ديليفري المخدرات ينشط في زمن الحجر الصحي

العزل المنزلي يزيد شراهة بعض المدمنين ويفتح باب الإقلاع لآخرين، بينما ينصح الأطباء الأفراد الذين يعيشون حالات القلق بألا يوجهوا مشاعرهم إلى استهلاك الكحول والمخدرات.
الجمعة 2020/05/08
لذة قاتلة

أزمة كورونا أتت أيضا على مهربي المخدرات والمدمنين، فالتجار الذين لا يتوقفون عن إبداع طرق التهريب وجدوا طرق توزيع جديدة تتمثل في إيصال بضاعتهم إلى الزبائن على طريقة الديليفري، أما المدمنون فقد يتعرضون لأزمات وحالات من القلق بسبب النقص في المخدرات، في حين يمكن لمن أراد الإقلاع عن هذه العادات السيئة أن يستغل فرصة تواجده في المنزل ليتخلص من الإدمان.

فيينا - ساهم غلق الحدود البرية والبحرية والجوية في الحدّ من تهريب المخدرات بين الدول ما دفع بالمهربين وتجار التجزئة إلى البحث عن حلول أخرى، كما اعتادوا على ذلك كلما ضيّق عليهم رجال الجمارك وأعوان مكافحة المخدرات الخناق، ففي اعتقادهم أن زمن الحجر في المنزل سيزيد من الاستهلاك بسبب القلق النفسي الذي يعيشونه في العزل.

وأظهر تقرير للأمم المتحدة الخميس أن شلل حركة النقل الجوي لا يؤثر فقط على النشاطات الاقتصادية القانونية، إذ يواجه تجار المخدرات أيضا نقصا في المواد الأولية الذين يحاولون تغيير خطوط التسليم التي تعطلها جائحة كورونا.

وقال مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، “إن إغلاق الحدود على نطاق واسع يؤدي إلى نقص في البيع بالتجزئة لاحظته دول عديدة، ما قد تكون له آثار صحية سلبية على المدمنين منها اللجوء إلى استهلاك مخدرات مصنعة مخبريا، ومنها الانتحار أيضا”، فيما يرى خبراء آخرون أنها يمكن أن تكون فرصة ثمينة لمن لهم الاستعداد النفسي للإقلاع عن الإدمان.

مخدرات محلية

توالت الشهادات على شبكات التواصل الاجتماعي حول لجوء كثيرين إلى شرب الكحول أو التدخين بسبب العزل المنزلي المفروض في معظم دول العالم، لكن ذلك يعني أيضا زيادة الإقبال على استهلاك المخدرات بحسب المختصين في علمي النفس والاجتماع.

وحذر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة من ارتفاع استهلاك المخدرات محلية الصنع في ظل شح المخدرات المكونة من الأوراق النباتية كالكوكايين والحشيش.

يقول فيليب باتيل وهو طبيب نفسي ومتخصّص في معالجة الإدمان إن “الروابط بين حالات الإجهاد بعد الصدمة وتناول الطعام راسخة تماما، إذ يردّ الجسم عبر اللجوء إلى الوسائل المعتادة أي المهدئات والكحول والمخدّرات”.

وتنصح إلسا تاسكيني، عالمة نفس متخصّصة والشريكة المؤسّسة لجمعية “أديكت إيل”، الأفراد الذين يعيشون حالات القلق المتزايدة بسبب العزل الذي يعيشونه “لا تسعى إلى توجيه مشاعرك عبر التدخين أو شرب الكحول أو استخدام العقاقير المخدّرة الأخرى”.

وحذّر باتيل من أنه كلّما طالت فترة العزل المنزلي، ازدادت الآثار السلبية التي سنشعر بها.

ويتابع “استهلاك المواد المهدئة يأتي نتيجة لفترة الانتظار، نقول لأنفسنا إنه سيساهم في التهدئة، لكن مع الوقت، يقل تأثيره المهدئ، وتتحوّل منافعه المتوقّعة إلى كآبة وربما إلى الإدمان”.

فرصة الإقلاع

حقنة سامة لـتأثيث الحجر
حقنة سامة لتأثيث الحجر

وعلى عكس المخاوف من تزايد الإدمان ومخلفاته السلبية، يرى خبراء أن العزل الصحي بسبب أزمة كورونا قد يكون فرصة لتعافي بعض مدمني المخدرات ممن كانت لديهم الرغبة السابقة للتخلص من شبح هذه الآفة التي دمرتهم اجتماعيا ونفسيا وجسديا.

قالت ميساء الرواشدة أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأردنية لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، “إن الانقطاع المفاجئ للمدمن لفترات طويلة عن المخدرات دون رغبة يعتبر امتناعا قسريا سيؤدي إلى إصابته بحالة نفسية وعصبية شديدة تؤثر عليه، ويخلق حالة من التوتر عليه وعلى أسرته خاصة في فترة الحجر المنزلي وحظر التجول”.

وأشارت إلى أن المدمن الذي لا يجاهر بإدمانه ستنكشف حالته التي يعاني منها أمام عائلته في فترة الحجر، لأنه سيمر بتغيرات جسدية ونفسية تؤدي إلى اعترافه بحاجته للمادة المخدرة.

ونبهت إلى أنه قد يتصرف بعنف مع من هم حوله، بل يكون مستعدا لارتكاب الجريمة سعيا للحصول على المخدرات.

وعن الأشخاص الذين كانت لديهم الرغبة في ترك المخدرات والإقلاع عنها، قالت الرواشدة إن فترة الحجر المنزلي هي فرصة لابتعاد المدمن عن رفاق السوء ونقص المخدرات.

وأكدت أن أسرة المدمن ستتمتع بخصوصية عالية في فترة العزل، خاصة أن المؤسسات القائمة على رعاية المدمنين لا تشهد ضغطا عاليا هذه الفترة بسبب التوجه إلى محاربة فايروس كورونا والوقاية منه.

ودعت أستاذة علم الاجتماع الأسرة إلى أنه في حال اكتشاف حالة إدمان أحد أفرادها، إلى اللجوء إلى الجهات المختصة برعاية المدمنين، لافتة إلى عدم قدرة مدمن المخدرات على ترك هذه الآفة بشكل مفاجئ، وإنما يكون تحت إشراف أطباء مختصّين يقللون الجرعة تدريجيا.

بالمقابل، يرى أستاذ علم الجريمة رياض الصرايرة، إن بعض المدمنين يقومون بتأمين أنفسهم بكميات من المادة المخدرة فيتعاطونها بشراهة بسبب الحجر المنزلي ولتواصلهم الكبير مع رفاق السوء عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وأكد الصرايرة على دور الأسرة في المراقبة، خاصة على من تعاطوها سابقا وتعافوا منها فقد تكون هذه الأزمة فرصة للرجوع للإدمان.

النقل والإنتاج

المنافذ البحرية تنشط سرا
المنافذ البحرية تنشط سرا

 أغلقت أفغانستان حدودها أمام الأفراد مع إيران وباكستان وقيدت الحركة داخل البلاد الأمر الذي قد يؤثر على محصول الخشخاش بين مارس ويونيو و”يعيق إنتاج الأفيون”، علما أن 90 في المئة من الخشخاش المزروع لأغراض غير قانونية يزرع في أفغانستان.

ويبدو أيضا أن إنتاج الكوكايين يتباطأ في كولومبيا بسبب نقص الوقود، والمخدرات الصناعية في لبنان كما في سوريا تعاني من نقص السلائف وهي المواد الكيميائية القانونية التي يتم تحويلها لتصنيع المخدرات.

وطالب مزارعو أشجار الكوكا، المستخدمة في صنع الكوكايين بدعم حكومي بسبب تضرر أعمالهم.

وانخفضت أسعار أوراق الكوكا المباعة لعصابات المخدرات بنسبة 70 في المئة منذ أن أعلنت بيرو إجراءات الإغلاق الصحي الشهر الماضي.

وقالت منظمات مزارعي الكوكا في البيرو، إن أكثر من 90 في المئة من المزارعين يبيعون في السوق السوداء، فيما تحاول بيرو السيطرة على إنتاج هذه الأشجار والسماح ببيعها فقط للاستخدامات الشرعية.

ويطالب المزارعون بتدخل الدولة لشراء منتوجهم، الذي تضرر الطلب الشرعي عليه بسبب ركود الاقتصاد المتأثر بانتشار فايروس كورونا.

ولا يواجه مزارعو الكوكا وحدهم المشاكل، وإنما جميع قطاع تجارة المخدرات في ثلاث قارات بسبب تناقص عمليات التهريب، وتأخير في التسليم.

وسجل ارتفاع أسعار المخدرات، مثل مخدر الميثافيتامين في الولايات المتحدة، بأكثر من ثلاثة أضعاف، فيما ازدادت أسعار المخدرات الأخرى مثل الكوكايين والهيروين بنسب أقل. وأعلنت سلطات الأمن في دول أميركا اللاتينية انخفاض الشحنات المصادرة من المواد المخدرة بنسبة تصل إلى أكثر من النصف.

وقال مراقبون إن إغلاق البارات والأماكن الترفيهية والأنشطة العامة، قد أدى إلى نقص كبير في الطلب على المخدرات في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا.

وقالت مصادر أمنية في الولايات المتحدة إن انخفاض أعداد السيارات المقبلة من المكسيك المجاورة، أدى إلى انخفاض أعداد الشحنات المهربة من المخدرات التي تدخل البلاد، كما أن نقصان المواد الخام التي تصنع في الصين والهند، يقلل الإنتاج.

التوزيع والتسليم

أسعار المخدرات مثل مخدر الميثافيتامين في الولايات المتحدة سجلت ارتفاعا بأكثر من ثلاثة أضعاف، فيما ازدادت أسعار المخدرات الأخرى مثل الكوكايين والهيروين بنسب أقل
شح المخدرات المكونة من الأوراق النباتية كالكوكايين والحشيش

تجار المخدرات حاولوا التعامل مع الواقع الجديد بإيجاد طرق جديدة للتهريب، كما أن بعضهم يحافظ على مسافة آمنة من العملاء لتجنب العدوى.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة “يبدو أن تجار المخدرات يكيفون استراتيجياتهم وقد بدأ بعضهم استغلال الوضع من أجل تعزيز صورتهم مع السكان من خلال توفير الخدمات خصوصا للضعفاء”، من أجل إيجاد فرص جديدة.

وكشفت منظمة الشرطة الدولية “الإنتربول” عن الطرق الجديدة التي يستخدمها المهربون لنقل المخدرات وتوزيعها، من ذلك خدمات الديليفري التي توزع المواد الغذائية والتي شهدت نشاطا متزايدا خلال فترة الحجر.

وتسلمت المنظمة تقارير من أجهزة الشرطة في عدة دول مثل أيرلندا وماليزيا وإسبانيا وبريطانيا ترصد سائقي توصيل ينقلون المخدرات مثل الكوكايين والماريغوانا والكيتامين وحبوب النشوة.

وضبطت الشرطة الإسبانية هذا الشهر 7 أشخاص يرتدون زي سائقي توصيل الطعام في أليكانتي وفالنسيا، ضبطوا وهم يسلمون الكوكايين والماريغوانا بالدراجات والدراجات النارية والسيارات، مع إخفاء بعض الأدوية داخل حقائب التوصيل للمنازل.

وألقت الأجهزة الأمنية في مصر القبض على شاب يقوم بخدمة توصيل طلبات الحشيش “دليفري” في إمبابة بمحافظة الجيزة مستخدما سيارة أجرة.

وكشف المتهم في التحقيقات أنه اضطر للعمل بالسيارة في هذه الظروف التي ينتشر فيها الفايروس لمواصلة نشاطه الذي تعطل بسبب الحجر.

وزادت جرائم الاتجار في المخدرات بمصر في الآونة الأخيرة، ويرجع الخبراء ذلك لتعطل النشاط الاقتصادي والتدهور الأسري.

وقال مسؤولون من الأنتروبول إن تجار المخدرات اللاتينية أرسلوا شحنات ضخمة من الكوكايين إلى أوروبا خلال الأسابيع القليلة الماضية، إحداها كانت مخبأة في شحنة من الحبار، على الرغم من انكماش التبادل التجاري المشروع عبر الأطلسي بسبب جائحة كورونا.

وضبطت الجمارك البريطانية 14 كغ من مادة الكوكايين  تقدر قيمتها بنحو  1.25 مليون دولار، خبأها مهربون في شحنة من الكمامات.

ينصح الأطباء الأفراد الذين يعيشون حالات القلق بسبب العزل بألا يوجهوا مشاعرهم إلى استهلاك الكحول والمخدرات
ينصح الأطباء الأفراد الذين يعيشون حالات القلق بسبب العزل بألا يوجهوا مشاعرهم إلى استهلاك الكحول والمخدرات

وقالت وزارة الداخلية البريطانية في بيان رسمي لها، إن كمية الكوكايين كانت في 15 رزمة مخبأة في صناديق مليئة بكمامات ضبطت لدى تفتيش شاحنة مسجلة في بولندا كانت متجهة إلى بريطانيا.

وصرح دارن هيربرت مدير عمليات إدارة مكافحة الجريمة في ميناء دوفر، بأن هذه العملية دليل إضافي على الطريقة التي تحاول بها الشبكات الإجرامية استغلال تفشي فايروس كورونا لمصالحها.

ومن أحدث طرق تهريب المخدرات التي برزت في الآونة الأخيرة كان تهريب بودرة المخدرات من هيروين وكوكايين في طوابع بريد، وتمكن المهربون بلصق بودرة الهيرويون والكوكايين على طوابع بريد يتم خدشها وإنزال هذه البودرة من عليها وإعادة تجميعها مرة أخرى.

وقال مسؤول بارز في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بوب فان دين بيرغ، “بناء على ما تم ضبطه من شحنات كوكايين أكبر من المعتاد، يمكن القول إن أوروبا أُغرقت بالكوكايين قبل إجراءات العزل العام”.

واستمر هذا الإغراق بالرغم من أن العديد من الدول الأوروبية، بما في ذلك أسواق رئيسية مثل بريطانيا وإسبانيا، تقيد حركة مواطنيها بشدة.

ويستغل المهربون بذكائهم المعهود كون واردات أوروبا من الفاكهة والخضر وغيرها من المواد الغذائية من أميركا الجنوبية تمثل واحدا من قطاعات قليلة لم تتأثر كثيرا بالوباء.

وثمة مؤشرات تدل على أن تدابير العزل أدت إلى زيادة الطلب على الحشيشة، ما قد “يكثف نشاطات الاتجار بين شمال أفريقيا وأوروبا”.

وبحسب بعض خبراء مكافحة المخدرات، فإنه من المحتمل أن تكون الاضطرابات هذه قصيرة الأجل، وستخف مع انتهاء حدة إجراءات الوقاية الصحية من الوباء، لكن “مع ذلك، فقد تمكن الفايروس التاجي من القيام بما لم تفعله السلطات في جميع أنحاء العالم، وهو إبطاء تجارة المخدرات العالمية بين عشية وضحاها تقريبا وإلحاق قدر من الألم بجميع المشاركين فيها”.

20