ديمقراطية اختيار التفاهة

الأحد 2016/11/20

بعد صعود عدد من الساسة التافهين في بلداننا وفي دول كبرى، كيف سيكون مصير عالمنا إذا أهمل التعليم والثقافة وتجاهلتهما السياسة بل عدتهما من التفاهات الزائدة عن الحاجة، وإذا ما هيمن المتشددون أو الشركات الكبرى على مصائر البشر وتكفلت بتنمية البلاهة وساقت البشر قطعانا للعمل في مصانع تستنزف الموارد الطبيعية في كوكبنا حتى النهاية؟ كيف سيكون حال العالم وكيف سيرى البشر أنفسهم وقد تحولوا إلى كائنات بلهاء تعزز أرباح الشركات وتهمل تنمية تعليمها ولا تأبه بانقراضها الوشيك؟

تخيّل مخرج فيلم أميركي كوميدي عنوانه “البلاهة” (إيديوكراسي) ما سيؤول إليه حال البشرية في أميركا بعد بضعة قرون عندما يستخف المجتمع بالثقافة ويحتقر القراءة والتعليم ويسخر من الكتب التي يعدّها إرثاً سخيفاً من القرون السالفة؛ فيصبح العلماء والمفكرون فئة منبوذة إذ يُعتبرون محرّضين على التفكير الذي يولّد الحزن والألم؛ فيظهر مجتمعٌ مذعن يتساوى جميع أفراده في البلاهة والخواء.

ويقف الجميع على شفير الفناء بسبب جفاف الأرض وجهل الناس بمهارات تكثير النبات وإنتاج المحاصيل واستبعادهم فكرة الزراعة تماما بعد أن أذعنوا لما فرضته عليهم الشركة العملاقة التي تخصصت بتصنيع شراب أخضر يسمى “براوندو” يستهلكه الجميع ويعطى للرضع بدل الحليب ويحتسيه الكبار كوجبة غذائية وبه ينظفون وجوههم وأجسادهم ويروون به المزروعات؛ فيؤدى ذلك إلى موت النباتات والأشجار تباعا على مرّ السنوات واستيلاء الشركة على جميع مصادر الغذاء الأخرى في أرض المستقبل.

يبارك الرئيس -وهو أميركي من أصل أفريقي ولا تخفى الإشارة العنصرية هنا إلى سبب الخراب- قرارات الشركة بمنع استخدام المياه للشرب أو الطبخ أو الزراعة واحتياجات الحياة اليومية إلا في دورات المياه والاكتفاء بالشراب الأخضر “براوندو” الذي يعمل ملايين البشر كعبيد في مصانعه الكبيرة وهي المصانع الوحيدة التي تبقت بعد انهيار الاقتصاد الشامل. أيّ مستقبل مريع يشير إليه هذا الفيلم الخيالي؟ وأيّ مصير ينتظر المجتمعات الخاملة التي تتخلى عن الثقافة وتنمية التعليم وتكتفي بسد حاجاتها الأولية لتبقى على قيد حياة أقرب إلى حياة البهائم؟

يكشف لنا هذا المصير المأساوي الذي ستؤول إليه البشرية في الفيلم شابٌ أميركيٌ متوسط الذكاء أخضعه البنتاغون لتجربة علمية عن السبات الصناعي عبر الزمن وتنجح التجربة ليستيقظ الرجل بعد مرور 500 عام ليكتشف أن المجتمع بلغ حداً من التخلف وسادت البلاهة والإذعان حياة الناس؛ فلا مدارس ولا كتب ولا علم بل حياة بدائية بليدة تفتقر إلى القيم الإنسانية وتُمارس فيها مشاعية حيوانية حيث تباح النساء لكل الرجال كما تفعل الجماعات المتشددة في زمننا. يصبح رجل البنتاغون متوسط الذكاء هذا أذكى شخص على وجه الأرض ويُطلب منه أن يحلّ لهم مشكلة الغذاء؛ فيقترح عليهم أن يقرأوا الكتب ليجدوا الحل لكنهم يسخرون منه.

يناقشهم بضرورة إعادة تعليم أنفسهم لتستمر الحياة لكنهم يسأمون من النقاش ويستسلمون للنوم أو ممارسة اللعب والجنس والرقص ويقرر استخدام الماء لريّ المزروعات فيستنكرون الأمر ويهزأون بالفكرة، غير أنه ينثر البذور في حقل ويواصل ريـّها بالماء بدل استخدام آلاف زجاجات الشراب، فتحشّد شركة “براوندو” مظاهرات بحجة أن عمله سيتسبب في طرد آلاف العمال من المصنع إذا توقف استهلاك الشراب، وعندما يتأخر إنبات البذور يتّهمونه بالخداع ويحكم بالإعدام وقبل تنفيذ الحكم تشاهد صديقته نبتة خضراء مورقة وتنقذه من الموت في اللحظة الأخيرة ويصبح رئيساً للوزراء ويخطب مبشراً بإعادة الهيبة للكتب والعلم والمدارس لمقاومة تصنيع البلاهة وترويجها في مجتمعات المستقبل.

كاتبة من العراق

13