو، يستطيعون تحرير أنفسهم في نهاية المطاف من سيطرة الشركات التي تعمل بمنطق ادفع لتسمع.

12