ديمقراطية التكنولوجيا

التكنولوجيا تقدم المعلومة للمتلقي، وتزوده بالوعي حيال قضايا الرأي العامّ، وتمنحه الأحقية في تقديم الآراء في المسائل المحلية والإقليمية والدولية.
الثلاثاء 2018/11/13
وعي مجتمعي

يضعنا مبحث العلاقة بين الديمقراطية والتكنولوجيا صلب سياقين فكريين يؤكدان في المحصلة التلازمية القائمة بين “حكم الشعب” و”أحكام التقنية”.

فالسياق الأول كامن في المقاربة التاريخية التي تبسط لنا أهم محطات التقاطع بين الديمقراطية والتكنولوجيا حيث أنّ هذه الأخيرة جسدت جوهر وكينونة “فكرة الليبرالية” بما هي انفتاح للحدود الوطنية والقومية وعولمة للأفكار والتبادل الحر للمعلومات والتفاعل الكوني للمعارف والخبرات.

كانت الليبرالية ولا تزال فلسفة ثنائية الأبعاد، البعد الاقتصادي والذي خطه منظر الرأسمالية أدام سميث حيث إنّ الأخيرة -أي الرأسمالية- تعمل وفق مقولة “السوق الحرة” و”حرية الأفراد” و”الاستهلاك الفردي والجماعيّ”، و”تبادل السلع” وغيرها من المقولات المعروفة في التفكير الرأسمالي.

هذا التفكير سرعان ما أنتج صنوه السياسي المتجسّد في الديمقراطية والليبرالية السياسية -مع الفرق الموجود بين المصطلحين- بما تعنيه من تبادل حرّ للأفكار والمعلومات وتكوين الآراء المتعددة في المقاربات السياسية والثقافية إضافة إلى مبدأ الحرية الفردية والحريات الجماعية.

في هذا المفصل العلائقي بين الليبرالية الاقتصادية والسياسية، نشأت التكنولوجيا لا فقط بشكلها التقني والفني الصرف بل كفلسفة لـ”تعميم ودمقرطة المعلومة وتأمين التبادل الحر للمعطيات والأفكار والمعارف”.

ولم يجانب الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون الصواب عندما وصف مرحلة الإنترنت وتقنيات التواصل بـ”الطرق السيارة للمعلومات والبيانات”، وقد صدقت نبوءته بأن تحولت الشبكة العنكبوتية إلى فضاء أرحب للتدفق العالي والسريع والحيني والواسع واللامحدود للمضامين الإعلامية والاتصالية بشتى أنواعها.

هكذا تكون التكنولوجيا في سياقها العام والإنترنت في سياقها الأخصّ، التمظهر الثالث لليبرالية، من بعد الوجه الاقتصادي والسياسي الديمقراطيّ، بل قد تكون التكنولوجيا الأداة الأهمّ لتكريس فكرة الديمقراطية من حيث تعميم المعلومة والتقنية على غالبية مستخدميها وتكريس فكرة “الدمقرطة” النسبيّة بين مواطني المعمورة التي تستحيل بمقتضى ما تقدّم قرية صغيرة… حقيقة ورمزا.

السياق الثاني للمقاربة التلازمية بين الديمقراطية والتكنولوجيا كامن في الوظيفة التي تؤديها المحامل التكنولوجية بما توفره من فضاءات عامة افتراضية للمواطن، للتفاعل والتشارك والتداول في قضايا الشأن العامّ.

فالتكنولوجيا لم تقدّم فقط المعلومة والمعطى والمعارف للمتلقي بل زودته بالوعي المجتمعي حيال قضايا الرأي العامّ ومنحته الأحقية في تقديم الآراء والمشورة في المسائل المحلية والإقليمية والدولية. وهنا بالضبط تكمن قيمة فضاءات التواصل الاجتماعي على غرار فيسبوك وتويتر وإنستغرام ولينكد إن وغيرها من المنصات التواصلية الأخرى، حيث مكنت هذه الشبكات المستهلك من “الحق” المدني في تقديم الرأي، وبصورة أخرى وأهمّ في الانضواء صلب مبدأ “تشاركية الحكم”.

في صلب هذا المفصل المعرفي، نتبيّن أنّ مصطلحات مثل “الدمقرطة” و”التشاركية”، وجدت في فضاءات التواصل الاجتماعي أولا وفي المنتديات الإلكترونية ثانيا وفي تعميم التقنية التكنولوجية من هواتف ذكية وأجهزة كمبيوتر محمولة، الأصل الركين لتثبيت براغماتياتها الإجرائية والنظرية.

خلقت التكنولوجيا للديمقراطية رافدا افتراضيا تُكرس مخرجاته على الواقع ووسعت من فضاء الأغورا الذي كان محصورا لدى بعض الفلاسفة والعلماء وطورت من مقولة المجال العمومي لهابرماس حيث فرضت عليه فكرة “المجتمع الشبكي”، ولئن مهر أرسطو على باب مدرسته لا يدخل علينا إلا من كان رياضيا فإنّ الديمقراطية الراهنة من حقها أن تحبّر على أسوارها لا يدخل علينا إلا من كان محيطا بأدبيات التكنولوجيا وتقنياتها.

وبذات المنطق النسبي الذي أثمر التكنولوجيا، تفرض الأمانة والإنصاف في القول الإشارة إلى الآثار الجانبية للتكنولوجيا من حيث الاستلاب للتقنية واستبدال الفضاء العام الحقيقي بالافتراضي المتخيليّ، بمعنى سيطرة الاتصالي على التواصلي وتغيير منظومات التواصل من الحميمية والمباشرة إلى الاتصال القريب البعيد، وهو ما تعبر عنه علوم الإعلام والاتصال بأنّ “الكثير من الاتصال يقتل التواصل”.

وبنفس المنطق التحفظي قد يكون من الصواب النظر بالكثير من القلق إلى فوضى الآراء والمعلومات المزيفة التي تروج في الشبكات الاجتماعية، وإلى خطاب الكراهية الذي تفوح من الكثير من الصفحات المسيسة، الأمر الذي فرض استدرار مدونة قانونية وأخلاقية في التعامل مع المضامين الاتصالية والإعلامية المخالفة لكافة المواثيق والأعراف.

12