ديفيد لينش: ذلك العبقري المجنون

الأحد 2017/01/29
مهجوس بالنار والوحدة والقلق والشر السوريالي

في العام الماضي أقام المخرج الأميركي الشهير ديفيد لينش المعروف بأفلامه التي تتسم بطابع سوريالي، معرضا بعنوان “بين عالمين” ليضم صوره وتصميماته الفنية ولوحاته وتماثيله. كان جزء من هذه الأعمال يندرج في طار ما أطلق عليه لينش “صور المصنع” التي وصفها لينش نفسه بأنها كانت بمثابة رد فعل على التناقض الذي جسدته مع نشأته الريفية الأولى، عندما قال “نشأت في شمال غربي أميركا حيث لم تكن هناك مصانع على الإطلاق، بل غابات فقط، لكن والدتي كانت من بروكلين (نيويورك)، وكنت أذهب معها إلى هناك في طفولتي، وكنت أتذوق هناك طُرزا أخرى مختلفة للمعمار، وأشعر بضجيج الآلات، ودخان المصانع، وأيضا بالخوف”.

وعندما أعلن لينش مؤخرا، اعتزامه استكمال مسلسل “توين بيكس” التلفزيوني الشهير، سرت موجة من الترحيب الهستيري على مواقع التواصل الاجتماعي. فالمسلسل الشهير يعتبر من أكثر ما أنتج تلفزيونيا نجاحا في كل العصور. ومنذ أن بدأت شبكة إيه بي سي التلفزيونية الأميركية بثه في أوائل التسعينات من القرن العشرين على جزأين، أصبح محفورا بحلقاته وشخصياته، في ذاكرة ذلك الجيل الذي عاصره والأجيال التالية أيضا، خاصة بعد أن قدم ديفيد لينش فيلما سينمائيا بعنوان “توين بيكس: النار تلاحقني” (1992) استكمل فيه رؤيته المفزعة لمصير الفتاة الغامضة، حيث أصبح السؤال الذي شغل بال الجميع: من الذي قتل لاورا بالمر؟

كان المسلسل التلفزيوني يبتعد تماما عمّا عرف بـ”النوع” طبقا لنظام الأنواع الدرامية الأميركي، فقد كان يتميز بالتمرد على محدودية “النوع” منتقلا من الرعب إلى الكوميديا، إلى الرومانسية العاطفية، وصولا إلى السوريالية أسلوبا، مع لمسات واضحة من الغموض المثير والتحليل النفسي الذي يتميز به لينش في معظم أفلامه.

مع الإعلان عن عودة المسلسل الشهير إلى الحياة توقع الجميع بالطبع أن يقدم ديفيد لينش جديدا، وأن يخرج عن نطاق الحدود الضيقة السابقة للمسلسل القديم، وقد أعلن هو بشكل غير مباشر عن بعض ما في جعبته من غرائب من خلال المعرض الذي أقامه مؤخرا بعنوان “مهرجان الفوضى” الذي ضم محاضرات، ومعارض للصور والتماثيل، وعروضا موسيقية، واستعراضات للرقص التعبيري، وغير ذلك.

أقيم هذا المهرجان الغريب في أوائل شهر أكتوبر 2016، نظمته “مؤسسة ديفيد لينش” -غير الربحية- التي تلعب دورا في التأهيل النفسي لضحايا الاكتئاب والاضطراب النفسي الناتج عن المشاركة في الحروب الأميركية في الخارج، كما تقدم مساعدات لطلاب المدارس.

كان المقصود من المهرجان عرض كل ما يرتبط بتجربة ديفيد لينش الفنية، بل إنه استعان -على سبيل المثال- بعدد من الشخصيات الفنية التي عملت في أفلامه، لإدارة حوارات معهم عبر أيام المهرجان، كما قاد الموسيقار الإيطالي أنجلو بادالمنتي الذي كتب موسيقى فيلم “توين بيكس”، فرقة موسيقية عزفت موسيقى الفيلم الشهير. أما مصمم الديكور سانت فنسنت فقد أقام معرضا لتصميمات تشبه كثيرا ما شاهدناه في فيلم لينش الشهير “القطيفة الزرقاء” (1986).

العودة إلى الماضي

من الأفلام التي عرضت مؤخرا بمهرجان لندن السينمائي فيلمان عن ديفيد لينش، الأول هو “إعادة زيارة القطيفة الزرقاء” من إخراج بيتر براتز، والثاني هو فيلم “ديفيد لينش: حياة الفن” من إخراج جون نوين. شاهدت الفيلم الأول، وفاتتني للأسف، مشاهدة الفيلم الثاني. مخرج الفيلم الأول ألماني، من أشد المعجبين بأفلام ديفيد لينش، وكان شابا في مقتبل الشباب عندما بدأ لينش تصوير فيلم “القطيفة الزرقاء” عام 1986.

وقد أرسل إليه يخبره برغبته في تسجيل تطور مراحل العمل في الفيلم الجديد، ورد عليه لينش مرحّبا بفكرة تصوير فيلم تسجيلي عن مسار العمل في فيلمه الروائي، وطلب منه أن يحضر معه ” الكثير من المال” موضحا “إننا نصور فيلما بميزانية محدودة للغاية”، فالواضح أن لينش لم يكن يمزح بل كان يعبر عن شعوره بالخشية من نفاد الميزانية المحدودة وتوف التصوير في أيّ وقت!

فيلم "القطيفة الزرقاء" تجسيد سينمائي للكابوس الأميركي

من هنا بدأ براتز في مصاحبة لينش عبر كل مراحل تصوير الفيلم الذي سينقله من مجال الأفلام المحدودة، إلى قلب هوليوود. كان “القطيفة الزرقاء” (يميل البعض إلى تسميته “المخمل الأزرق”) الفيلم الأول الذي وضع الممثلة إيزابيلا روسيلليني على خريطة هوليوود، بعد فيلمين أو ثلاثة لم يعلق أيّ منها طويلا بأذهان المشاهدين، كذلك كان الفيلم بمثابة عودة الحياة إلى الممثل-المخرج دينيس هوبر (بطل “الراكب السهل”) بعد رحلة علاج طويلة من إدمان المخدرات والكحول، وكان دور “فرانك” في الفيلم يشبهه إلى حد كبير، وقد قال لديفيد لينش ملحا عليه أن يمنحه الدور “أنا فرانك، وفرانك هو أنا”. ومعهما كان هناك كارلي ماكلوخلان وجاك نانس ولاورا ديرن التي ستصبح الاسم المشترك في معظم أفلام لينش بعد ذلك، وهي ابنة الممثل الكبير بروس ديرن، وكانت قد بدأت التمثيل وهي في الخامسة من عمرها، وربما من اسمها (لاورا) سيستمد لينش بعد ذلك اسم بطلة “توين بيكس” أي لاورا بالمر.

الفيلم التسجيلي يتضمن الكثير من المقابلات على هامش التصوير، مع ديفيد لينش والكثير من أبطاله ومساعديه مع بعض اللقطات التي لم تظهر في فيلم “القطيفة الزرقاء”، وكلها مصورة بكاميرا الـ8 مم تم تعديلها ليستخرج منها هذا الفيلم-الوثيقة. أما الفيلم نفسه فكان بمثابة قنبلة وقت ظهوره قبل ثلاثين عاما.

تدور أحداث “القطيفة الزرقاء” في بلدة “لامبرتون”، وهو اسم ابتدعه لينش، حيث يعثر بطل الفيلم الشاب “جيفري” على أذن بشرية مقطوعة ملقاة بين الأشجار وبجوارها مجموعة من الملفات، فيذهب بها إلى الشرطة، ثم يلتقي في اليوم التالي بفتاة تدعى “دوروثي” (إيزابيلا روسيلليني) تعمل مغنية في ملهى ليلي كان قد سمع اسمها يتردد في قسم الشرطة فيقرر أن يقوم بنفسه بالتحري فيقتحم منزل دوروثي في غيابها، لكنها تفاجئه وتطلب منه تحت التهديد بالسكين أن يمارس معها الجنس لكنّ رجلا يدعى فرانك يحضر فيضطر جيفري للاختباء، ويشاهد من مكانه فرانك مدمن المخدرات وهو يستنشقها عبر قناع يضعه فوق وجهه، ثم وهو ينتهك جسد دوروثي ويفعل به ما يشاء وصولا إلى أقصى درجات العبث والانتهاك والعنف.

إنها إذن علاقة غريبة، سادية- مازوشية. وسرعان ما يجد جيفري نفسه تدريجيا متورطا في الأحداث التي تلي ذلك. إنه مشدود إلى شخصية الفتاة التي لا يعرف ما إذا كانت ضحية أو مجرمة، ومن جهة أخرى يحاول حلّ لغز الأذن المقطوعة ومعرفة من الذي يقف وراء سلسلة الجرائم التي ستتبع ذلك.

عالم سوريالي

الفيلم يدور في عالم تجريدي يشبه الحلم أو الكابوس، مثل معظم أفلام لينش، وهو يكشف أن الصورة الوردية الرومانسية الناعمة التي تبدو من على السطح، تخفي تحتها الكثير من العنف والشذوذ والانحرافات والشر. وفي الفيلم الكثير من الإشارات الفرويدية التي تدور حول علاقة الإنسان بالرغبة الجنسية، والأوديبية كما يستخدم رموزا مثل الأذن المقطوعة التي يمكن تفسيرها كرمز للإخصاء، مع رموز أخرى تتعلق بفكرة خروج الجنين من الرحم، وغيرها (رحلة البطل في الليل). ولا شك أن رؤية لينش هي رؤية تشاؤمية للعالم، فهو يراه مغرقا في الشرّ رغم براءته الظاهرية.

هذا الرؤية سيمدها أكثر في فيلم “توين بيكس: النار تلاحقني”، فبينما كان المسلسل يدور حول اختفاء بطلته الشابة لاورا بالمر في ظروف غامضة، يعود لينش في الفيلم إلى الأسبوع الذي سبق مقتل البطلة لاورا، لكنه لا يلجأ إلى أسلوب السرد الدرامي التقليدي ، بل يقدم رؤية بصرية وموسيقية تعتمد على تحطيم منطق السرد، وتقوم على التداعيات، وعلى الانتقال المستمر بل التداخل بين الماضي والحاضر، والمزج بين الأحلام والكوابيس، ثم الارتداد إلى الواقع، والانتقال فيما بين الطفولة والشباب، وبين النهار والليل.. وهكذا، في إيقاع سريع لاهث يكثّف ببراعة عالما كاملا يرمز في كليّته إلى أميركا المعاصرة.

يبدأ الفيلم بلقطة مفزعة لرجال الشرطة يخرجون جثة فتاة من نهر في واشنطن. وعلى الفور يبدأ التحقيق في الحادث، تتحدد شخصية القتيلة في “تيريزا بانكس”، وتقود التحريات إلى اشتباه أن يكون القاتل من بلدة تقع في ولاية أوريغون القريبة هي بلدة “توين بيكس”، ويتم تكليف المحقق “ديزموند” من مكتب التحقيقات الفيدرالي، بالتوجه إلى البلدة لتحرّي الأمر. وهناك ينضم لاثنين من المخبرين المحليين. ومنذ تلك اللحظة تبدأ الأدلة على الجريمة في التكشف لكنها تؤدي إلى سلسلة من التحريات اللانهائية. فالمحقق يكتشف أن كل سكان البلدة تقريبا ضالعون في الجريمة بشكل أو بآخر، بما في ذلك رجال الشرطة المحلية.

"توين بيكس: النار تلاحقني" عالم الجريمة الغامضة

يستعرض فيلم "توين بيكس" الأجواء المحيطة بالبطلة : أصدقاؤها وأقاربها، ثم يرصد التغير الكبير الذي يطرأ على شخصيتها حينما تفقد تدريجيا القدرة على العيش بشكل طبيعي، فهي لا تستطيع النوم ليلا، بل تهرب من المنزل خلسة كل ليلة وتغشى أماكن غريبة تمتلئ بالصعاليك والمشردين والخارجين عن القانون.

ويكشف الفيلم لنا أن أحد ضباط المباحث الفيدرالية كان قد جاء قبل سنوات إلى البلدة، وتوصل إلي طبيعة الشرور المحيطة بلاورا، وأنه حاول أن ينقذها، لكنه قتل على يدي مجهول. وقد رفضت الفتاة أن تساعده لأنها لم تقتنع بوجود مؤامرة شريرة ضدها. يصور الفيلم بالتالي وجود “مؤامرة” لتدمير لاورا. وهي لا تدرك ذلك سوى عندما يمنحها أحد الجيران هدية عن قصد، تكشف لها مصدر الشر المحيط بها وأنه ليس سوى والدها الذي يعاني من سلسلة من العقد النفسية الخطيرة منذ طفولته، والدها هذا الذي يصبح معادلا للشيطان نفسه.

لاورا تستمر أكثر فأكثر، في الهرب أولا عن طريق الإفراط في المخدرات والتردد على ملهى ليلي يدعى “القوة والمجد” يقع على الحدود الأميركية الكندية. وهناك تخون صديقتها الوحيدة “دونا”، وتتركها وحدها تلاقي مصيرها على أيدي الأشرار. وعندما تدرك لاورا أن أمامها طريقا واحدا للفرار، تسلكه، وهو إشعال النار في محتويات المنزل. لكن النار لا تقضي على الشر كما توحي نهاية الفيلم، بل يتعين على لاورا أن تستمر في التصدي للشر وتطهير روحها بطريقة أخرى.

الصراع بين الخير والشر

إنه فيلم عن الصراع الدائم بين الخير والشر، بين البراءة والتوحش، ليس على مستوى واقعي أو اجتماعي، لكن على مستوى فلسفي وذهني. إنه بمثابة “جحيم” عصري تماما، الآخرون هم وقوده في مجتمع مشوّش، يريد لنا لينش أن نراه شاملا المحيط البشري كله، فالبلدة هي أميركا وهي أيضا العالم.

ولأن لينش ابن تجربة بعينها في مجتمع ذي ملامح محددة، فإنه يجعل من الفيلم استكمالا للصورة الهجائية التي اعتمدها في أفلامه السابقة للقيم السائدة في مجتمع الطفرة الصناعية والهروين وموسيقى الديسكو والإيدز والمخدرات والعنف والإرهاب الذي لا هدف له.

ولا غرابة في أن يجيء فيلمه بالتالي محتويا على أقصى درجات العنف لكن من خلال رؤية تشكيلية بصرية بديعة، فالشاشة تصطبغ أحيانا باللون الأحمر القاني، ونسمع على الشريط الصوتي صرخات البطلة في الليل، ثم نرى صورة رجل أقرب إلى الذئب يستعد لاقتناصها، وهو مشهد متكرر. إنها صورة سوريالية للشر الإنساني يجسدها لينش بأسلوبه الخاص من خلال الحركة الطويلة والسريعة للكاميرا، والديكورات الخرافية التي ربما كانت تشير إلى نوع من المستقبلية أو إلى ذلك الجحيم الأرضي الذي صنعه البشر.

ماذا يمكن أن يضيف ديفيد لينش إلى عالمه القديم؟ هل سيتمكن أخيرا من حل اللغز؟ لا بد أن ننتظر لنعرف.

ناقد سينمائي من مصر

16