ديفيد بترايوس جنرال أميركي قاد احتلال العراق وترأس السي آي إيه وسرب أسرارها

السبت 2015/09/05
جنرال استطاع أن يجعل موازين القوى الأميركية غالبة على أرض الواقع

كان مُفاجئاً للكثيرين تصريح الجنرال المتقاعد ديفيد بترايوس المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ” سي آي إيه”، مع إطلالة هذا الشهر الخريفي، عبر شبكةِ السي إن إن الأميركية، بأنَّهُ على واشنطن أن تسعى إلى ضمِّ بعض مقاتلي “جبهة النصرة” فرع تنظيم القاعدة في سوريا إلى التحالف الدولي الذي تقودُهُ الولايات المتحدّة ضدَّ الإرهاب، استثناءٌ غريبٌ قدّمَهُ بترايوس لبعض المقاتلين الذين انضووا تحت رايةِ جبهةِ النصرة، التي بايَعَت القاعدة سابقاً، واصفاً إيَّاهُم بأصحابِ الدوافِعِ الانتهازية المُتَقدِّمَةِ على القَناعات الأيديولوجيَّة، في دعوةٍ صريحة للتحالف الدولي لاستمالةِ أولئكَ المقاتلين والدفعِ بهم للالتحاق بصفوف المعارضةِ المعتدلة.

تصريحاتُ الجنرال المتقاعد المباشرة جاءَت عقبَ نشرِ موقع “دايلي بوست” ما يُفيدُ بتوصيةٍ قدَّمَها بترايوس لمسؤولين أميركيين بإمكانية الاستعانةِ بمقاتلين ومقاتلين سابقين في جبهة النصرة.

أعداء أميركا أصدقاؤها

هذه الرؤية الضبابية، ليست جديدةً على الولايات المتحدة الأميركية في مواقفها مما يحدُث في الشرق الأوسط عموماً وفي سوريا و العراق على وجه الخصوص، هنا لا بدَّ من قراءةٍ للعبارات القصيرةِ التي طرحَها بترايوس فهي تسير وفقَ خطَّين لا ثالث لهما، الأوَّل يقومُ على اختراقِ القاعدة من قبل المخابرات الأميركية، وقدرتِها على تصنيف المقاتلين المُنتَسِبين لها، والثاني يطرحُ فكرةَ الصناعة الأميركية للقاعدة والنصرة على وجهِ التحديد، في تعقيدات الملف السوري منذ دخولِهِ في العسكرة، فهل امتلَك بترايوس والإدارة الأميركية القدرة الخارقة على استطلاع ما يدور في قلب وعقل المقاتل المُنتَسِب للنصرة مثلاُ ليتمَّ تصنيفُهُ بين انتهازي أو مؤدلَج؟

في محاولة أوسع لقراءةٍ مُختلِفة للتطوُّر في الموقف الاستخباراتي الأميركي وإن أتى على لسان الجنرال المُتقاعِد، فالقضيَّةُ هنا ليست الحربَ على الإرهاب فحسب، بل ربما تتعدَّاها إلى “حرب الظل” التي تخوضُها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط عبر نظرية الجزرةِ والحمار والتي يُمكِن ملاحظتُها في مشهد العلاقات السياسية بين واشنطن وطهران المُعلَنَة والسريَّة، فصاحبُ توصية التعامل مع العناصر “الصالحين” في القاعدة مثلاً لهُ اعترافٌ واضحٌ في رسالة مؤرَّخة في أبريل من العام 2008 إلى روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي حينذاك يصفُ فيها الجنرال الإيراني قاسم سليماني بأنَّهُ “شخص شرير بحق”، مُعترفاً في رسالةٍ أخرى بذات الفترة أنَّ النفوذ الإيراني باتَ مُباشراً في الشأن السياسي العراقي.

موقف بترايوس ومن خلفه أجنحة في واشنطن من الخطر الإيراني الذي يعتبره أشد من خطر الجهاديين على أميركا، يتناقض مع ما تعمل عليه من إذكاء لروح الاقتتال الطائفي والعرقي في المنطقة العربية من خلال صمتها عن المجازر التي ترتكب منذ سنوات حتى اللحظة، ووقوفها حاملة راية الحرب على الإرهاب، دون أن تحقق حملتها أي تقدم على الأرض

لو أخذنا هذا المفصل من العام 2008 وشهادة الأميركي على انغماس سليماني في الشر، وأسقطناهُ على ما تشهدُهُ المنطقة العربية في سوريا والعراق تحديداً لوجدنا أنَّ الإدارة الأميركية تسمحُ للشرير بلعبِ الأدوارِ المُختَلِفة تحت أنظارِها، وتُعطِيهِ الأفضليَّةَ للتمدَّدِ والبقاء وفرض النفوذ.

إنَّها ليست معادلةً رياضية، بل هي المرحلةُ الأخيرةُ لجنرالٍ خدَمَ بلادَهُ سنوات طويلة قبل أن تُفرَض عليه الاستقالةُ من إدارة الرئيس باراك أوباما عقب فضيحةٍ وُصِفَت بأنَّها جنسيَّةٌ – أخلاقيَّةٌ – تمسُّ الأمن الأميركي.

ديفيد بترايوس المولود في كورونوال بمدينة نيويورك الأميركية في السابع من نوفمبر لعام 1952، لعائلةٍ هولندية أبحرت إلى الولايات المتحدة مع انطلاق الحرب العالمية الثانية، في العاصمةِ الاقتصادية للولايات المتحدة الأميركية قضى بترايوس مراحلَ حياتِهِ الأولى وسط حي كورونوال لينهي المرحلة الثانوية عام 1970 وليتَّجِهَ فوراً إلى أكاديميَّة “ويست بوينت” العسكرية الأميركية الشهيرة، ممضياً فيها أربعة أعوام، ليتخرَّجَ منها ضابطاً عام 1974 مع تميُّزِهِ خلال دراستِهِ الأكاديمية بين صفوف فريق كرة القدمِ الرياضي و فريق التزلُّج.

بهذه العقلية بدأ بترايوس حياتَهُ العملية قبل أن ينهي عام 1983 الدراسات العليا في ليفنوورث الأميركية وليتابعَ مرحلة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة برنستون بأطروحةٍ أكاديمية حمَلَت عنواناً عريضاً طرحَ فيها بترايوس الدروس المستفادة للجيش الأميركي من فيتنام، دراسةُ التأثير العسكري واستخدام القوَّة في مرحلةِ ما بعد الحرب، أيضاً هذا العنوان يشي بكثيرٍ من شخصية ضابط الاستخبارات لاحقاً في إيمانِه العميق بضرورةِ الاحتفاظ بالأذرع الاستخباراتية لصناعة القوة دون التورُّط في الحلول العسكرية.

منذ منتصف التسعينات في القرن الماضي بدأ نجم الضابط المسلَّح بالعلم الأكاديمي بالبزوغ سواء في المحافل العسكرية الأميركية أو في الدوائر العالمية، ليشغلَ بترايوس مناصبَ متعدِّدة كثيرة أثبتَ من خلالَها قدرتهُ على خدمةِ مصالح واشنطن في القارة الأوروبية فترةَ الحرب الباردة، وفي أميركا وهاييتي ثمَّ في البوسنة والهرسك والكويت والعراق وأفغانستان.

ربما كانت صورة الجنرال بترايوس في بدلتِهِ العسكرية، قد دخلَت إلى الإعلام العربي بصورةٍ شبه يوميَّة عقب الاحتلال الأميركي حين كان قائداً للفرقة 101 المحمولة جوَّاً في قوات التحالف والتي تمركزَت مهمَّتُها في السيطرة على الموصل فورَ سقوط نظام الرئيس صدام حسين، ليتسلَّم مع بداية العام 2004 إدارةَ منطقة نينوى متَّخذاً من الموصِل مقرَّاً له.

غادِرَ العراق مع انتهاء مهمَّتِهِ وعاد في حركةِ الإطاحات ببعضِ القيادات الأميركية من قبلِ إدارة البيت الأبيض قائداً للقوات متعدِّدة الجنسيات في العراق خلفاً للجنرال جورج كيسي في الخامس والعشرين من يناير العام 2007، وفي هذا السياق تقول التسريبات عن ترشيحِهِ لهذا المنصب أنهُ كانَ أحد أهم مهندسي الخطة الجديدة لإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش لإنقاذ القوات في العراق والتي تقضي بإرسال أكثر من 20 ألف جندي إضافي إلى العاصمة بغداد لمواجهةِ الأخطار التي تحيط بها ذلكَ الوقت، إضافةً إلى دورِهِ في الإشراف على التحسينات في خطط إعداد وحدات الجيش الأميركي لنشرِهِا في العراق و أفغانستان، فضلاً عن سعيِهِ الدائم لتوحيد الجهود وتوجيهها لتطبيق مفاهيم مكافحة الإرهاب.

طلب أوباما من بترايوس الاستقالة يتعلق بالأسرار التي تمس الأمن القومي الأميركي، والتي سربها بترايوس بطريقة ما، وتكتم عليها البيت الأبيض، وليس فقط فضيحة علاقته الحميمة مع الكاتبة بولا برودويل وافتضاح أمرهما في العام 2010

بترايوس والقاعدة في كابل

في الشهر السابع من عام 2010 انتقلَ الجنرال باتريوس إلى ميدان جديد في قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان، حيثُ لعبَ دوراً كبيراً في تطويق حركة طالبان وإخماد جذوتِها من خلال تطوير قوات الأمن الأفغانية ونقل المهمات لها، ومع انتهاء مهمّتِهِ بأفول عام 2011 في أفغانستان ختَم مسيرتَهُ مع الجيش الأميركي منتَقِلاً إلى وكالةِ المخابرات المركزية “سي آي إيه”، فخلال ترؤُّسه لجهاز الاستخبارات قامَ بإنجازاتٍ هامَّة، كان أهمُّها إطلاقُهُ خطَةً استراتيجية شاملة لتكثيف جهود الوكالة في أنحاء العالم كافَّة من خلال زيادةِ رأسِ مالِها البشري بالدرجة الأولى والاستثمار فيهِ من خلال ضخ الطاقات الجديدة.

الرجل الذي عاش عقود حياتِهِ مُلتزماً بالزي العسكري فجأةً وجد نفسَهُ خارج سلك الجيش مُرتَدياً ربطةَ عنق وبدلةً مدنية في جهاز الاستخبارات، هنا حاولَ باتريوس أن يعيش حياتَهُ المدنية الجديدة بكل تفاصيلِها، فأرسلَ القدرُ في طريقِهِ الكاتبة بولا برودويل التي تولَّت مهمَّةَ كتابةَ سيرته الذاتية، فرافقتهُ لعامٍ كامل في أماكنَ متفرِّقة، تلكَ الفترةُ كشفَت سرَّ ارتباطِ بترايوس بعلاقةٍ غير شرعيَّةٍ مع الكاتبة، تداعيات هذا الملف واختراقُ الجنرال لمؤسسة الزواج وهو المرتبطُ بابنةِ جنرالٍ متقاعد، فضلاً عن قيامِهِ بتمرير معلوماتٍ تمسُّ الأمن القومي الأميركي، دفعتهُ إلى الاستقالة والخروج من دائرةِ أضواء السلطة، حيثُ قبل الرئيس باراك أوباما استقالةَ بترايوس في عام 2012.

علاقة بترايوس بالراديكاليين

الجنرال الذي وصل إلى منتصف عقدِه السادس، استطاع أن يجعل موازين القوى الأميركية غالبة على أرض الواقع بحنكتِهِ العسكرية وقدرتِه على المناورة، تصريحهُ الأخير يُثيرُ كثيراً من التساؤلات عن الدور الأميركي وعلاقته مع الحركات الراديكالية، خاصةً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنَّ “أبو بكر البغدادي” قائد تنظيم دولة العراق والشام كان مُعتَقَلاً في سجنِ بوكا جنوبي العراق خلال تواجد بترايوس على رأس عملِهِ في مُدُن بلاد الرافدين، وهنا يُطرَحُ السؤالُ عن صناعتِهِ الأميركية في ظلِّ الدعوات الحادَّة للفرز بين مقاتلي النصرة و استقطابِ بعضِهِم.

لا بدَّ من الأخذ بعين الاعتبار موقف بترايوس من الخطر الإيراني الذي يعتبرهُ أشدَّ من خطر الجهاديين على الولايات المتحدة الأميركية، فواشنطُن تعملُ بجد -لإذكاء روح الاقتتال الطائفي و العرقي- في المنطقة العربية من خلال صمتِها عن المجازر التي تُرتَكَبُ منذ سنوات حتى اللحظة، ووقوفِها حاملةً رايةَ الحربِ على الإرهاب، هذه الحربُ التي عجزَت عن إيجادِ منطقةٍ آمنةٍ لآلاف البشر المُشرَّدين على أبواب أوطانِهم في سوريا والعراق على حدٍّ سواء.

الجنرال بترايوس صاحب توصية التعامل مع العناصر (الصالحين) في القاعدة، يشهد له تاريخه باعترافه الواضح في رسالة مؤرخة في أبريل من عام 2008 إلى روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي حينذاك يصف فيها الجنرال الإيراني قاسم سليماني بأنه (شخص شرير بحق)، معترفا في رسالة أخرى في الوقت ذاته بأن النفوذ الإيراني بات مباشرا في الشأن السياسي العراقي

معادلةٌ تُضافُ إلى قائمةٍ طويلةٍ تُشعِرُ من يواجِهُها بالإرباك أمام السياسة الأميركية في المنطقة، هذه السياسة التي سارت على مِحوَرَين دوماً، بآلتِها العسكرية وذراعِها الاستخباراتي، الآلةُ العسكريةُ أثبتت فشلَها في العراق وفي تراجُعِ إدارة أوباما عن الضربةِ العسكرية عقب استخدام الأسد للسلاح الكيميائي في الغوطة الدمشقية.

بينما ظلَت الذراعُ الاستخباراتيَّة تنشرُ أهوالَ الخوفِ من القادمين بالرايات السود لسحقِ الحاضر والتاريخ معاً، وأمام كلِّ هذا المشهد تزرعُ بارقةَ أملٍ مفقودة الرؤيا بإمكانيَةِ استقطاب حلفاء من تنظيمٍ وضعتهُ

الولاياتُ المتحدة الأميركية على رأس قائمةِ الإرهاب ووُصِفَ مُنتسِبوه بالإرهابيين مبكراً.

مشهدٌ يطل عليه بترايوس، بعد أن غادره مقرّاً بذنبِهِ الأخلاقي ليواجِهَ عقوبة السجن لمدَة عامَين، عقوبةُ تم إيقاف تنفيذها في ظلِ ارتباكِ الإدارةِ الأميركية أمام كلِّ الملفات المطروحةِ أمامها، مشهدٌ يجمع بترايوس والظلاميين الذين حاربَهُم طيلةَ انخراطِهِ في الجيش والمخابرات، وجعلهم يعيثون فساداً في الشرقِ والغرب.

12