ديفيد فروست سقط في آخر حياته في فخ "الجزيرة"

السبت 2013/09/07
محاور شهير سعى لتسويغ قبوله العمل في القناة القطرية

لندن- لا أحد بامكانه أن يعطينا سببا مقنعا لسقوط الإعلامي الراحل ديفيد فروست في فخ "الجزيرة" غير المال وحده! فما أغدق عليه كان أكبر من أن يرفض، لكن السؤال الهادئ مع النفس عندما يوجهه إعلامي بقامة فروست لنفسه، "هل حقا أنه بحاجة لمثل هذا المال؟" قطعا سيكون الجواب كلا صارمة. ماذا تفعل الأموال لرجل في السبعينات من عمره عاش نصفه غارقا بالمجد والمال؟

ديفيد فروست الذي رحل عن عالمنا هذا الأسبوع بسكتة قلبية عن عمر ناهز الـ74 عاما، سقط في فخ قناة الجزيرة في آخر سنوات عمره، عندما قبل العمل في قناتها الإنكليزية بعقد مغر، فيما تساقط على كاهله سيل من النقد، هو الذي اشتهر في "بي بي سي" في زمن مختلف وحاور الزعماء بلا تردد، وكتب أكثر من كتاب، وتحرك في أكثر من اتجاه، كان ينطبق عليه مقولة "الصحفي يرى بأكثر من عين ويسمع بأكثر من أذن ويتحرك بأكثر من قدم" إلا في سنواته الأخيرة التي عاشها في أروقة قناة "الجزيرة- إنكليزي". وليس كما الإعلامي تيد كوبيل مثلا الذي رفض العمل في مكتب الجزيرة إنترناشونال بواشنطن، وقال إنه فكر حوالي 38 ثانية قبل أن يرفض العرض.

أما مبرّرات فروست لقبوله العمل بالجزيرة فلم تكن بمستوى الكم الهائل من التجارب التي مر بها، فعندما سئل عن التحاقه بهذه القناة التي لا تخفي أجندتها السياسية وليس الإعلامية، بصفته أحد صحفيي التلفزيون المرموقين في بريطانيا العظمى، ولماذا قرر أن يقبل العمل كمحاور ومقدم برامج في مؤسسة مشحونة بالتناقضات مثل الجزيرة إنترناشونال، لم يجب بغير "إن الجزيرة إنترناشونال منفصلة تماما عن الجزيرة العربية"، وعندما أعيد قوس السؤال عليه أن القناتين مملوكتين لأمير قطر، قال "إن صاحبهما هو نفسه بالتأكيد، إنه شخص ليبرالي جدا ولديه أصدقاء في الإدارة الأميركية يحاولون بلا شك إقناعه بأن يخفف من لهجة الجزيرة العربية".

وسوغ ذلك بقوله "نحن في الغرب، وخلال عدة سنين، نذيع وجهات نظرنا للمناطق غير الغربية من العالم. ومن العدل فقط أن تكون هناك فرصة لهذه المناطق في أن ترّد التحية".

وعندما أطلق السؤال المريع أمامه عن كون قناة الجزيرة المنفذ الأول لبث أشرطة تنظيم القاعدة، فلم يرد بغير هذه الكلمات "عندما فاتحوني في الأمر، كان السؤال الوحيد الذي سألته هنا في لندن هوعما إذا كانت لدى المحطة أية علاقات مع القاعدة. لقد سألت أناسا في الحكومة قالوا لي بعدم وجود أي شيء. وبالمناسبة، إن ذلك الأمر حول قطع الرؤوس هو غير صحيح، فإنهم لا يعرضون قطع الرؤوس أبدا".

وحاول المحاور أن يستدرجه أكثر آنذاك وقبل مقتل أسامة بن لادن عندما أقترح بأن يأخذه أحدهم في جولة طويلة جدا لمقابلة أسامة بن لادن، فأجاب فروست "لقد فكرت بذلك في بعض الأوقات ويستهويني أن أقول لا، لأن واجب الفرد كمواطن هو أن يلقي القبض على أسامة وغالبا ما يكون من المستحيل فعل ذلك. ففي مقدورك أن تدخل، ولكن سوف لن تخرج منها أبدا على الأغلب".

فضيحة ووترغيت
مع خبر رحيل ديفيد فروست، استعيدت أجواء فضيحة ووترغيت بكل تفاصيلها بعد أكثر من نصف قرن على وقوعها، والاستعادة متأتية من الدور الصحفي الذي لعبه فروست خلال استجواب الرئيس الأميركي الأسبق نيكسون، أثناء المقابلة التي كانت الأكثر طلبا آنذاك.

وقد استقال نيكسون من منصبه في عام 1974 قبل أن تتاح الفرصة للكونغرس للتصويت على قرار بسحب الثقة منه، وكان بذلك أول رئيس أميركي يتنحى عن السلطة في تاريخ الولايات المتحدة.

وكان من المحتمل أن يظل نيكسون في منصب الرئاسة ما لم تقم صحيفة واشنطن بوست بتجاوز القواعد الصحفية، فيما كشفت عنه من صلات مباشرة للبيت الأبيض بالسرقة وغيرها من الآثام والحيل السياسية القذرة.

وقد استعان مندوبا الصحيفة بوب وودوارد و كارل بيرنشتين بمصدر لم يفصحا عن هويته مطلقا وإن كانا قد أسمياه في مرحلة تالية "الحنجرة الغامضة"، للكشف عن الدراما التي خلبت العقول لرئيس مولع بالسيطرة والسلطة تجاوز القانون والقواعد الأخلاقية التي ينبغي التحلي بها.

وجاء حوار فروست مع نيكسون وكأنه استجابة لفضول الجمهور لمعرفة الأوجه المخفية للفضيحة، وعندما سئل فروست فيما بعد عما إذا كان ثمة شيء ما آسف عليه ولم يسأله لنيكسون أثناء مقابلتك الشهيرة في سنة 1977 بعد استقالته؟

فأجاب "لقد قمنا بالمقابلة خلال 12 يوما. بعد انتهاء كل شيء لاحظنا بأننا نسينا في الحقيقة سؤالا واحدا: مَنْ كان الحنجرة العميقة (Deep Throat)؟".

وحين أحرج بسؤال آخر افتراضي على هيئة "ما الذي كان نيكسون سيعتقده حول قبوله العمل مع قناة الجزيرة؟".

قال "إنه كان سيتفهم بالطبع لماذا وجدت ذلك تحديا وذلك لإيمانه بقوة التلفزيون. أتذكر خلال المقابلات معه آنذاك أن الرئيس كارتر كان يواصل خطابه في ليلة ما من المكتب في البيت الأبيض. وعلق نيكسون ذلك صحيح، ذلك صحيح. ذلك ما يهم… ذلك الصمام الإلكتروني".

وخلال الحوار التلفزيوني مع ديفيد فروست، تناول نيكسون القضية وأقر بأن من أكثر ما يبعث على الأسى في نفسه فيما يتعلق بفضيحة ووترغيت هو ما خلفته من أثر منفر على الشباب "المثالي" الذين يأملون في إحداث تحول داخل المجتمع من خلال العمل في الحكومة.

وكان لفضيحة ووترغيت تأثير إيجابي من نواح عديدة على تطور الحياة السياسية الأميركية، حيث أحدثت ما يرى البعض فيه حدا من السلطات التنفيذية كان قد طال انتظاره.

ولكن من ناحية أخرى، فإن الرأي العام الأميركي لم ينس مطلقا ما أقدم عليه نيكسون من إساءة لاستخدام السلطة.

لقد بذرت ووترغيت بذور الشك والريبة في حكومة ضخمة مما أعاق الكثيرين عن العمل في الحكومة، وقللت اهتمام آخرين بالمشاركة ولو في أدني صورها في عمليات الاقتراع.

أما رأيه حول مساندة مقابلات مع قادة حماس؟ فقال "في الجانب السطحي من الأمر، يبدو هذا الفوز كضربة لأي أمل حول الحوار القائم في الشرق الأوسط. وفي الجانب الآخر، وإذا ما حاولت أن تكون متفائلا، فسيكون بإمكانك القول بأن الناس الذين هم في مراكز متطرفة يقدمون أحيانا تنازلا أكثر مما يقدمه أناس من المراكز غير المتطرفة".

فهل كانت آراء ديفيد فروست حول القاعدة وأسامة بن لادن وحماس، مواربة ومخاتلة من أجل تسويغ قبوله العمل في قناة الجزيرة؟ يبدو الأمر أوضح بكثير من مجرد كلمة "نعم" وفروست كان يقدم برنامجه على القناة القطرية "فروست حول العالم".

الرحيل بأزمة قلبية


مهما يكن من أمر فالأوساط الإعلامية البريطانية والعالمية فقدت ديفيد فروست إثر أزمة قلبية عن عمر ناهز الـ74 عاما، كان فيها الأشهر على شاشة التلفزيون. وقال بيان أصدرته عائلة فروست إنه "توفي بعد إصابته بأزمة قلبية بينما كان على متن سفينة سياحية". وقدم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون تعازيه إلى أسرة الراحل عبر تغريدة على موقع "تويتر"، فيما خصصت وسائل الإعلام البريطانية مساحة في نشراتها لخبر رحيل فروست.

ويُعتبر فروست من أشهر مقدمي البرامج التلفزيونية في بريطانيا والشخص الوحيد الذي حاور آخر سبعة رؤساء للولايات المتحدة، إضافة إلى غالبية رؤساء الحكومات البريطانية من معاصريه، وعدد من زعماء العالم من بينهم انديرا غاندي. وكان يقدم برنامجاً أسبوعياً يحمل إسمه في القناة التلفزيونية الأولى بهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، قبل أن ينضم مؤخراً إلى قناة الجزيرة الإنكليزية.

وقام فروست باستجواب الرئيس الأميركي الأسبق، ريتشارد نيكسون، بعد فضحية (ووترغيت)، خلال مقابلة تلفزيونية استقطبت أكبر عدد من المشاهدين في العالم في ذلك الوقت. وألف المذيع والصحافي والكاتب البريطاني الراحل 15 كتاباً وأنتج 8 أفلام ونال عدة جوائز مرموقة عن برامجه التلفزيونية وأعماله، كما حصل على وسام الإمبراطورية البريطانية ولقب (سير).

تقول بارني جونز التي شاركته العمل في "بي بي سي" لعشر سنوات "لقد كان فروست محبا لتقديم البرامج وقام بذلك لأكثر من أربعين عاما، كما كان يتطلع لتقديم المزيد مثل مقابلة كان من المفترض أن يديرها مع رئيس الوزراء البريطاني قبل رحيله". ولد ديفيد فروست في 7 أبريل 1939، لعائلة من أصل هوغونوتيون وينتمي إلى الطائفة الميثودية، والده القس دبليو.جي. بارادين فروست. درس في جامعة كامبريدج حيث التقى عددا من فناني الكوميديا لاحقا مثل بيتر كوك، غراهام شابمان وجون بيرد.

أثناء دراسته الجامعية، رأس تحرير صحيفة اسكواش الطلابية، ومجلة غرانتا الأدبية التي تعد قائمة بأفضل الكتاب الشباب كل عشرين عاما والتبشير بهم كأدباء للمستقبل. كما كان سكرتيرا لنادي أضواء المسرح الشهير، بعد أن ترك الجامعة عمل متدربا في اسشيوييتد ريديفيشون وموظفا في محطة تلفزيون أنجليا. يعرفه مكتب "متحدثو الشرق الأوسط" البريطاني بـ"المذيع الأسطوري" لأنه الشخص الوحيد الذي قابل ستة رؤساء للولايات المتحدة الأميركية، وآخر ستة رؤساء وزراء المملكة المتحدة.

15