ديك في سرايا عابدين

الاثنين 2014/08/04

وأنا أشاهد مسلسل “سرايا عابدين” حاولت أن أتفهم طبيعة العمل الدرامي الذي يتخذ إطارا تاريخيا لتشكيل أحداثه حسب ما يبديه خيال المؤلف، وحاولت أن أبرّئ الكاتبة هبة مشاري وفريق المسلسل من نية المساس بالحقائق التاريخية الموثقة عن فترة حكم الخديوي إسماعيل، ومن محاولة تشويه صورته، وتقديمه للعقل العربي الكسول على أنه زير نساء، لا همّ له غير الزوجات والجواري ونطفه المشّردة بين الأسرّة.

بالمقابل تفهمت موقف منتقدي المسلسل، فقبلهم ندد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بمسلسل “حريم السلطان” واتهم فريق عمله والقنوات التي تبثه بتضليل الشعب وتزوير التاريخ وتشويه صورة السلطان سليمان القانوني، وقال "هذا ليس القائد العظيم الذي قضى ثلاثين عاما من عمره فوق ظهور الخيل، يغزو البلدان ويفتح المدن ويسوس دولة الخلافة".

وغضب أردوغان ليس أقلّ من غضب المدافعين عن الخديوي المصري، وعن أمه خوشيار هانم، وعمته نازلي، وعن زوجاته وأبنائه وفترة حكمه، خصوصا وأن ما وصفته سابقا بالعقل العربي الكسول، لا يقرأ، ولا ينبش في صفحات التاريخ، ولا يفتّش عن الحقيقة من مصادرها، ولا يستنتج، ولا يفرْق بين العمل الفني والواقع، ولا بين العمل الدرامي المستوحى من التاريخ والعمل التسجيلي أو التوثيقي.

والمدافعون عن الخديوي لهم ما يعتمدون عليه في دفاعهم عنه، فالرجل كان علامة فارقة في تاريخ مصر، حوّل مجلس المشورة الذي أسسه جده محمد علي باشا إلى مجلس شورى النواب، وأتاح للشعب اختيار ممثليه. وافتتحت أولى جلساته في 25 نوفمبر 1866، وحوّل الدواوين إلى نظارات، وكان وراء وضع تنظيم إداري للبلاد، وإنشاء مجالس محلية منتخبة للمعاونة في إدارة الدولة، وأعطى للمجالس المحلية حق النظر في الدعاوي الجنائية والمدنية وكان وراء انحصار اختصاص المحاكم الشرعية في النظر في الأحوال الشخصية، وهو من ألغى المحاكم القنصلية وعوّضها بالمحاكم المختلطة، وفي عهده تم الانتهاء من حفر قناة السويس وإقامة احتفالاتها، وإنشاء دار الأوبرا الخديوية، و إنشاء كوبري قصر النيل، واستخدام البرق والبريد وتطوير السكك الحديدية، و إضاءة الشوارع ومد أنابيب المياه.

وفي مجال التعليم نفذ الخديوي مشاريع وإنجازات مهمة، منها زيادة ميزانية نظارة المعارف ووقف الأراضي على التعليم و تكليف علي مبارك بوضع قانون أساسي للتعليم، و تكليف الحكومة بتحمل نفقات التلاميذ، وإنشاء أول مدرسة لتعليم الفتيات في مصر، وهي مدرسة السنية، وإنشاء دار العلوم لتخريج المعلمين، وإنشاء دار الكتب، وإنشاء الجمعية الجغرافية ودار الآثار، وظهور الصحف مثل الأهرام والوطن ومجلة روضة.

وهذا ليس غير غيض من فيض إنجازات الخديوي إسماعيل الذي ظهر في المسلسل مجرد ديك ينفش ريشه، وينتقل من فراش إلى فراش، ومن زوجة إلى خدين إلى ملك يمين، ليصبح في كل يوم على سلسلة مؤامرات نسوية من إجل احتكار حبه.

24