ديفيد لاندس هناك ثقافات سامة تعيق الذين يتمسكون بها

الأحد 2016/11/13
مؤرخ أميركي يقرأ مستقبل وشيفرات السلالات

باريس - قرر العالم، متمثلاً بحوالي خمسين شخص من كبار الناخبين الأميركيين، أن يضع كل بيضه في سلة دونالد ترامب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية. الفارق بين المرشحة هيلاري كلينتون والفائز ترامب على المستوى الشعبي يقع في صالح السيدة، وعلى مستوى النخبة فإن خمسين ناخباً كبيراً سجلوا الفرق في سلة السيد.

كم يبدو المشهد مثيرا للجدل، هل بات عامة الناس أكثر إدراكاً للخطر من النخبة المُنتخبة من عامة الناس لتختار ما ينفع “الأمة الأميركية”؟

رئيس جديد من عالم المال والتجارة، لا يملك معرفة بالسياسة. عفوي كالأطفال يضرب ويشتم ويذم ويمدح بلا رقيب ولا قيد. استيقظ العالم على موجة الجنون هذه مختطفين بالصدمة. لكن لماذا هذا الجنون؟ من أين جاء؟ ما هي الضرورة؟ ما هي الصيرورة التاريخية وراء المشهد؟ ما شأن العالم بما يجري هناك؟ أليس هذا شأن أميركي بحت؟ سيد العالم اليوم مثله كمثل سيدة العالم سابقاً؛ ملكة بريطانيا التي كانت تقود الأرض من قصرها الرتيب. المُلك لمن يحكم الأرض. المُلك لصاحب الخزانة الأكبر في الأرض. المُلك لصاحب الثقافة الأنسب؟ فهل هذا صحيح دوماً؟

ثقافة الحروب والثروة

“الثقافة”. كلمة رذلها البناؤون وقبلهم الاقتصاديون والسياسيون في العالم النامي على أقل تقدير. هل يحتاج عالم المال والأعمال للثقافة؟ هل بناء الدول يكون بالثقافة؟ هل الأقلام التي تبني الكتب قادرة على بناء الجيوش؟ هل نمت اليابان بالثقافة وحدها؟ هل أوروبا في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت تدير الأرض بثقافتها؟ ختاماً هل أميركا اليوم تحكم العالم بثقافتها؟

كلها أسئلة محقّة نحيلها بكليّتها إلى المؤرخ والاقتصادي الأميركي الراحل ديفيد لاندس صاحب كتاب “ثروة وفقر الأمم”، الذي قال إن العنوان لم يكن محاولة لتقليد أدم سميث أبداً. “أنا اختلف معه قليلاً، فقد كان متفائلاً بشأن الثروة وتحصيلها دون أثر سلبي كبير على المجتمع. ولكن الواقع يقول إنه لا غنى بلا فقر. أي لا أثرياء بلا فقراء. البعض يعتقد أن الدول الغنية باتت على هذا الحال لأنها تملك تعليما أفضل وقدرات أحسن من غيرها. ذات الفريق يعتقد أن الفقراء على هذه الحال لأنهم لا يملكون ما سبق. الفريق الثاني يؤكد العلاقة بين الأغنياء والفقراء واستغلال الفئة الأولى للثانية. أنا بحكم دراستي للتاريخ أرى أن المدرستين على حق”. والكلام للاندس.

النظارات الأوروبية

أستاذ التاريخ في جامعة جورج واشنطن، وفي نفس الوقت أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، يتابع الحديث في إحدى محاضراته حول كتابه سالف الذكر، بأنّ أوروبا التي يعتبرها نسخة مُقلدة من تجارب الآخرين حول العالم، امتلكت الثقافة اللاّزمة لتكون سيّدة العالم في فترة من الزمن. أي أنها امتلكت أفكار ثقافة أعادت إنتاجها من خلال إعادة تصنيع تجارب بقية الأمم. الفارق بين أوروبا وبقية العالم هو في مقدرتها على التعلم والابتكار. “الاختراعات تطوّرت نتيجة الحروب الطويلة، التي طورت قدرات الأوروبيين على القتل وعلى الحياة أيضاً”.

اللحاق بركب الحضارة

لكن محمد علي باشا بحسب رأي لاندس أيضاً، عمل لسنوات على بناء الجيش المصري الجديد. حاول الباشا السيطرة على مقدرات الحياة في مصر وسوريا. توسع في الإنتاج واستعبد العمالة الأفريقية كما فعلت أميركا يوما ما. لكنه فشل وسقط بالخرف قبل أن يسقط بالموت. لماذا لم ينجح النموذج الأوروبي في مصر؟ ولماذا لم ينجح في المرات التالية لا في مصر ولا في غيرها؟ لماذا لم تلحق روسيا بركب الثورة الصناعية الأوروبية؟ في حين ورغم تأخّرها لحقت الدول الأسكندنافية بالثورة تلك، وباتت في مقدمتها. ما السر الكامن في نجاح اليابان بالعملية التنموية قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها؟ ولماذا يفشل العالم الإسلامي منذ سنوات في اللحاق بركب الحضارة؟

إرادة الرب وإرادة البشر

جميع ما سبق يصب بشكل أو بآخر وفق تحليل لاندس في الثقافة التي تحكم المجتمع. الأوروبيون برأيه كانوا فضوليين يعتريهم الطمع، فجابوا العالم بحثا عن المزيد من الثروات. في القرن الخامس عشر عبرت السفن الأوروبية كل محيطات وبحار الأرض بحثا عن الذهب والمزيد من الذهب. فرضت البرتغال الضرائب على الإبحار. أما أسبانيا فسلبت أميركا اللاتينية معظم فضتها. لكن هل يعتبر الطمع ثقافة، وهل يقع الفضول في ذات الدائرة؟

اخترع الأوروبيون النظارات في ذات القرن. احتكروا هذا الابتكار حوالي قرنين بعدها. لكن ما الفارق الذي تسجله النظارات الطبية على المستوى العام. بات الاستثمار في الإنسان يستمرّ لما بعد سن الأربعين، العمر الذي تتعب فيه عيون الإنسان وترهق ويفقد القدرة على العمل التقني أو الكتابي.

يتابع لاندس سرد بعض الجزئيات التي تهمل عادة في القراءات التاريخية للتحولات الكبرى. ابتكرت أوروبا صناعة الساعات الدقيقة، أي أنهم باتوا على أبواب ابتكار كل شيء وصناعة كل شيء. فليس هناك أصعب من صناعة الساعات.

ابتكرت أوروبا في العام 1460 الطباعة وفق أبجديتها وبدأ عصر التدوين الحقيقي. ذات العصر الذي أعاد طباعة كتاب أدم سميث “ثروة الأمم” في القرن الثامن عشر لأكثر من مرة ومازال.

جميع ما سبق جاء نتاج الغطرسة الأوروبية برأي لاندس. الأوروبيون أبحروا ليخبروا العالم باتفاقيات التجارة الجديدة وأيّ بلاد ترفض تُدكّ بالمدافع. طبقوا مقولة نابليون بأن “الله مع المدفع الأقوى”. ثقافة القوة هذه هي التي أنتجت أوروبا اليوم. ثقافة انقسمت على نفسها بعد الانقسام المسيحي إلى بروتستانت وكاثوليك. الفئة الأولى ولّدت مفهوماً جديداً لبناء رأس المال والمقدرة التجارية. خرجت من عباءة الكلام الديني التقليدي عن إرادة الرب في خير البشر لتقول إن الخير صناعة البشر.

وُلد فلاسفة كبار يؤمنون بقدرة الإنسان على خلق الجنة على الأرض لا انتظارها في السماء، هذا ما قاله لاندس في وصف الأوروبيين الذين قدّموا أنفسهم للعالم على أنهم أقرب للآلهة منهم للبشر، فهم القادرون على ابتكار كل شيء وخلق كل شيء وحل أيّ مشكلة تواجههم في العالم.

الفارق بين أوروبا وبقية العالم يكمن في مقدرتها على التعلم والابتكار. يقول لاندس إن "الاختراعات تطورت نتيجة الحروب الطويلة، التي طورت قدرات الأوروبيين على القتل وعلى الحياة أيضا".

لقد احترفوا القتل بأدوات الآخرين. فقد أخذوا البارود من الصين. ونالوا الكثير من العلوم والمعارف من المسلمين والعرب في الشرق الأوسط عبر وساطات يهودية كانت تعيش بين العرب وتنقل معارفهم وعلومهم لأوروبا. يؤكد لاندس أن الأوروبيين تعلموا الكثير من المسلمين عبر التجارة المتوسطية والسفر إلى الهند عبر أراضيهم. والمفارقة أن الوسيط نال القتل والتقريع في أوروبا الحرب العالمية الثانية. ربما يدل هذا على الغطرسة الأوروبية التي انتقلت بحكم الثقافة إلى أميركا اليوم التي ترى نفسها حاكم العالم المنفرد ويحق لها أن تسلط مجنوناً رئيساً عليها.

نجت أوروبا من الكنيسة التي كان لها كبير الأثر على الحياة العامة فيها، ولم ينج المسلمون اليوم من نير رجال الدين. رغم أنهم لم يملكوا كبير سلطة في العالم الإسلامي الذي صدّر معارفه وعلاقته بالدين إلى الأوروبيين. دخل المسلمون نفق المجهول لتخرج منه أوروبا سالمة محمّلة بالذهب والمعارف وثقافة القوة. دخل العالم الإسلامي النفق، وخرجت منه اليابان لكن دون ثقافة الانتهاز تلك وغير محمّلة بالذهب والثروات كحال أوروبا. كيف فعل هؤلاء الشرقيون معجزتهم؟

نبوءة لاندس

يحاول لاندس الإجابة عن سؤال اليابان. حددت هذه البلاد قيمها الثقافية ولم تقدم نفسها على أنها الأفضل بين الثقافات في العالم كحال الغرب اليوم. لكن ديفيد لاندس أصر بأن “هناك ثقافات أسمّيها “سامة، تُعيق الذين يتمسكون بها”. وذلك في مؤتمر للبنك الدولي عام 2000.

هذا هو المؤشر إذا ما اعتمدنا كلام لاندس. فإذن الثقافة اليابانية ليست سامّة. الدليل أن اليابان اليوم في مصاف الدول الأكثر تقدما في العالم. ربما تكون ثقافة الغطرسة اليوم هي السامّة وهي التي ستؤدي بالعالم الغربي إلى الهاوية. كما أودت ثقافة العرق الآري بالشعب الألماني إلى الهاوية بقيادة أدولف هتلر. خسرت يومها ألمانيا كل دمها الأزرق على الجبهات لأجل فكرة مجنونة، ونضحت البلاد كل مفكريها إلى الخارج.

أعادت نساء ألمانيا بناء الدولة وفق ثقافة غربية معدّلة. لا غطرسة ألمانيا اليوم. ربما هذا أثر النساء على الثقافة. المهاجرون في ألمانيا يدخلون مدارسها وجامعاتها وسوق عملها دون أيّ مشاكل. تكافح هذه البلاد حركاتها الفاشية بمزيد من ثقافة التسامح. لا توجد مسألة مسلمين ألمان غير مندمجين رغم كثافة الوجود التركي فيها، خلافا لفرنسا التي تعاني من هذا المسألة.

الواقع أن نبوءة لاندس، بأن الثقافة هي المعنية تقريباً بالتوسع صحيحة إلى حد كبير. اليوم ألمانيا واليابان المهزومتان في الحرب العالمية الثانية، تلقيان رواجاً شعبياً في العالم النامي. لكن نخبة العالم الثالث كحال النخبة الأميركية تصرّ على انتقاء التجربة الغربية بكليّتها رغم غطرستها وطمعها الجارف. وترفض اليابان التي تطوّرت نتاج امتلاكها ثقافة مناسبة بحسب رأي الاقتصادي الياباني يوشيهارا كيونيو الذي أكد أن شعب بلاده تمسك “بالمساعي المادية والعمل الجاد والادخار للمستقبل، والاستثمار بالتعليم، وقيم المجتمع″. خمس نقاط فقط لا غير دفعت اليابان لتعود من جديد إلى مصاف العالم المتحضر، وفقدتها الكثير من الشعوب التي لا تعرف من الثقافة إلا قراءة الشعر. باتت تلك الشعوب اليوم رهن سخرية المرشحين الأميركيين. فهذا ترامب يريد تحصيل تكاليف حرب الخليج الثانية مرة أخرى.

"ثروة وفقر الأمم"

لاندس تلميذ عالم الاجتماع ماكس فيبر، يؤكد نظرية معلّمه بأن “الرأسمالية الأوروبية استندت في قيامها إلى مجموعة متميزة من المؤسسات ومجموعة خاصة من القيم الثقافية”. فيبر قدم أيضاً، في دراسات لاحقة عن الهند، والصين، والعبرانيين القدماء، حالات مقابلة عن أوضاع لم تكن فيها البيئة المؤسسية أو الثقافية تناسب أو تساعد على نموّ رأسمالية عقلانية.

لاندس يتوافق مع معلمه أيضا بأن “الدين في أوروبا، وفي الفترة ما بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، أدى إلى تشجيع ظهور نموذج إنساني كان قبل ذلك نادراً واستثنائيا. هذا النموذج، الذي يتمتع بصفات العقلانية، والنظام، والاجتهاد، والإنتاجية العالية كوّن الاقتصاد الجديد ونمط الإنتاج الجديد الذي نعرفه بالرأسمالية الصناعية”.

توفي لاندس قبل سنوات ثلاث. ربما حالفه الحظ. فهو لم ير كيف أصبح ترامب رئيساً لبلاده. لكنه لا بد توقع شيئاً ما شبيهاً بما يجري اليوم. وهو الذي خبر أسرار الاقتصاد والتاريخ معاً ومن عرفهما أتقن قراءة القادم.

المفارقة أنه ولد في المدينة التي أدار منها ترامب حملته الانتخابية ألا وهي نيويورك. ونال العديد من الشهادات العليا والتقديرية من العديد من الجامعات في فرنسا وسويسرا وأميركا. كتب “ثورة في الوقت”، و”ثروة وفقر الأمم”، و”السلالات”.

7