ديلما روسيف معارضة لقبت بأم الفقراء وامرأة البرازيل الحديدية

السبت 2014/06/28
ديلما روسيف أهمّ نموذج سياسي في البرازيل

أول امرأة تتولى منصب الرئاسة في تاريخ بلاد السامبا، ديلما روسيف ورثت من دا سيلفيا -الرئيس الذي سبقها- بلدا يشق طريقه إلى مصاف القوى الاقتصادية العظمى وهو يمثل أكبر دولة في أميركا الجنوبية وخامس أكبر دولة في العالم من حيث المساحة وعدد السكان، جمهورية البرازيل الاتحادية التي تستضيف هذا العام أكبر حدث رياضي في العالم “كأس العالم لكرة القدم”، ومنذ توليها منصب الرئاسة أنيط بعهدتها مسؤولية قيادة البلاد ومسؤولية تشريف المرأة البرازيلية وأتيحت لها فرصة كتابة اسمها بحروف من ذهب في صفحات تاريخ بلادها وتاريخ المرأة في المناصب الريادية.


خدمة البرازيل


لا تتردد ديلما روسيف التي اعتلت سدة الرئاسة في البرازيل منذ يناير 2011، في التعبير عن حبها الشديد لوطنها كلما أتيحت لها الفرصة، ففي خطابها الأول بعد توليها أعلى منصب في البلاد قالت: “كرست حياتي لخدمة البرازيل، وأفنيت شبابي لتحقيق حلم بناء وطن يسوده العدل والأمان والديمقراطية..”، وفي خطابها التلفزيوني الذي وجهت فيه كلمة إلى الشعب البرازيلي يوم 11 يونيو الماضي عبرت عن هذا الحب بشكل براغماتي مواجهة الانتقادات التي لاحقتها فيما يخص الإنفاق على الاستعدادات لكأس العالم وأتى هذا التصريح قبل أقل من 48 ساعة على بدء نهائيات كأس العالم لكرة القدم التي تستمر شهرا كاملا وبعد عام من التظاهرات التي عبّرت عن رفض إنفاق البرازيل حوالي 11 مليار دولار تقريبا على استضافة البطولة التي تعتبر الأعلى تكلفة منذ بدء تنظيمها قبل 84 عاما.

وقالت روسيف: “إن الاستثمارات في الملاعب الرياضية والمطارات وغيرها من البنى التحتية ستكون ذات فائدة للبلاد على المدى الطويل، لقد قمنا بهذا الأمر من أجل البرازيليين” مكررة ما صرحت به من قبل بأن كل المشاريع التي نفذت من أجل البطولة “لن تكون في حقائب السياح عندما يغادرون”، ومن خلال خطابها سعت روسيف إلى تسليط الضوء على المشاريع التي نفذت في وقت يتذمر فيه سكان المدن التي تستضيف البطولة ومجموعها 12 مدينة من تأخر تنفيذ الكثير من مشاريع التنمية أو عدم تحول بعضها الآخر إلى واقع ملموس على الإطلاق.

ورفضت روسيف الأقاويل بأن الإنفاق على كأس العالم أدى إلى تراجع الاستثمار إلى حدّ ما في قطاعات الصحة والتعليم وغيرها من الخدمات العامة، مؤكدة على أن الإنفاق العام على الصحة والتعليم هي من بنود الموازنة التي شهدت نموا في الإنفاق أكثر من غيرها من القطاعات خلال فترة رئاستها، وأوضحت أنه منذ بدأت البرازيل في بناء الملاعب لكأس العالم قبل ثلاث سنوات أنفقت على الصحة والمدارس ما يزيد 212 مرة عما أنفق على الملاعب.

ويعتقد الكثير من البرازيليين أن التكلفة العالية لهذه الدورة والتأخير في تنفيذ المشاريع والوعود غير المنفذة هي نتيجة مخالفات مالية ويعود ذلك لسحابة الفساد التي تحوم في الغالب حول الاتحاد الدولي لكرة القدم والتاريخ الطويل من الابتزاز المالي في البرازيل نفسها، وقالت روسيف بهذا الصدد إن الحكومة تدقق في جميع أوجه الإنفاق وتعهدت بمعاقبة أي فاسد مصرحة “إذا ثبت وقوع أي مخالفات مالية سنعاقب المسؤولين عنها".

روسيف المعارضة الثائرة التي تتقن استعمال السلاح، والسجينة التي صمدت أمام أبشع أنواع التعذيب، والاقتصادية التي لعبت دورا هاما في تحريك عجلة الاقتصاد


تحديات الشعبية


وعلى وقع هذه الأحداث التاريخية التي تشهدها البرازيل وفي خضم الانتقادات والمعارضة والمظاهرات التي تواجهها ديلما روسيف والتي أدت إلى تراجع شعبيتها؛ كما أظهر استطلاع للرأي أجرته شركة أيبوبي لأبحاث الرأي العام، أن نسب تأييدها تواصل التراجع قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، وعند افتتاح مباريات كأس العالم في ساو باولو ردد مشجعون هتافات وجّهت شتائم عنيفة لرئيسة البلاد وكانت قد ردت عليها خلال كلمة افتتاح بطولة العالم للقارات في ملعب برازيليا الدولي بقولها “لن أسمح بترهيبي بشتائم يفترض ألا يسمعها الأطفال..”، ودعت مواطني بلادها إلى “عدم خلط كرة القدم بالسياسة” بعد عام كامل من تعرضها لصافرات استهجان في الشارع البرازيلي.

وقالت روسيف: “أنا وزميلاتي في الزنزانة لم يكن لدينا أدنى شك في ولائنا وتشجعينا للبرازيل لأن كرة القدم تأتي قبل السياسة”، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تشير فيها إلى تاريخها السياسي النضالي التي شهدت خلاله الكثير من نوبات التعذيب، وأكدت أن الإهانات التي تلقتها لن ترهبها أو تزعجها، قائلة: “لن تزعجني الاعتداءات اللفظية.. لن أفشل'.

وكل ردود الفعل هذه تنم عن قوة شخصية ديلما روسيف فهي تواصل الظهور برباطة جأشها المعهودة رغم كل ما تلقته من شتى تعبيرات الرفض والمعارضة والتظاهر، وهذا ليس مستغربا فهي السيدة التي تلقب بالمرأة الحديدية ذات الشخصية الفولاذية وهي “أهمّ نموذج سياسي في البلاد” بعد أن نالت في مارس 2014 “جائزةً المرأة الرائدة”، في نسختها السابعة التي يمنحها اتحاد التجارة بولاية بارانا البرازيلية.

وخلال خطاب أدلت به عشية مراسم تسلم هذه الجائزة قالت روسيف “بلا أدنى شك، هذا هو القرن الخاص بالنساء”، وعوّلت على الاستمرار في العمل من أجل مواصلة تقليص الفوارق بين النساء والرجال، في المجالين الاجتماعي والعملي، متابعة أن “كثيرات من النساء يتقاضين أجورا أدنى من الرجال، مقابل العمل نفسه، هذا يبرهن على أنه ينبغي علينا اعتبار كلّ إنجاز بمثابة بداية لإنجاز جديد".

وتحمل روسيف همّ النهوض بمكانة المرأة البرازيلية وتمكينها في جميع المجالات مثلما تحمل همّ النهوض بمستوى العيش في البلاد وخاصة بالنسبة إلى الفقراء لدرجة أنها لقبت بـ”أمّ الفقراء”، وهو ما دأبت عليه منذ توليها رئاسة البرازيل؛ إذ صرحت أمام الحشود التي احتفلت بفوزها في الانتخابات الرئاسية عام 2010: “أجدد التزامي العميق باجتثاث البؤس لدى جميع البرازيليين والبرازيليات.. لن نستكين طالما هناك برازيليون يعانون الجوع”، وأضافت “للمرة الأولى ستحكم امرأة البرازيل”، واعدة بأن نساء أخريات سيخلفنها على هذا المنصب، قائلة “نعم المرأة تستطيع”، مؤكدة أن “المساواة في الفرص تشكل مبدأ أساسيا للديمقراطية”.

هذه الوعود ليست متأتية من فراغ بل هي على صلة وطيدة بشخصية الرئيسة البرازيلية اليسارية التي تشبعت بمبادئ اليسار والشيوعية والاشتراكية لذلك فهي تؤمن بالمساواة بين الجنسين وبين فئات المجتمع وتؤمن بالحياة الكريمة للجميع، ويعود التاريخ السياسي لديلما روسيف إلى ما قبل توليها الرئاسة بكثير، فقد تميزت حياتها بالنضال منذ سن مبكرة ضد كل أنواع الدكتاتورية.

عام 1970 تم اعتقالها من قبل النظام العسكري الحاكم وقضت ثلاثة أعوام في السجن، وتعرضت لأبشع أنواع التعذيب


مهاجرة بلغارية


ولدت ديلما فانا روسيف يوم 14 ديسمبر عام 1947 في البرازيل لأب مهاجر (بلغاري الأصول) تقول مـصادر إنه كان ناشطا في الحزب الاشتراكي البــلغاري في عشرينات القرن المــاضي، لكن الاضــطهاد دفعه إلى الإقــامة في فرنسا ثم البرازيل، وهــناك تــزوج من امرأة برازيلية وأنجبا ابنة وحـيدة هي ديــلما التي أصبحت اليــوم رئـــيسة البرازيل الســادسة والثــلاثين وأول امرأة برازيــلية في المنصب بعد أن حــازت على نــسبة حوالي 56 بالمــئة من الأصــوات.

وفي عام 1964، حين بدأت الديكتاتورية العسكرية بتثبيت أقدامها في البلاد، انضمت ديلما روسيف إلى صفوف حركة المقاومة الطلابية، وعام 1970 تم اعتقالها من قبل النظام العسكري الحاكم وقضت ثلاثة أعوام في السجن، وتعرضت لأبشع أنواع التعذيب بعد أن انخرطت في النشاط المسلّح في منظمة كولينا المسلحة لمناهضة الحكم العسكري الذي رأت أنه ديكتاتوري ولا يراعي الحقوق العادلة للبرازيليين، وتعلمت استخدام السلاح، وقيل إنها العقل المدبر للعديد من الهجمات المسلحة حينها، كما عاشت فترة من الهروب والسرية، وتقول عن تجربتها السّجنية إنها عانت من التعذيب الوحشي خلال سجنها، ولكنها فخورة لأنها لم تفضح أمر رفاقها.

وبعد إطلاق سراحها، تابعت دراستها وحصلت على دبلوم في الاقتصاد عام 1977، وشاركت في إعادة هيكلة حزب العمل الديمقراطي وقابلت كلاوديو غالينو الذي رافقها في سنوات نضالها اليساري وكان هاربا معها طوال فترة زواجهما غير المستقرة، إلا أنها انفصلت عنه بالطلاق لتكمل مسيرتها مع القيادي العمالي كارلوس أراغو الذي انتهت علاقتها به بالطلاق أيضا بعد أن أنجبت منه ابنتهما باولا، وفي بداية التسعينات من القرن الماضي تولت وزارة المالية بحكومة ولاية بورتو أليغري ووزيرة للطاقة بحكومة ولاية غراندي دي سول، ثم التحقت بحزب العمال بقيادة الرئيس السابق لولا دا سيلفا الذي عينها وزيرة للطاقة في فترة ولايته عام 2002، ثم أكبر مستشاريه ورئيسة المكتب الرئاسي عام 2005 وحرص على مصاحبتها له في كل جولاته، وأطلق عليها لقب أمّ الفقراء، وهو اللقب الذي راق لروسيف وأرادت تطبيقه حينما قالت في حملتها الانتخابية، سأحكم البرازيل بالأسلوب نفسه الذي تعتمد عليه الأم في تربية أولادها.

تحمل روسيف همّ النهوض بمكانة المرأة البرازيلية وتمكينها في جميع المجالات مثلما تحمل همّ النهوض بمستوى العيش في البلاد وخاصة بالنسبة إلى الفقراء


خلافة رئيس نادر


وواصل دا سيلفا دعمه لديلما روسيف عندما أعلن أنها مرشحته لخلافته على منصب الرئاسة ودعّمها ووجهها خلال حملتها الانتخابية الرئاسية عام 2010، ولعل الفضل الأكبر في فوزها بالانتخابات يعود إليه نظرا لشعبيته الواسعة، وقد وعدت باتّباع النهج السياسي الذي بدأه عرّابها، المبني على تحرير الأسواق والمساعدات الاجتماعية، واعترفت له بالجميل في بدايات مشوارها الرئاسي قائلة بتأثر شديد: “أشكر بشكل خاص الرئيس لولا.. سأقرع مرارا بابه وأعلم أنه سيبقى دوما مفتوحا.. إن مهمة خلافته صعبة وتمثل تحديا، لكنني سأعرف كيف أكرّم هذا الإرث وأوسّع مداه".

إن مسيرة الرئيسة البرازيلية المليئة بالأحداث والكفاح ضد الدكتاتورية وتقلد المناصب العليا والمرموقة في الحكومة البرازيلية، قبل توليها الرئاسة، لا تلخص في سطور فهي المعارضة الثائرة التي تتقن استعمال السلاح، وهي السجينة التي صمدت أمام أبشع أنواع التعذيب، وهي الاقتصادية التي لعبت دورا هاما في تحريك عجلة الاقتصاد عند تسلمها حقيبة وزارة الطاقة وهي رئيسة موظفي مؤسسة الرئاسة والمستشارة الأولى للرئيس الذي سبقها لولا دا سيلفا.

وهي الرئيسة المرأة التي تميزت في منصب الرئاسة عن باقي رؤساء العالم بقوة شخصيتها وجرأتها خاصة في مواقفها الناقدة لسياسات الولايات المتحدة تحديدا فيما يتعلق بفضائح التجسس الأميركي على بقية الدول وعليها شخصيا، وهي الرئيسة الاستثنائية التي تهرب من الحراسة الرئاسية الصارمة وتتجول على دراجة نارية في بلادها، وهي اليوم تدافع عن حقوق البرازيل في أن تكون في أبهى الحلل وهي تستضيف كأس العالم لكرة القدم وتدافع عن وجهة نظرها بأن الاستثمارات في البنى التحتية لأجل ذلك ستعود بالخير على مواطنيها، ولا ننسى أنها مدافعة شرسة عن حقوق المرأة وداعمة دائمة لتمكينها من المشاركة الفعالة في المجتمع والسياسة والاقتصاد، وهي اليوم قائدة بلاد السامبا ذات التاريخ العريق نحو أفق النجاح في الاحتفاء بكأس العالم لكرة القدم هذا العام، ورائدته في تحسين أوضاع المرأة والفقراء.

14