ديمقراطية معطلة في زمن الوباء تفتح الباب للدكتاتوريات

كورونا فرصة الحكومات للتعسف وإساءة استخدام القرار وتقليص الحريات.
الخميس 2020/04/30
العالم في اتجاه نظم أكثر دكتاتورية

عجّل الوضع العام الذي فرضه وباء كوفيد – 19 بطرح أهم المفكرين والفلاسفة لمسائل هامة تهم مصير العالم وتخص على وجه التحديد مصير الديمقراطية في الكثير من الدول. وتأكدت هذه الطروحات التي تقول إن الحكومات باتت توظف الأزمة لخنق المجتمعات وتدشين نظم دكتاتورية، بعدما كشفت دراسة حديثة صادرة عن مؤسسة “بيرتلسمان” الألمانية ارتفاع عدد الدول الديمقراطية التي صارت تقوض سيادة القانون حاليا.

برلين - إن تفشي فايروس كورونا لم يفرض على العالم التساؤل حول شأن مصير الاقتصاد الدولي بفعل التدهور الذي أملاه الوباء فحسب، بل طرح أيضا الكثير من الاستفهامات حول بعض الدول الديمقراطية التي وضعت تحت اختبار هام يخص مدى صمودها أمام احترام المبادئ التي بنت عليها نظمها السياسية.

وبينت الأشهر الأخيرة التي حاصر فيها الوباء كل أركان العالم، أن هذه الجائحة الأخطر في تاريخ البشرية، نوعا من زيغ الحكومات عن الشعارات التي ترفعها والمفعمة بمفاهيم الديمقراطية.

وعلاوة على القرارات المتشددة التي فرضتها الحكومات لمكافحة الوباء وكذلك بعض مظاهر الاستبداد التي تعمدّتها دول معينة، فإن نسق الحياة في زمن كورونا فرض الكثير من مظاهر الابتعاد عن النظام الديمقراطي في عمقه، حيث يتغيب المشرعون عن البرلمانات، وتتأجل الانتخابات، كما لا تتعامل المحاكم إلا مع القضايا العاجلة، ويمنع التجمع وتقيد الحركة، في حين تتجول المركبات العسكرية في المدن، ويضطر الصحافيون إلى العمل من المنازل وقد توقفوا عن ملاحقة السياسيين.

ميلاد دكتاتوريات

مع تزايد البلدان التي أعلنت حالة الطوارئ العامة، تتزايد المخاوف بشأن مدى انتهاك التدابير -إن لم تكن مناسبة ومحدودة الزمن- الحقوق المدنية الأساسية وسيادة القانون، مع بقاء ما يقرب من ثلث سكان العالم في ما يشبه الحجر الصحي أو الحظر والعزلة.

وفي هذا الصدد رصدت دراسة حديثة ارتفاعا في عدد الدول الديمقراطية التي صارت تقوض سيادة القانون حاليا. ويرجح خبراء مؤسسة “بيرتلسمان” الألمانية، التي أجرت الدراسة، أن يزداد هذا العدد بقوة، وذلك بسبب تداعيات جائحة كورونا.

واستشهدت الدراسة بقوانين الطوارئ في المجر، التي تلغي لفترة محددة الفصل بين السلطات. وجاء في مؤشر التحول الدولي، الذي نشرته المؤسسة في مدينة جوترسلوه الألمانية الأربعاء “مكافحة كوفيد – 19 عززت الاتجاه نحو سلطة تنفيذية قوية”.

فلوريان بيبر: العديد من البلدان ستكون أقل ديمقراطية بعد كورونا
فلوريان بيبر: العديد من البلدان ستكون أقل ديمقراطية بعد كورونا

ويفحص المؤشر منذ عام 2004 كل عامين وضع حرية الصحافة والرأي وسيادة القانون في دول العالم. وبحسب التقرير، استغل بعض قادة الدول الأزمة الراهنة لترسيخ الهياكل الاستبدادية.

وقد صنف المؤشر، الذي شمل 137 دولة، 74 دولة بأنها ديمقراطية و63 دولة استبدادية. وبحسب الدراسة، بلغت نسبة الدول الديمقراطية حاليا 54 في المئة، بعد أن كانت نسبتها 57 في المئة عام 2010.

ورغم أن هذه ليست انتكاسة كبيرة بحسب تقييم الدراسة، فإن تقويض الفصل بين السلطات تم في 60 دولة خلال العقد الماضي.

وحسب معدي الدراسة، فمن اللافت للانتباه أن تقويض سيادة القانون والحريات يحدث في دول كانت مستقرة ديمقراطيا في الماضي، وأشار الخبراء في ذلك إلى القومية الهندوسية في الهند والشعبوية اليمينية في البرازيل، والمسار الاستبدادي للمجر البلد العضو في الاتحاد الأوروبي. ووفقا للدراسة، فإن الاتجاهات السلبية قابلة للعكس أيضا، مثلما أظهرته التطورات في دول كالإكوادور وأرمينيا وماليزيا.

وقال فلوريان بيبر أستاذ التاريخ والسياسة في جامعة غراتس النمساوية في مقال سابق بمجلة فورين بوليسي الأميركية إن الوباء وفّر للحكومات الدكتاتورية والديمقراطية -على حد سواء- فرصة للتعسف وإساءة لاستخدام القرار وتقليص الحريات المدنية.

ويرى بيبر -وهو مؤلف كتاب “مناقشة القومية.. الانتشار العالمي للأمم”- أن الإجراءات الحالية قد تنجح في التخفيف من انتشار الفايروس وتفشي الجائحة، لكن العالم سيواجه خطرا من نوع آخر؛ إذ ستكون العديد من البلدان أقل ديمقراطية بكثير مما كانت عليه قبل مارس من العام الجاري، وحتى بعدما يتراجع خطر الفايروس.

ويتابع أن الضوابط والتوازنات -غالبا ما- يتم تجاهلها من قبل السلطات التنفيذية في أوقات الأزمات، لكن الخطورة تكمن في أن تتحول هذه الإجراءات الاستثنائية المؤقتة إلى دائمة.

واستشهد المؤلف والأكاديمي النمساوي بخطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرا، إذ يقول فيه “نحن في حالة حرب”، معتبرا أن مثل هذا الخطاب الدرامي يسهم في حشد قوي لمواجهة الوباء، لكن قد تكون مثل هذه النداءات خطيرة؛ فالفايروس ليس جيشا عسكريا، ويمكن لاستحضار فكرة الحرب تبرير إجراءات قمعية، وتحويل أزمة صحية إلى أزمة أمنية.

المجر نموذجا

تعد دولة المجر من بين الدول المتهمة أوروبيا بمحاولة تقويض مبادئ الديمقراطية عبر توظيف الإجراءات المتشددة لمقاومة وباء كورونا.

واستثمر النظام المجري في هذه الأزمة ليزيد رئيس الوزراء القومي الشهر الماضي من تعزيز صلاحياته بعدما منحه البرلمان صلاحيات غير محدودة لإصدار مراسيم بقوانين وفرض أحكام بالسجن على من يعرقلون إجراءات كبح انتشار الفايروس أو من ينشرون معلومات خاطئة تتعلق بالأزمة.

وحذرت المفوضية الأوروبية، سابقا الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي المجر من تقويض الديمقراطية بقوانين مكافحة كورونا.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين “من الضروري ألا تأتي إجراءات الطوارئ على حساب مبادئنا وقيمنا الأساسية… لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية من دون حرية وإعلام مستقل”.

جورجيو أغامبين: الحكومات استنفدت مبرر الإرهاب لاتخاذ تدابير قمعية
جورجيو أغامبين: الحكومات استنفدت مبرر الإرهاب لاتخاذ تدابير قمعية

وأضافت في بيان “أي إجراءات طارئة يجب أن تكون في إطار الضرورة ومقيدة بشكل صارم. يجب ألا تستمر إلى أجل غير مسمى… على الحكومات التأكد من أن مثل هذه الإجراءات محل مراجعة دورية”.

كما قالت المفوضية الأوروبية إنها ستحلل وتراقب عن كثب تطبيق القوانين الجديدة في المجر التي تواجه اتهاما بتقويض الديمقراطية من خلال وضع الإعلام والأساتذة الجامعيين والجماعات الحقوقية تحت المزيد من سيطرة الدولة.

وتناول الكثير من المفكرين هذه المسألة التي باتت تهدد مستقبل الديمقراطية، حيث أكد الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين في بيان له مطلع الشهر الجاري إن “إجراءات الطوارئ التي اتخذتها الحكومات في سياق مكافحة تفشي جائحة كورونا غير عقلانية وغير مبررة”، مستندا إلى بيان المجلس القومي الإيطالي للبحوث، الذي اعتبر أن أعراض الجائحة تكون خفيفة أو معتدلة لأغلب الحالات.

وتساءل أغامبين متعجبا “لماذا تخلق السلطات الحكومية ووسائل الإعلام مناخا من الذعر، يتسبب في حالة استثناء حقيقية تتضمن تقييد الحركة وتعليق الحياة اليومية والعمل في مناطق بأكملها؟”، معتبرا أن تلك الحالة تؤدي إلى فرض “عسكرة حقيقية” على تلك المناطق، في صيغة وصفها الفيلسوف الإيطالي “بالغامضة وغير المحددة”، متنبئا بتعميم حالة الاستثناء على كافة المناطق.

واستعرض أغامبين “القيود الحكومية على الحرية”، التي أقرتها السلطات الإيطالية، معتبرا أنها غير متناسبة مع التهديد الذي تسببه “عدوى تشبه الإنفلونزا”، ولا تختلف عن الفايروسات المعدية التي تصيبنا كل عام.

وختم الفيلسوف الإيطالي بيانه قائلا “إن السلطات استنفدت مبرر الإرهاب لاتخاذ تدابير استثنائية”، ولهذا فإن “اختراع وباء يمنحها الذريعة المثالية لتعميم إجراءاتها التي تتجاوز كل الحدود”، مشيرا إلى حالة الخوف والفزع الجماعي، وما اعتبره “قبولا بتقييد الحكومات للحرية تحت ادعاء السلامة”.

ويشتهر الفيلسوف الإيطالي والمنظّر القانوني بكتابه “حالة الاستثناء.. الإنسان الحرام”، الذي يعتبر أن السلطات تستخدم الظروف الاستثنائية لتبرير تعطيل القانون، وحيازة السلطة المطلقة، مشيرا إلى تحولها إلى حالة دائمة حتى في النظم الدستورية الديمقراطية.

وامتد صدى تصور أغامبي ليحدث جدلا هائلا بين فلاسفة أوروبيين، حيث رد الفيلسوف السلوفيني الشهير سلافوي جيجيك قائلا إن رد فعل الفيلسوف الإيطالي هو نسخة متشددة من الموقف اليساري الشائع للنظر إلى الذعر والهلع كممارسة سلطوية للضبط والمراقبة والعنصرية.

وبحسب ما نقلته مجلة “فورين بوليسي” في تقرير سابق فإن الفيلسوف والكاتب الإيطالي سيرجيو بنفينوتو قال بدوره إن “الذعر الذي أصاب بلاده كان في الأساس خيارا سياسيا؛ لأنه في عصر تنتج فيه الديمقراطيات العظيمة “قيادات بشعة”، فإن المنظمات الدولية -مثل منظمة الصحة العالمية- تتخذ قرارات من شأنها تصحيح نزوات الفاشية الجديدة في ديمقراطيات اليوم”.

ويلاحظ الفيلسوف الإيطالي أنه في جائحة الإنفلونزا الإسبانية 1918، تصرفت السلطة السياسية بطريقة معاكسة تماما؛ فلم تخف حالة الوباء، لأنه في معظم الحالات كانت الدول المعنية في حالة حرب، وسُميت الإنفلونزا “الإسبانية” ببساطة لأنه في ذلك الوقت، وفقط في إسبانيا -التي لم تكن في حالة حرب- تحدثت وسائل الإعلام عن المرض، الذي يبدو أنه نشأ في الولايات المتحدة.

6