"ديكور" سؤال في الفيلم التجاري البعيد عن العفوية والارتجال

الجمعة 2015/01/02
الفيلم يصور تمزق بطلة بين عالمين واحد متخيل وآخر واقعي

"ديكور" هو رابع تجارب المخرج المصري أحمد عبدالله، بعد أن قدم خلال السنوات الست الأخيرة ثلاث تجارب روائية طويلة هي: “هليوبوليس” 2009، و”ميكروفون” 2010، و”فرش وغطا” 2012.

في “ديكور” يقرر أحمد عبدالله على عكس أفلامه السابقة أن يتعامل لأول مرة مع سيناريو ليس من تأليفه، وليس عبارة عن خطوط عريضة وملامح خارجية لأشخاص وتفاصيل يتمّ استكمالها بالواقع المطعم بقليل من الخيال والأغاني والمشاهد الصامتة. هنا ثمة سيناريو محدّد، له بناء واضح وشخصيات مكتملة التفاصيل وأحداث تنطلق من فكرة رئيسية، وتنحو باتجاه التأكيد عليها وإثباتها عبر المشاهد.

هو إذن اختبار لقدرات عبدالله الإخراجية بعيدا عن سياق الارتجال والحكاية الحرة وكاميرا الشارع، ولا يعني فقط اختبارا في القدرة على رسم صورة محكمة ومعبرة وليست مرتجلة، أو بنت الظرف الواقعي، ولكن صورة نابعة من طبيعة السياق الدرامي والهدف الأساسي والشخصيات التي تتحرك في الحيز ما بين القصة والفكرة، والذي يسمى الكادر السينمائي.

فالكادر -في المفهوم الأشمل- هو المساحة التي تعبرها فكرة الفيلم باتجاه المتفرج من خلال القصة، وكل لقطة وكل مشهد في السياق الفيلمي لو لم يحافظ على جودة هذه المساحة، لأصبح عبئا ثقيلا وحمولة زائدة على الإيقاع والفكرة والحكاية.


القطع مع ما سبق


هنا يبدو طموح عبدالله في إنجاز فيلم تجاري بمقاييس فنية، والمقصود بتجاري هو أن تتسع رقعة المتفرجين الذين يمكن أن يستميلهم الفيلم، بعدما كانت تتحرك أفلامه السابقة في نطاق النخبة المثقفة أو المهتمين بالسينما، كفن مفعم بالمتعة الوجدانية دون الالتفات للباحثين عن “الحواديت” التقليدية البسيطة والإيقاع المسلي.

الإيقاع البطيء يصيب الفيلم بالترهل في منطقة خطرة، وهي منطقة التمهيد والهجوم على المتلقي

في “ديكور” يوجد سياق يتأرجح ما بين النفسي والميتافيزيقي، فمهندسة الديكور الشابة حورية فرغلي تجد نفسها أثناء تنفيذ ديكورات إحدى الشقق في فيلم تجاري ميلودرامي، تصبح فجأة إحدى شخصيات الفيلم، أو بمعنى أدق هي شخصية المدرسة والأم المتزوجة من رجل يكبرها ولا تحبه.

ولكنها قبلت به لمجرد أن تتخلص من تسلط أمها، ولا شيء يجعلها تتحمل هذه الحياة سوى إدمانها مشاهدة الأفلام المصرية القديمة (الأبيض وأسود)، وهو ما يصنع ظهيرا سينمائيا أو خلفية سينمائية، لكل ما يدور من أحداث في الفيلم الأساسي، بل ويجعل من اللون الأبيض والأسود الذي اختاره صناع الفيلم خيارا لونيا منطقيا.

ليس فقط تحية إلى زمن الأبيض والأسود، أو محاولة التقريب ما بين حيوات البطلات في الأفلام القديمة وبين وجدان بطلتنا، الذي يعيش ممزقا ما بين عالمين أحدهما متخيل والآخر واقعي، أو كلاهما واقعي بشكل ما (عالم المدرسة الأم والزوجة)، وعالم (المهندسة المتمردة التي تزوجت من حبيبها مهندس الديكور الوسيم، ولكنها ترفض أن تعيش حياتها وفقا لأفكاره).

أولى الملامح التجارية في الفيلم هو أنه يستغرق وقتا طويلا في البداية، محاولا أن يفسر لنا ما إذا كانت المهندسة الشابة مريضة، أم تمرّ بتجربة غرائبية، لأن الإيهام اللازم للمتفرج العادي يحتاج إلى الكثير من التكرار والتمحيص في الحركة بين العالمين، خوفا من أن يفقد المتفرج اهتمامه، ويشعر أن ثمة ما ينغلق على عقله فينبذ الفيلم كله.

هذا الإيقاع البطيء يصيب الفيلم بالترهل في منطقة خطرة، وهي منطقة التمهيد والهجوم على المتلقي، خاصة في المشاهد التي تجمع ما بين حورية وخالد أبوالنجا في سياق تمثيلي متواضع، ويشبه إيقاع وأسلوب المسلسلات التلفزيونية القائمة على الحوار المعجّن الذي يصعب الإمساك بشكل محدّد أو بهدف أساسي له.

الفيلم يحاول أن يفسر لنا ما إذا كانت المهندسة الشابة مريضة، أم تمرّ بتجربة غرائبية

أضف إلى البطء إحالة الفصل الأول من الفيلم لخلفية فيلم “الليلة الأخيرة” لفاتن حمامة، في محاولة لإحداث إثارة ما والإيهام بأن ما يحدث للمهندسة، ربما يكون مؤامرة كالتي أجراها محمود مرسي على حمامة، خلق حالة من التشويش بسبب اختيار الفيلم نفسه، وليس بسبب محاولة المقاربة.

لأن محاولة المقاربة بين ما يحدث للبطلة وبين الأفلام المصرية القديمة التي تدمنها، أفلحت في الكثير من الخلفيات خلال سياق الأحداث وبدت قريبة من فكرة أن حياتنا تشبه القصص السينمائية، لكنها ليست فيلما نكون مجبرين على معايشة أحداثه حتى النهاية، بل يمكننا في لحظة ما أن نعيد تغيير سياقه بأكمله، لأننا نملك حرية الاختيار التي ربما لا يملكها أبطال الأفلام المسيّرون في الحكايات المغلقة عليهم.


بين خيال وحقيقة


يلعب الفيلم على الحياتين ما بين الخيال الذي لا ندري هل هو مرض نفسي أم حالة غرائبية، وبين الحقيقة التي بدأ بها الفيلم والتي هي حياة المهندسة، ولكن رغبة منه في الانتقال بالأحداث إلى مستوى مختلف من الصراع، يجعل المهندسة توافق على لعبة الخيال، لمجرد أن زميلا لها دعاها إلى مجاراة خيالها والاستجابة له.

وبالتالي سريعا ما نراها تنخرط في حياتها الخيالية إلى درجة أنها تستغرق فيها كليا، وتنسى حياتها الواقعية دون أن يبرر لنا الفيلم أو يقنعنا بماهية حركتها في الحياة المادية الواقعية (حياتها مع خالد أبوالنجا زوجها الحقيقي)، بينما هي مغرقة في الخيال.

فيظهر عيب خطير في زمن السرد، وهو بعد أن كانت مشاهد الحياة الخيالية تأتي قصيرة ومتقطعة تفقد فيها المهندسة الإحساس بالزمن والمكان لفترات قصيرة -مثل مشهد دخولها إلى موقع التصوير بينما هي تتحرك في حياتها الخيالية-، أصبحت تقضي فترات كاملة من حياتها الخيالية دون أن نعلم هل هي في غيبوبة أم فاقدة للوعي أم ماذا؟

حتى أنها أصبحت تعيش ليالي كاملة في حياتها الزوجية الأخرى المتخيلة مع ماجد الكدواني، وهو فخ سردي وقع فيه السيناريو والإخراج على حدّ سواء، وكان يجب تبريره، حتى لا نتساءل عمّا تفعل في الواقع وهي غائبة في تلك الحياة الأخرى.

عيب خطير يظهر في زمن السرد، وهو بعد أن كانت مشاهد الحياة الخيالية تأتي قصيرة ومتقطعة تفقد فيها المهندسة الإحساس بالزمن والمكان

فهل هي في غيبوبة على سبيل المثال أم ماذا؟ بل يغرق السيناريو في الغموض عندما يجعلها حين ترتدّ إلى واقعها، تعرف من زوجها أبوالنجا أنها كانت تعيش بشكل عادي معه ولكنها تبدو “سرحانة” قليلا.

هذا عنصر ثان من العناصر التجارية، وهو عدم الاهتمام الكبير بالتفاصيل التي تمثل جزءا من الإيهام بالأحداث والإقناع بها. في قصة كهذه يجب أن يتهيّأ صناع الفيلم دوما للإجابة عن الأسئلة البسيطة، لأنها دوما تحمل شيطان الإفاقة من الحالة الفيليمة في داخلها.

العنصر الثالث هو شرح مغزى الفيلم بشكل مكرر، حتى لكأن صناعه يخشون ألاّ يلتفت إليه الجمهور وسط زخم الإحالات من زمن الأبيض والأسود، أو لعبة الخيالين أو الواقعين، مهما كانت. ولا نقصد بالتكرار “تكنيك” إعادة المشاهد مع اختلاف السياقات ما بين العالمين.

كأن يذهب ماجد الكدواني خلف حورية ذات مرة إلى شقة خالد أبوالنجا، ويعود خالد أبوالنجا في الحياة الأخرى للذهاب خلفها إلى شقة ماجد الكدواني، ولكننا نقصد شرح الفكرة عبر الحوار وعبر الصورة وعبر الاستلهام من الأفلام المصرية القديمة، رغم أن ثيمة الاختيار هي إحدى أكثر الثيمات علانية في الدراما.

16