ديكورات وتصاميم من وحي كورونا تعلّم الناس طرق إدارة الأزمات

أفكار إبداعية لجعل الأزمات الإنسانية أقل دراماتيكية في المجتمعات.
الأحد 2021/03/21
بروز عدة أفكار عن كيفية تنسيق الألوان

ليس من السهل تصميم منزل على شاكلة يجعله ملائما لأجيال مختلفة، ولكن الحياة في ظل جائحة كورونا أصبحت تفرض متطلبات معيشية تختلف عمّا كان سائدا في الماضي، ومن المهم التفكير في بناء منازل تساعد الناس في الحفاظ على صحتهم العقلية من خلال البيئات الداخلية الخضراء، وطرق استخدام الإضاءة والألوان وترتيب الأثاث.

لندن - أصبحت معادلة الاستعداد للأوبئة المستقبلية مختلفة بعد تفشي وباء كورونا، فلم تعد الإمكانيات الاقتصادية للدول، وحدها حجر الأساس لمواجهة الأزمات المستقبلية، بل باتت الورقة الرابحة هي مدى جعل الأزمات الإنسانية والمعيشية أقل دراماتيكية في المجتمعات، وسيطرة الناس عليها بدلا من أن تسيطر عليهم.

وسلّط الضغط على المجتمع العالمي بسبب الوباء الضوء، على قضايا مهمة تواجهها المجتمعات المعاصرة، مثل طبيعة تصاميم المدن والأحياء والمنازل ونوعية الحياة فيها، ورغم أن مثل هذه الأمور لا تتعلق بالوباء بشكل مباشر، لكنها لا تقل أهمية في الاستراتيجيات الهادفة إلى مواجهة العديد من الأزمات المستقبلية المحتملة.

خديجة فرحان الحمي: التغييرات المفاجئة تحدث أثرا أعمق من تلك التغييرات التراكمية
خديجة فرحان الحمي: التغييرات المفاجئة تحدث أثرا أعمق من تلك التغييرات التراكمية

وسبق أن كشفت دراسة مغربية أجرتها “المندوبية السامية للتخطيط” (الهيئة المسؤولة عن الإحصاءات الرسمية) أن حوالي 90 في المئة من الإصابات بفايروس كورونا المستجد في المملكة كانت في “المناطق الحضرية الأكثر اكتظاظا بالسكان”، ولاسيما في مراكز المدن القديمة والمناطق التي تضم مساكن اجتماعية ومدن الصفيح.

واعتبرت الدكتورة خديجة فرحان الحميد في محاضرة عن بعد حملت عنوان “طرق تغيير نمط الحياة بعد أزمة كورونا” أن التأثيرات السلبية العديدة التي خلفتها جائحة كوفيد – 19، قد تساهم في تغيير أنماط الحياة وإعادة ترتيب الأولويات الفردية بشكل إيجابي، مشددة على ضرورة “الاستفادة من الأزمة والتمسك بمكتسباتها وتحويلها إلى جزء من شخصياتنا وأسلوب حياتنا الدائم”.

وقالت الحميد الأستاذة المساعدة في كلية التربية بجامعة زايد إن العديد من الأفراد أعادوا ترتيب أولوياتهم المرتبطة بالعادات الشرائية والاستهلاكية، كما أعادوا النظر في الكثير من المناسبات والسلوكيات المجتمعية المكلفة كحفلات الزواج الفاخرة، والرحلات السياحية المبالغ فيها، وغيرها من السلوكيات التي أثبتت الأزمة أننا بحاجة إلى مراجعتها وإعادة التخطيط لها بشكل يتوافق مع الدخل الشخصي للأسر.

وترى أن حجم الاستفادة من الأزمة سيتفاوت من مجتمع إلى آخر ومن فرد إلى آخر داخل المجتمع الواحد وفقا لمدى الوعي.

وأوضحت أن بعض التغييرات السريعة والمفاجئة تحدث تغييرا أعمق من تلك التغييرات التراكمية طويلة الأمد، مشيرة إلى أن الأزمات تشكل أفضل مرشد للبشر نحو مراجعة شاملة لكافة السلوكيات وفرصة لإعادة ترتيب الأولويات.

وأكدت فيكتوريا بروكس مديرة “بينالي لندن للتصميم” أنه بإمكان كل شخص وفي أي مكان من العالم المساهمة في إثراء وتشكيل الأفكار الإبداعية التي تساعد على إدارة الأزمات.

وأظهر فايروس كورونا كيف ساهمت القيود الاجتماعية وتدابير الإغلاق في التأثير سلبا على الصحة العقلية للناس في جميع أنحاء العالم، ما دفع عددا من المهندسين المعماريين في إسبانيا إلى اقتراح تصاميم جديدة توفر تقنيات مبتكرة لربط المساحات الخضراء بالمباني قصد تعزيز الصحة النفسية.

المنازل المستدامة

Thumbnail

بينما ركزت مبادرات أخرى على كيفية تحسين جودة حياة السكان عبر تصميم مدن محايدة تجاه المناخ، ومتاحة بأسعار معقولة للعائلات والطلاب والمتقاعدين ممّن يحصلون على أجر متوسط.

ووضعت آن هيدالغو، عمدة باريس، فكرة “مدينة الـ15 دقيقة” في مقدمة أولوياتها في حملتها الانتخابية لعام 2020، مسلطة الضوء على أربعة مبادئ أساسية، وهي قرب المسافات والتنوع والكثافة السكانية وتطبيق الفكرة على جميع الأحياء.

وحظيت المناطق الحضرية الصديقة للبيئة باهتمام متواصل، وبرزت تصاميم تتحلّى ببعد النظر في مضمار حماية البيئة، وتوفّر فرصا أفضل للتعليم والعمل وجودة الحياة والرفاهية.

وأوضحت دراسات وبائية أن المحافظة على المساحات الخضراء الحضرية تحقق آثارا صحية إيجابية متنوعة، بما في ذلك تحسين الصحة العقلية وخفض الاكتئاب، وتحسين نتائج الحمل، وخفض معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والوفيات الناجمة عنها، والسمنة والداء السكري.

وأكدت منظمة الأمم المتحدة أن تقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية في ما يتعلق بتوافر المساحات الخضراء الحضرية، يمكن أن يساعد على خفض أوجه التفاوت في الصحة نتيجة الدخل، والانتماء إلى الأقليات، والإعاقة، وعناصر اجتماعية واقتصادية وديموغرافية أخرى.

زراعة النباتات

كما أشاع الوباء خلال الأسابيع الأولى لتفشيه، حالة من الفوضى في سلسلة إمداد المواد الغذائية عالميا، ما حدا بالكثيرين إلى طرح أفكار تسهل على الناس زراعة أنواع من النباتات الصالحة للأكل في المنزل.

وكشف تقرير صدر عن مكتب الإحصاء البريطاني أن 42 في المئة من البريطانيين، لجأوا إلى ممارسة البستنة في حدائقهم، للتعامل مع تبعات إجراءات الإغلاق، بينما بحث أكثر من 330 ألف شخص عن نصائح بشان كيفية زراعة محاصيل متنوعة في حدائقهم، على الموقع الإلكتروني الخاص بالجمعية الملكية للبستنة في المملكة المتحدة.

بروز عدة تصاميم تتحلى ببعد النظر في مضمار حماية البيئة والصحة النفسية، وتوفر فرصا أفضل للتعليم والعمل وجودة الحياة والرفاهية

وأعاد هذا الاندفاع نحو ممارسة البستنة والزراعة في الحدائق المنزلية، إلى الأذهان الحقبة الزمنية التي ساهمت في ظهور ما سُمي بـ”حدائق النصر” أو “حدائق الحرب” في العالم.

ويرتبط ظهور هذه المصطلحات بالمساحات التي زُرِعَتْ بالخضروات أو الفواكه، أثناء الحربيْن العالميتيْن الأولى والثانية، في أفنية المساكن والحدائق عامة على جانبيْ المحيط الأطلسي، مرورا بأميركا الشمالية وبريطانيا، وصولا إلى أستراليا.

ولا شك أن ممارسة البستنة في أفنية المنازل تعود على أصحابها بالكثير من الفوائد، لكنها تعزز أيضا روابط الوحدة والتآزر بين الناس، حيث يمنح الكثيرون بعضا ممّا يزرعونه لجيرانهم. وقد أظهرت دراسة أُجريت في بريطانيا أن 42 في المئة من المستطلعة آراؤهم، يشعرون بأن أزمة كورونا، جعلتهم يشعرون بقيمة الغذاء بشكل أكبر، وأن 10 في المئة منهم حرصوا على مشاركة المواد الغذائية مع الآخرين، وذلك للمرة الأولى على الإطلاق.

ويمكن لهذا النهج أن يشكل خطة عالمية بالفعل لمعظم سكان العالم، لمواكبة تلك الاتجاهات الرامية إلى التصدي لغلاء الأسعار ونقص الأغذية، خاصة بالنسبة إلى هواة البستنة وأصحاب النفس الطويل في تتبع جميع خطوات زراعة النباتات.

ثقافة العمل

ساهمت الجائحة أيضا في إحداث تغيرات كبيرة على ثقافة العمل، ولذلك ليس من المستغرب أن الكثير من المصممين حاولوا بأفكارهم الإبداعية معالجة الواقع الجديد، حيث اقترح البعض منهم طرقا لاستغلال المساحات غير المستخدمة في المنزل، بينما قدم البعض الآخر مبادرات عملية لتقسيم الوقت في ما بين العمل عن بعد والترفيه والراحة والعائلة والأصدقاء من أجل تحسين عملية التفاعل الاجتماعي بين الناس.

 كما اقترح آخرون استخدام الأثاث المتعدد الوظائف، خاصة في الأماكن الضيقة، مثل المكتب القابل للطي، الذي يمكن فرده من رفّ أو المكتب المدمج في خزانة الثياب، إضافة إلى بروز عدّة أفكار عن كيفية استخدام الإضاءة والألوان وترتيب الأثاث، وتصميم مكتبات للموسيقى، تساعد في الحفاظ على التباعد الاجتماعي وتضمن الاسترخاء والراحة النفسية.

21