ديفيد لينش موسوعي فنان قلب السكون إلى حركة

الأحد 2014/10/19
ديفيد لينش صانع الأفكار الذي لا يعرف حدا

المخرج، الرسام، الموسيقي، والكثير من التوصيفات يمكن أن نضعها قبل اسم ديفيد لينش، إذ يمكن الحديث عن الظاهرة الفنية التي يمثلها هذا الشخص، أكثر من الحديث عن الأدوات الفنية التي يتبناها، رؤية لينش الفنية تتجسد بأي عمل فني، سواء لوحة، فيلم، أو معزوفة، هذه الرؤية الغارقة بالقلق والغموض، وتشظّي المعنى، ويمكن القول إن تجربته الفنية المختلفة تفترض استجابة فنية مختلفة كذلك، فهو صانع أفكار قبل كل شيء و يهزأ من نفسه قائلاً: “الأمر الذي يصعب تصديقه أن أحدهم يدفع لك المال للحصول على الفكرة”.


فنان غريب


ولد عام 1946 في مدينة ميسولا التابعة لولاية مونتانا في الولايات المتحدة، في عمر الشهرين انتقل إلى ساندوبنت في ولاية آيدهو، ثم انتقلت العائلة إلى صبوكين في واشنطن وأخيرا استقرت العائلة في ولاية فرجينيا. لا يمكن اعتبار لينش فناناً بالوراثة، فوالده دونالد كان باحثاً لصالح وزارة الزراعة وقبعته الكبيرة كانت دائماً مدعاة لسخرية لينش مع ذلك نراه نادماً على شعوره بالخزي منها أثناء طفولته، أما والدته فيقول ديفيد إنه لا يذكر عملها أو دراستها بالتحديد، والداه كانا إلى جانبه في مسيرته الفنية إلا أنهما لا يعلمان ما يعمل بالضبط على حد قوله.

التنقل الكثير بين المدن، خاصة في سن مبكرة، أضفى تشوها إلى ذاكرته المكانية، بالإضافة إلى الصعوبات التي واجهها على صعيد المدرسة والاختلاط بالأصدقاء الجدد، ولا يمكن نفي هذا الأثر على تجربة لينش الفنية سواء في اللوحات أو السينما.

يصف لينش سيرته الذاتية بثلاث كلمات، “كشاف، ميسولا، مونتانا”، إذ كان كشافاً متقدماً في فرقة الكشاف الوطنية وهذه التجربة هي أحد مواطن فخره، كذلك يمكن تجلي أثر ميسولا في أعماله الفنية، فالمدينة الشهيرة بالإجرام في الولايات المتحدة كانت مهداً لطفولة لينش إذ يصف نفسه فيها بقوله: “أنا في مدينة (ميسولا) مجرد شخص عادي”. الإجرام والمعامل والصناعة، كل ذلك كان له أثر فيه إذ نراه يجد سحراً في الصناعة يتجسد بقوة المعامل التي تبدو كرموز للخلق. بالرغم من ذلك المتابع لتجربة لينش يلاحظ حالات الترقب والتوجس الدائمة على صعيد السينما، وكذلك حالات الوحدة وانعدام الحقيقة ويمكن أن يستشف أن صانع هذه الأعمال عانى طفولة مرضية إلى حد ما، إلا أنه يقول بأنه عاش طفولة سعيدة بالكامل.


صناعة اللوحة


لم يكن لينش ناجحاً في دراسته، إلا أن موهبته في الرسم قد نمت، وفي عام 1964 تفرغ لدراسة الفن في معهد متحف بوسطن للفنون، ثم تخلف عن متابعة الدورة الدراسية بعد سنة واحدة لأجل رحلة إلى أوروبا لمدة 3 سنوات مع الفنان جاك فيسك، لكن الرحلة انقطعت بعد 15 يوما، عاد بعدها لينش إلى الولايات المتحدة. وعام 1965 التحق بأكاديمية بنسلفيا للفنون الجميلة، وتزوج بيغي ريفي زميلته في الكلية عام 1967.

لينش الذي اشتهر كسينمائي، بدأ حياته الفنية كرسام، ويقول إن صناعة اللوحة عكس الفيلم الذي يمثل فعلا واعيا، حيث أن الرسم فعل غير واعي، سوريالي، ويضيف أنه لا يستطيع ترجمة فكرة مسبقة، فالرسم أشبه بالكتابة الآلية عند السورياليين، فالعمل ينبثق من ذاته، والفكرة تتجسد أثناء عملية الصنع، الأمر أشبه بتعامل اليابانيين مع الحديقة، إذ عليك فقط تحديد مسار النبتة من خلال قص بعض الأوراق، أمّا عملية النمو تبقى للنبتة نفسها.

يرفض لينش الخوض في نقاش أي من أفلامه على مستوى المعنى، ولا يرى أن أفلامه للنخبة، فـ"العامة في أميركا سورياليون و يفهمون السوريالية" حسب تعبيره


السواد


يقول لينش: “أنا أرسم بأصابعي وهذا سببه الطفولة، أو وجود جانب جنسي في اللوحات لأن الأطفال يدركون النشاط الجنسي”، فلوحة “العروس″ التي تمثل امرأة تجهض طفلها، تعد أولى اللوحات التي يتجلى فيها أسلوبه الخاص، والذي يمكن تحديده ضمن عدة خواص، فأغلب لوحاته مرسومة على خلفية سوداء تمثيلاً للظلام، فهو إدراك للعالم و للطبيعة البشرية، ويضيف: “لا أعلم ما أفعل بكل الألوان، اللون بالنسبة إليّ حقيقي جدا ويقيد الرسم”، وبالتالي يمكن القول إنه كلما زاد الأسود ينعكس الحلم، فاللون الأسود يتمتع بالعمق، كذلك فإن الخطوط والأشكال التي يرسمها لا ترتبط بأي مرجعية واقعية، فهي تبدو كرتونية وطفولية في بعض الحالات، ويقول إنه لا يستطيع رسم شكل آدمي بالكامل ويجهل سبب ذلك، فلوحاته تتسم بالكوميديا العنيفة وليس بإمكانه رسم الجوانب المضيئة، بالمقابل فإن رسامه المفضل هو الأيرلندي “فرانسيس بيكون” الذي تتميز لوحاته بخاصية التشوه التشريحي في رسوم الوجه، ويمكن بعد التمحيص أن نجد تقاطعاً بين أعمال الاثنين في هذا المجال.


ستة رجال


إن الحدث والذي يتمثل بفعل ما، هو المركز في لوحات لينش، والتي يغيب عنها التحديد المكاني أو الزماني، وبغياب اللون في الغالب، لتبقى الحالة الكابوسية، وربما كان لهذا أثر في تحول لينش إلى السينما، إذ يقول إن إحدى لوحاته جعلته يتجه إلى السينما، حيث تمنى لو أن اللوحة تتحرك، هذه اللحظة مهدت لفيلم لينش القصير الأول “ستة رجال يصابون بالغثيان”، والذي صنع داخل غرفة فندق، وكلف 200 دولار، الفيلم جسد لوحة فنية بإضافة تأثيرات سواء من خلال الحركة أو الصوت، هذه التأثيرات كان هدفها المساهمة بتشكيل اللوحة، إذ يمكن الحديث عن لوحة تتحرك وتصرخ، أكثر من الحديث عن فيلم قصير.

فيلم “الأبجدية” القصير، كان من تجارب لينش المبكرة، ويقول النقاد إن الفيلم يحاول وصف عملية التعلّم كعملية تسميم للعقل، إلا أنه لا يمكن اعتماد قراءة معينة لأي من أفلام لينش، خاصة على مستوى الأفلام القصيرة فهي متخمة بالتجريد، كما أن ديفيد نفسه يرفض الحديث عن أي من أفلامه ويترك تشكيل المعنى للمتلقي، حتى في الكتاب الذي نشر بعنوان “مذكرات ديفيد لينش”، يرفض لينش الخوض في نقاش أي من أفلامه على مستوى المعنى، ولا يرى لينش أن أفلامه هي للنخبة، فـ”العامة في أميركا سورياليون و يفهمون السوريالية” حسب تعبيره.

الكثير من أعمال لينش تركز على منزل في حي صغير، أو على قصة تحدث ضمن شوارع محددة، الأماكن لها أسماؤها، وهذا يعطيها خصوصية بعلاقة الشخصيات معها


الفرنسي راعي البقر


المرحلة السينمائية المبكرة لدى لينش استمرت في الأفلام القصيرة، وفيلمه الثاني كان “الجدة”، الذي وطّد هوية لينش الفنية، حيث الاضطراب، التفكك، لاواقعية الشخوص، وفي ظل عدم اعتماد تحليل واحد لأفلام لينش القصيرة، فإن الحديث عن التقنية يبدو أوضح، فالحوار المنطوق في فيلم الجدة، كان على شكل مؤثرات صوتية مجردة أكثر منه حوارا.

استمر لينش في الأفلام القصيرة طيلة حياته، ومنها “الرجل الفرنسي و”راعي البقر”، “القارب”، “أميرة شنغهاي الزرقاء” وغيرها، ولا يمكن الحديث عن وحدة شكل معينة في سينما لينش سواء على مستوى الأفلام القصيرة أو الطويلة، حيث أن لينش متحرر من أي سياق لتحديد المعنى، كذلك متحرر على صعيد التقنية، ولا يمكن صبغ أي مرحلة زمنية لديه بشكل معين، ففيلم القارب الذي أدى بطولته لينش نفسه، يختلف عن تجارب لينش الأولى، فهو يعرض رحلة لقارب لينش في البحر، وتكثيف هذه الرحلة ضمن خط مسير القارب على المياه، أما فيلم “أميرة شنغهاي الزرقاء” فيعتبر رومانسيا إلى حد ما، ويتحدث عن امرأة تجد شيئاً مشعاً داخل غرفتها في الفندق، ويأتي أمن الفندق لاستجوابها، ويتم ربط ذلك بالكرة الزرقاء المشعة الموجود في برج شنغهاي، وبالعموم فإن هذا الفيلم أو فيلم القارب تم تصويرهما بتقنية الفيلم التسجيلي، ولم يتم الاعتماد على الماكياج أو الأقنعة أو أيّ دمى بهما على عكس فيلمي “الجدة” و”الأبجدية”، إلا أن الاضطراب الدائم لدى الشخوص، وعلاقتها مع المكان المبنية على التوجس الدائم، والتركيز على الشخصية من خلال علاقتها بالحدث، كل ذلك لم يغب عن أفلام لينش بمعظمها، فلأفلامه القصيرة ميزة خاصة، باعتبار أن معظمها من تأليفه.

الطريق الضائع

الذكريات بالنسبة إليه أشياء مبعثرة، غير محددة، لا تقدم دلائل للتأكد من حدوثها، وبالتالي يمكن تذكر الأشياء بطرق خاصة، حيث بالإمكان إضافة ما هو مناسب، هذا لم يأتي على لسان ديفيد لينش وحده، بل كذلك على لسان “فريد ماديسون” الشخصية الرئيسية في فيلم “الطريق الضائع″، إذ يقول: “أنا أتذكر مشاعر لكن ذلك بطريقة واقعية”، ويمكن الحديث عن حضور الذكريات الشخصية لديفيد في معظم أعماله، فالحاضر لا يختلف عن الماضي بخصوص تدهور الإنسانية نحو الهاوية جراء الاكتشافات الصناعية والعلمية، وازدياد عزلة الإنسان، إلا أن الناس في الماضي كانوا يحلمون بقدرة حضارتهم على الاتجاه نحو السعادة المطلقة، أما الآن فلم يعد هنالك حلم”، ويضيف أنه “في الستينات كان هناك تفاؤل كبير، وكان العالم يبدو أكبر، والمستقبل مزهر، والسيارات كانت تعتبر تحف فنية”.

أنتج لينش فيلمه "ستة رجال يصابون بالغثيان"، وصوره داخل غرفة فندق بميزانية اقتصرت على 200 دولار، ليجسد لوحة فنية تتحرك وتصرخ أكثر من كونها فيلما سينمائيا تقليديا

الكثير من أعمال لينش تركز على منزل في حي صغير، أو على قصة تحدث ضمن شوارع محددة، الأماكن لها أسماؤها، وهذا يعطيها خصوصية بعلاقة الشخصيات معها، الأماكن تتوضح أسماؤها في بداية الفيلم، والتي تحمل قصصا مروعة داخلها، وكأن الأماكن لها سرية تفرض حالة من الترقب المستمر والحذر عند المشاهد، ويصف لينش مدينة ميسولا التي قضى بها طفولته، بأنها تبدو من الخارج فارغة خالية، إلا أنها تحوي جرائم مروعة، وهذا يتقاطع مع علاقة لينش بالظاهرة من ناحية الاقتراب منها والابتعاد، حيث أن الإبحار في التفاصيل والاقتراب من مكونات الكل، عنصر هام في منتج لينش، إذ يقول: “إن الأشجار جميلة، لكن عندما تقترب ترى مواد مفرزة وجيوشا من النمل (تم تصوير هذه اللقطة في فيلم المخمل الأزرق)، والسطوح تخفي تحتها شيئا آخر، وكلما نبشت في الأعماق تتكشف عوالم أخرى، الأزهار مع السماء تبعث الطمأنينة، لكن هناك قوة كامنة أخرى، آلام فظيعة وتفسخ مروع في كل شيء”.


الرجل الفيل


حقق لينش فيلمه الأشهر “الرجل الفيل”، وهو أول فيلم ليس من تأليفه، أحداث الفيلم يصبغها العصر الفكتوري، وتم تصوير المشاهد في لندن.

ترشح الفيلم لثمانية جوائز أوسكار لم يفز بأي منها، هذا الفيلم دفع المنتجين إلى المجازفة أكثر مع لينش، الذي يعبر بدوره عن ذلك بأنه كل ما زادت الأموال، زادت الضغوطات وزاد القلق، بعدها أخرج لينش فيلم “الكثيب” المأخوذ عن رواية خيال علمي، إلا أن الفيلم لم يحقق النجاح المطلوب.

عام 1990 كان نقطة بارزة في تاريخ لينش، حيث فاز بجائزة “كان” عن فيلمه “قلب جامح”، الفيلم مليء بالجنون والانفعالات في أقصاها، منذ المشهد الأول يتضح العنف والبربرية الهستيرية، الفيلم مقتبس عن رواية “باري جيفورد”، ويتحدث عن جنون العالم، وُيذكر أنه أثناء عروض الاختبار غادر الصالة 300 شخص، ويقول لينش عن جائزة “كان” مازحاً: “كان الفوز بمهرجان كان السينمائي من أسوأ الأمور التي حدثت معي، لكنني أحببت السفر نظراً لجمال جنوب فرنسا، كما أن فيلليني كان هناك”، فيلليني شارك بفيلم صوت القمر في ذات المهرجان، يتحدث لينش عن الفيلم أنه ممل، إلا أنه علينا احترام فيلليني بكل الأحوال بعد ما وصل إليه.

يقول لينش: “أنا أجد فكاهة حقيقية في الصراع مع الجهل، ولا أجد الفكاهة في الحزن”، ويرى أن الإنسان يبقى في نفس العمر لا يكبر من الداخل دقيقة واحدة، وعن بعض إخفاقاته يرى أنها شيء إنساني طبيعي، حيث أن القدر ينفتح ويمكن تحصيل العديد من الفرص، بعد ذلك لا بد من سقوط كبير، والجميع يجب أن يسقط لكي يتجدد.

إذ يقول “الظلام والحيرة موجودة في كل إنسان، لكنني أجهل سبب وجودها وقيمتها، يجب أن نكون كالكلاب سعداء، لكنني أجهل سبب تعاسة البشر وحيرتهم”.

10