ديمقراطية غرف النوم

هكذا هي الديمقراطية.. تُحاك في غرف النوم، وخاصة يوم الخميس، بعيدا عن إرادة وتصويت “العيال”.. إن لم يكن الشعب أيضا.
السبت 2018/08/18
بعد التصويت الديمقراطي

‏“أنا لا أفرض شيئا على أحد.. فقط أضع مسدسي على الطاولة وأقترح”. هكذا قال القائد الثوري المكسيكي بانشو فيا (1878ـ1923)، واسمه الحقيقي خوسيه دوروتيو أرانغو أرامبولا، قبل قرابة قرن من الزمان. وهكذا أؤمن أنا وإن بشكل آخر.. باختصار: من حقكم أن تختلفوا معي وتطرحوا أفكاركم بكل حرية بشرط وحيد: أن تنفذوا رأيي في النهاية!

كثيرون يرون في ذلك استعادة لعصر “سي السيّد” بكل دكتاتوريته، ولكن ليس معنى استنكاره أن يكون التمرد والخروج هما المعادل النقيض، وبهذا الشكل الفاضح الذي يقوّض سلطة ربان السفينة أو يشرك معه منافسا يعرضها للغرق، بزعم أن الديمقراطية “كنزٌ لا يفنى”، لأن الحقيقة أنها شعار فارغ يتم باسمه تسويق استبداد بشكل مختلف، ليس هذا مجال شرحه.

ولأننا رأينا بأمّ أعيننا نتائج وعد الديمقراطية الكارثية في بلداننا، خاصة في فوضى “الثورات” إياها، فقد تأكدت من التطور غير الطبيعي لـ”الحاجة الساقعة” وخاصة في بيوتنا العربية، حينما تبدّلت الأدوار وتنافرت، غاب “القط” تحت ضغوط الحياة أو ربما تكبيرا للدماغ، فلعبت كل “فئران” المطابخ والغرف السرية، لتنشأ ثقافة جديدة.. ليست “هجينة” باستنساخ ما هو أفضل، ولكن استغلالا للتناقضات الأسوأ ليتصاعد الفلتان من أسفل قِدر المجتمع حتى يطيح بغطائه.

وكانت هذه للأسف، نتيجة الديمقراطية “الأسرية” التي غسلت يدي منها مبكرا، تجنّبا لما هو أسوأ.. قد تكون فلسفة الفنان الراحل عبدالفتاح القصري في أحد أفلامه الشهيرة ومقولته “كلمتي لا ممكن تنزل الأرض أبدا” مقدمة صورية لحقيقة صورة الرجل النمطية في مواجهته مع زوجته، وبالتالي فإن عبارة “خلاص.. تنزل المرة دي” والمصحوبة بابتسامة كسيرة، باتت هي المشهد السائد قبل أن تأتي الزغرودة الوحيدة التي “لعلعت” من لسان زوجته المتسلطة ـ في الفيلم طبعاـ كنتيجة منطقية لـ”الكف” الذي هوى به عليها في أول تمرد له على سلطتها، لأنها أدركت أنها أمام “رجل” بجد، وليس مجرد ظاهرة صوتية.

بالمناسبة، اجتمع أفراد الأسرة على العشاء يوم الخميس، فبادرهم الأب في لحظة رضا: ما رأيكم.. نذهب غدا لبيت عمكم أم خالكم؟ احتجَّت الأم وقالت: خالكم طبعا، لكن التصويت “الديمقراطي” انتهى لصالح بيت العم، وانتهى الأمر بإقرار ذلك. صباح الجمعة ضحكت الأم وقالت للأولاد: استعدوا.. سنذهب إلى بيت خالكم. فتظاهر الأب بقراءة الصحيفة واكتفى بالموافقة في صمت.

هكذا هي الديمقراطية.. تُحاك في غرف النوم، وخاصة يوم الخميس، بعيدا عن إرادة وتصويت “العيال”.. إن لم يكن الشعب أيضا.

24