ديفيد ديميكيلي فنان التلاعب بالحدود بين الواقعي والفوتوغرافي

تشكيلي أميركي يحوّل اللوحة المسطحة إلى وهم جولة في الفضاء، ومعرضه في متحف القصر الكبير الباريسي يؤكد أن الصور ليست قابلة للتصديق دائما.
الاثنين 2018/09/03
وهم الواقع

زاول الفنان الأميركي ديفيد ديميكيلي دروس الفنون التشكيلية في جامعة كاليفورينا ببركلي وسانتا كروز ثم بجامعة لونغ بيتش. بدأ مساره الفني بإقامة معارض في بعض المدن الأميركية الكبرى مثل لوس أنجلس ونيويورك وسان فرانسيسكو، تحمل كلها عنوانا واحدا على الدوام “شبه توثيق”، يقترح فيها أعمالا تجمع ملامح من التصوير الفوتوغرافي والرسم والفن التشكيلي والنحت والتنصيب، على درجة فنية عالية، ما يجعل المشاهد يعتقد أنها صور فوتوغرافية لأعمال عملاقة، والحال أنها مشروع خيالي يوهم بالواقعية.

وديميكيلي مولع بخلق فضاءات خيالية تقوم على الالتباس والوقوف من الأثر بين البينين، بفضل صور عن الأشكال المنحوتة تعتمد على الإقناع البصري؛ مثلما هو مولع بالفن المعماري، يعشق هندسة المعارض والمتاحف الكبيرة الحجم.

وتتبدى تلك الأعمال الفوتوغرافية لأول وهلة كمخططات لأنصاب تحتل أحد الأروقة، ويتهيأ صاحبها لتحويلها أو تثبيتها على عين المكان، فإذا ما أمعن الزائر النظر اتضح له أنها نسخ لأعمال منجزة في مكان ثان، وأوهام تخدع بصره، فهي في الأصل أشبه بديوراما مصغرة دقيقة الصنع، اعتاد ديميكيلي إنجازها في ورشته بألتادينا قرب لوس أنجلس، كي يتحرّر من كل ما يمكن أن يحول دون تجسيد مشاريعه على أرض الواقع، كالفضاء والنفقات واللوجستيك.. ثم يتولى تصويرها وإخراجها باستعمال التقنيات الحديثة، ولا يدوم عمرها طويلا، إذ عادة ما يتلفها ليمر إلى إنجازات أخرى.

واستفاد ديميكيلي من تجارب من سبقه أمثال روبرت إرفين، ورتشارد سيرّا، وجيمس تورّيل، وغوردون ماتّا كلارك، وروبرت سميثسون، أولئك الذين تحدّوا التعريفات والظروف ووسائل التجربة الفنية، في مرحلة لم تكن فيها إمكانات التجديد في الفنون البصرية رهينة ملايين الدولارات، وهوس النجومية في الفن، وكثرة المتبارين في ميدان يشهد تنافسا محموما، علاوة على قلق ما بعد الحداثة.

وقد استلهم ديميكيلي مقصوصاته المقوسة الموضوعة على أرضية في شكل مرآة من “رصيف المراكب الصغيرة” لسميثسون؛ وأكداس نثار الإسفلت وبلورات الملح من أعمال باري ليفا؛ والمنحوتات الصغيرة البيضاء والسوداء من آثار توني سميث، ودونالد جود، وروبرت إرفين؛ والتعبيرية التجريدية من هانس هوفمان الذي كان يحرص على تمثل الفضاء التصويري العميق بواسطة الشكل الخالص والتصرف في الألوان.

كما أن الأدوات الصناعية كأنابيب المطاط وعُصيات البلاستيك تحيل إلى جماليات رواد النحت في الولايات المتحدة أمثال روبرت موريس وإيفا هيسه ودان فلافان.

ديميكيلي يقترح أعمالا تجمع ملامح من التصوير الفوتوغرافي والفن التشكيلي والنحت والتنصيب، على درجة فنية عالية
 

وينجم عن رؤية تلك البنيات إيهام ماهر بأنها أنصاب حقيقية داخل أروقة فنون شاسعة، تتبدى في أرجائها في شكل لوالب عملاقة ومجسّات أخطبوطية معلَّقة أو مسنَدة إلى جدران تحت حشد من الأضواء.

تلك الأعمال، سواء ما كان منها منحوتاتٍ صغيرة الحجم أو أشكالا عضوية سريالية، تأخذ مكانها داخل لوحات صغرى منذورة بدورها إلى مصير فوتوغرافي هو الغاية والقصد في مسعى ديميكيلي.

وهو إذ يضع لوحات زيتية صغرى ذات ألوان متعددة تحت زوايا مختلفة وفي تشكيلات متداخلة تراعي عند عمليات التركيب النهائية ألعاب الضوء والظل والأفق المنظوري، يستطيع أن يحوّل عناصر لوحة مسطحة إلى وهم جولة في الفضاء، مثلما يستطيع تعبئة جدران موديل على طريقة جاكسون بولوك بقطرات جذابة، ومع ذلك، فهو قادر أيضا على خلق تعبيرات أكثر ذاتية باستعمال لفائف دهنٍ سميكةٍ كثيرةِ العقد كأداة تصويرية في صميم منجزاته.

واختيار ديميكيلي هذا النوع من الفن ليس متأتيا فقط من رغبته في الإضافة والتميّز، وإنما أيضا من افتقاره إلى الموارد التي تتطلبها أعمال في ضخامة مبتكرات جيف كونس مثلا، وتناقص إمكانات الأروقة والمتاحف التي غالبا ما تحتضن مشاهير الفنانين، وميل المشاهدين المتنامي إلى الافتراضي والرقمي.

وبدل انتهاج مسار تقليدي، فضّل تحقيق ما يطمح إليه من أعمال ضخمة تعم الفضاءات عن طريق هذه التقنية التي تزاوج بين الخلق وتعدد وسائط الميديا، فهو يعمد إلى صياغتها بيديه في شكل ديوراما دقيقة الصنع صغيرة الحجم، ثم يحوّلها إلى صور رقمية، فيبلغ بذلك “العظمة” التي يحلم بها.

ولعل ما يجعل معرض ديميكيلي المقام حاليا في متحف القصر الكبير الباريسي محببا إلى النفس ذلك اللبس الذي يعتري الزائر، وتلك الحيرة في تحديد ماهية العمل الفني المقترح، ما يؤكد رغبة الفرد في تصديق “حقيقة” صور ليست دائما قابلة للتصديق، فهو إذ يسير على خطى روبرت سميثسون في إلغاء الحواجز بين النحت والرسم والتصوير، يتلاعب هو أيضا بالحدود بين الواقعي والفوتوغرافي، بشكل يخدع الحواس.

يقول ديميكيلي “ثمة فكرة أساسية للخداع في كل مؤسسة، فالجهاز المسرحي، الذي لا يتجمد أبدا كمحاكاة ساخرة، يشجع على النظر النقدي في طبيعة الأداة الوحيدة أو الأصلية ومختلف الأوجه التي نعيش بواسطتها الفن المعاصر”.

14