ديمومة الملاحم في الذاكرة الجمعية.. تأويل الثنائيات

الاثنين 2014/01/27
"ملحمة كلكامش" أقدم قصة كتبها الإنسان

لا شك في أنّ الملاحم هي أكثر ديمومة من الأجناس الأدبية الأخرى على الرغم من دنوّها من الخرافة والأفعال الخوارقيّة. لقد تسيّد المسرح لسنوات طويلة، ثم خلفه الشعر، وتبعته الرواية، لكن هذه الهيمنة لم تستمرّ طويلا ولم تصمد أمام رسوخ الملحمة أو الأسطورة في الذاكرة الجمعية، الأمر الذي يدعونا إلى التفكير في طبيعة هذا النمط الأدبي الخالد على مرّ التاريخ.

لا بدّ من الأخذ بنظر الاعتبار الفرق الجوهري بين الأسطورة والملحمة على الرغم من التقارب الكبير فيما بينهما. فغالبية أبطال الأسطورة من الآلهة، بينما غالبية أبطال الملحمة من البشر، كما تحتاج الملحمة إلى بعض الشروط والمميزات كي تصل إلى مستوى الأسطورة. ربما تكون “ملحمة كلكامش” هي أكثر الملاحم شيوعا بين القراء والباحثين والدارسين لأسباب عديدة أبرزها أنها أقدم “قصة” كتبها الإنسان بحسب الوثائق والرُقم الطينية الموجودة، التي اكتشفت في المكتبة الشخصية للملك الآشوري آشور بانيبال بنينوى عام 1853، وكانت تضمّ “12″ لوحا موجودة كلها في المتحف البريطاني بلندن.

على الرغم من قدم هذه الملحمة إلاّ أنّ رسوخها في الذاكرة الجمعية للناس لا يكمن في الإيغال الزمني فحسب، بل في طبيعة الأفكار والمفاهيم التي تضمنتها الملحمة والتي رفعتها لاحقا إلى مستوى الأسطورة الخيالية سواء من حيث البناء الفني، أم من حيث المحاور والموضوعات الكبرى التي قُدمت بطريقة فكرية تفلسف الحياة برمتها، كما تكشف عن النزوع البشري لفكّ لغز الحياة والموت، أو تفسير ثنائية الوجود والعدم، أو تأويل آلية البقاء والفناء.


وجود وعدم


لقد وردت عبارة “أساطير الأولين” في القرآن الكريم، وهناك ما يشابهها في كتب الديانات السماوية المقدسة كالكنزا ربا والتوراة والإنجيل وما إلى ذلك وغالبية هذه الأساطير هي قصص وملاحم تقترب كثيرا من الخرافة، وتحايثها، وتتداخل فيها إلى حدّ التماهي.

تُنسب “ملحمة كلكامش” إلى شين إيقي أونيني، لكن هناك من ينسبها إلى أناس متعددين أضافوا إليها العديد من الأفكار الفلسفية، والرؤى الجمالية التي قربتها من ذاكرة الناس الذين أحبّوها وافتتنوا بها. فثمة أفكار عديدة لا يمكن حصرها في مقال صغير هي التي رفعت من شأن هذه الملحمة وأفضت بها إلى منزلة الأسطورة. لنأخذ على سبيل المثال لا الحصر مستهل الملحمة وما انضوى عليه من محاور شديدة الأهمية من بينها الجمع بين الإلهي والبشري في آن معا.

فكلكامش، ملك أوروك كانت أمه آلهة خالدة، بينما كان والده بشرا فانيا، وبمعنى آخر أن ثلثيه إله، وثلثه الباقي بشر، وبما أن الآلهة قد استأثرت بالخلود فإنها قدّرت الموت والفناء للبشر، وهذا هو السؤال الفلسفي الأول الذي دفع كلكامش، بوصفه بشرا، لأن يبحث عن سرّ الخلود ويضع قارئ النص أمام ثنائية البقاء والفناء.

سبقت هذه الملحمة حتى الآن، ما لم يظهر دليل دامغ ينسف هذه الحجة، غيرها من الملاحم أو الأجناس الأدبية في تناول فكرة الاستبداد فكلكامش كان يستبيح نساء أوروك ويدخل عليهن قبل أزواجهن، كما كان يسخِّر الناس لبناء سور أوروك العظيمة، أي بمعنى أن ثنائية القامع والمقموع قد وجدت طريقها إلى هذا النص الخالد، هذا إضافة إلى سمات استبدادية أخرى يمكن تلمّسها بين تضاعيف هذه الملحمة.


همجية ومدنية


ما من مُستبد في العالم إلاّ وله ندّ أو نظير لذلك أقدمت الآلهة “أورورو” على خلق “أنكيدو”، الكائن البشري الذي يمتلك صفات حيوانية، أتاحت لنا أن ندرس ثنائية الهمجية التي تمثلت بـ”أنكيدو” والمدنية التي تجسّدت بـ”كلكامش”، كما تُحيل هذه الثنائية إلى القوة العضلية والقوة الذهنية.

لا بدّ أن تحضر المرأة في هذه الملحمة بأشكال متعددة كما هو الحال مع الإلهة “أورورو” أو مع “شمخات” التي أغرت “أنكيدو” وروّضته إيروسيا، قبل أن تحيطه علما بالمعطيات الحضارية التي جعلت منه لاحقا ندا لـ”كلكامش” وصديقا حميما له. ستحضر المرأة بقوة عن طريق “عشتار” التي رفضها “كلكامش” وأهان أنوثتها، وصاحبة الحانة “سيدوري”، وزوجة “أوتنابشتم” التي التمست من بعلها أن يدلّه على عشبة الخلود التي ستسرقها الأفعى لاحقا حينما يغط في نوم عميق.

يتجسد الصراع بكل أشكاله في هذه الملحمة سواء بصراع كلكامش مع أنكيدو أول الأمر أم صراعه مع خمبابا والثور السماوي، أم تجشّمه عناء السفر الطويل عبر بحار الموت كي يصل إلى أوتنابشتم الخلود، ليكتشف أن الخلود قد يتجسد في العمل وما يخلفه من آثار فكرية أو عمرانية أو ثقافية. هل أحبت الذاكرة الجمعية الفكر والثقافة والفنون فأضافتها إلى هذه الملحمة، أم أنها أحبت الصراع بين القامع والمقموع فأبرزته بهذه الطريقة التي تستجيب لتطلعات الكائن البشري في كل ركن من أركان المعمورة؟

لا شك في أن الموت هو المهيمن الفلسفي الأبرز في هذه الملحمة لكن النصحية التي يقدمها النص الملحمي مفادها أن الإنسان عليه أن “يملأ بطنه، ويبهج زوجته، ويحضن ولده، وينظف جسمه” مع الأخذ بعين الاعتبار إعمال الذهن، والولوج إلى غابة السؤال الفكري والفلسفي، وما ينجم عن ذلك من تلبية للشؤون الثقافية والفنية.

16