ديمقراطية حد الكفاف

الخميس 2017/01/19

ما معنى أن تدعي دولة أنها باتت عضوا كاملا بنادي الدول الديمقراطية بينما تعيش نسبة كبيرة من مواطنيها على حد الكفاف.

في ديمقراطية تونس اليوم هناك من يموت بردا ومن يغادر الحياة لتخلف الطبيب عن موعد العملية وهناك من فقد حياته لغياب طب الاختصاص أو بسبب حقنة مخدر فاسد.

يكشف الواقع اليومي عن الكثير من الجوانب المظلمة في الديمقراطية الناشئة، لم تنقشع بعد رغم مرور ست سنوات على انكشافها بالكامل بعد سقوط حكم بن علي، وتعهد السياسيين الجدد بترجمة أحلام المواطنين بدولة تحترم المعايير الشاملة للديمقراطية.

من المعلوم أن هناك تقاطعات بين مقاربات فقهاء القانون وخبراء التنمية بشأن تعريفات الديمقراطية، هي ليست طريقة حكم فحسب بقدر ما ترتبط أيضا بمعايير التقدم والحوكمة والرفاه الاجتماعي والاقتصادي الذي يمنح الفرد حد الكفاية في العيش.

يتعين على الدولة الديمقراطية أن توفر الخدمات الاجتماعية على قدم المساواة لكل مواطنيها. لكن في تونس لا يزال المواطنون يتطلعون إلى حكومة تعمل للحد مثلا من الفجوات بين القطاع الصحي العام والخاص، وبين ما هو متوفر من خدمات لعامة الناس وما هو متاح لدائرة ضيقة من أصحاب رؤوس الأموال.

ليس هناك من تفسير في مقابل اتساع هذه الفجوات سوى أن الدولة لا تضع في اعتبارها أن تحسين ظروف العيش وإرساء العدالة الاجتماعية هما من الأولويات القصوى وأن الحديث عن الديمقراطية لا يستقيم في ظل انعدام الفرص المتكافئة للمواطنين. فالاستثمار في الديمقراطية لا يجب أن يكون كلاما هلاميا تروجه الدولة وشركاؤها في الخارج للاستهلاك الإعلامي أو لتخدير الجماهير.

تورد المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن لكل فرد الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، وله الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته.

وفي تونس كما هو الحال لدى الشركاء المانحين، يجدر بنا التساؤل حول مدى نجاح الإدارة التونسية منذ 2011 في إحراز أي تقدم في تأهيل البنية التحتية للقطاع الصحي الموروث في أغلبه عن حقبة الاستعمار الفرنسي، وحجم الاستثمار الذي وفرته الدولة لتحسين الخدمات الصحية وكم من مستشفى جامعي شيدت الحكومات المتعاقبة.

لنكن صادقين، عدا الحريات العامة فإن صورة الديمقراطية الناشئة ليست وردية حتى الآن. فعلى أرض الواقع يرقد الكثيرون من الأحياء الأموات في مستشفيات تونس المتداعية بينما هناك منهم من خفض سقف مطالبه من الحق في العيش الكريم إلى الأمل في الموت بكرامة.

واليوم نسمع كلاما عن الهبات والمساعدات المشروطة بين أوروبا والديمقراطية الناشئة. لطالما كان الأمر كذلك أيضا مع حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي حيث تخضع المصالح المشتركة لمحك الأمن وملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب.

بخلاف ذلك لم يكن في وارد المانحين في تلك الفترة أن يضغطوا بشأن مآل مساعدات التنمية وما إذا كانت توظف فعليا وبشكل كامل لتحسين ظروف العيش لنسبة هامة من المنسيين.

لم تختلف الأمور كثيرا بعد 2011. ولأن الشيء يجر الآخر، فقد كان يتعين على المانحين أيضا استيعاب ما يعنيه الانتقال الديمقراطي الشامل، بين نظام الحكم وظروف عيش الناس، والوقوف على مدى استفادة قطاعات واسعة من الشعب من تلك المساعدات التنموية، بدل طرح الأسئلة ذاتها عن أسباب مخاطرة الآلاف من الشباب بشق البحار نحو الضفة الشمالية وكيف تحول أنيس العامري وغيره إلى قنابل موقوتة بين المدن الأوروبية.

لا يطمح التونسيون لأن يتحولوا إلى أمراء بعد ثورة 2011 حتى ينعموا بديمقراطيتهم الكاملة، لكنهم يحتاجون في المقابل إلى دولة ومؤسسات جديرة بتضحياتهم وإلى شركاء أصدقاء لا يحترفون الطعن في الظهر والتآمر في العتمة.

كاتب من تونس

4