ديمقراطية قصيدة النثر

الأحد 2014/11/23
الحضارة البشرية تتطور في دورة متعاقبة متجددة من ثلاث حقب

في طور الآلهة، طور القداسة، لا يكون الكلام إلّا رمزًا، وتكون الترانيم المقدسة هي شكل التعبير الفطري. ثم وفي طور الملاحم، طور الأساطير التي هي “السرديات الحقيقية” للمخيلة، تسود الأنماط البطولية والنظام الطبقي والعروض والتراكيب الجملية المعقدة. وأمّا في الطور الثالث، الطور الأفقي، طور البشر العاديين، فإن “عمود” الشعر يتلاشى، ويزول -بحلول الثقافة الديمقراطية- النظام الطبقي وقواعد اللغة أو النحو، ثم يسود، بالفطرة، النثر.

وكان الفيلسوف الإيطالي جيامباتيستا فيكو (1668-1744)، قد جادل في كتابه “العِلم الجديد” (1725)، مستخدمًا إيتيمولوجيا معقدة، بأن الحضارة البشرية تتطور في دورة متعاقبة/متجددة من ثلاث حقب: الإلهية، والملحميّة، والبشرية. ثم تلقف الشاعر الأميركي روبرت بلاي هذا التصنيف”الثقافيّ” ليقول، في حوار أجراه معه بيتر جونسون في العام 1997، إنّ قصيدة النثر هي أكثر “ديمقراطية” من أشكال الشعر الأخرى؛ لأن الكتابة ضمن الضروب التقليدية مرتبطة “بالسيطرة”: هيمنة بنى “النظام” وسطوة أدواتها.

ولأن الأفراد، في المجتمعات الديمقراطية الشعبيّة، يصبحون، بالنسبة إلى فيكو، أكثر “منطقيّة”، فإنهم يتحرّون من سطوة البلاغة التي حكمتهم في الطورين الأولين، ويجنحون، بالفطرة، إلى النثر؛ إلى الكلام العادي “المبتذل”، وإلى لغة الحياة اليومية المتحرّرة من الاستعارة والمجاز.

وفي كرّاسه النثري، “آفاق ديمقراطية” (1871)، والذي ضمّ ثلاث مقالات بثّ فيها أفكاره عن دور الديمقراطية في تشييد أسس ثقافة أميركية جديدة، وصف والت ويتمان -الشاعر الذي هجر “الأوزان التقليدية وأنماط التّقفية” التي كان يكتب بها شعراء زمانه- بأنّ “الديمقراطية الجمالية” تعتمد على الاستخدام المتزامن للشعر والنثر، وبأنّ “الأفق الديمقراطيّ” هو نثر خاضع للشعر: ينحني النثر أمام سلطة الشعر، ولكن دون أن يفقد جوهره هو.

تتقاطع سلطة النثر الأفقية مع سلطة الشعر العموديّة في نقطة تمكّن الشعر من "دمقرطة" سلطته

هنا، وفي هذا “الأفق”، وفي تلك “الجماليّة”، يبحث الشاعر عن نوع أعلى للتعبير عن لغته اليومية: عن كتابة تصهر النثر في الشعر، والشعر في النثر؛ كتابة تقوّض “النظام” في الأصل: تتقاطع سلطة النثر الأفقية مع سلطة الشعر العموديّة في نقطة تمكّن الشعر من “دمقرطة” سلطته المستبدّة، وتمكّن النثر من التحرّر من سلطة “المنطق”، وتجعله يحلّق، بحريّة مطلقة، في فضاء المخيّلة الشعريّة.

ولا مناص، بالنسبة إلى ويتمن، لتحقيق ذلك النوع الأدبي، والذي سوف يكون الشكل الأمثل للكتابة في المرحلة الديمقراطيّة، إلّا بـ”اندماج” الشعر في النثر: أن يمتصّ النثرُ الشعرَ وينغمس فيه.

ولا يمكن لهذا النوع الذي يندمج فيه الشعر في النثر أن يتحقق دون “وسيط” مناسب، وهي القراءة. فالقراءة التي تحقق هذه الوساطة، بحسب ويتمن، هي “القراءة المحفّزة” لا “القراءة القاعديّة/المعياريّة”.

إذن، لا يمكن لقصيدة النثر أن توجد، صحيحة غير معتلة، إلّا في مجتمعات تعلي من شأن الفرد، لا الجماعة، وتقدس حريّته الشخصية. ولا يمكن لها، أيضًا، أن تحقق شرط وجودها، كشكل أدبي يجمع بين نوعين “متناقضين، إلّا بوجود قارئ مدرّب، وذي خبرة شعريّة”، قادر على التفريق بينها وبين الأشكال السردية الأخرى: القصة القصيرة جدًا، الشّذرة، السرد الخاطف، أو قَصص الومضة.

وهذا لا يعني، وفق رؤية روبرت بلاي نفسه، بأن على كل شاعر، في الحقبة الديمقراطية، أن يكتب قصائده بالنثر، فما زال ثمة شعراء، ممن يكتبون ضمن “التقليد”، أو حتى ضمن الأشكال المفتوحة بأنواعها المختلفة، ينتجون قصائد باهرة، متفوّقة.

كاتب من الأردن

11