ديناصورات الثقافة تعيق كل مشروع جديد في تونس

مبادرات تطوعية تخدم الثقافة في الأحياء الشعبية.
الجمعة 2020/11/27
على الدولة دعم المشاريع الجديدة والطموحة

لا اختلاف على أن الثقافة هي صد منيع ضد التطرف وطريقة مثلى لتحقيق التنوير وحتى الازدهار الاقتصادي من خلال الاعتماد على القوة الناعمة، لكن في تونس ورغم أن الدولة لم تتوقف عن دعم القطاع الثقافي، فإنه ما زال يعاني من فساد المسؤولين واستكراش بعض مدعي العمل الثقافي، وهو ما تدعو إلى تجاوزه مبادرات شبابية فردية جديدة.

الفضاءات الثقافية في تونس تنتشر في العديد من الأحياء والأزقة، خصوصا في مدينة تونس، ولكن أن تقتحم الأحياء الشعبية والفقيرة، فهذا أمر ينبغي التوقف عنده، ومباركته والاحتفاء به، بل مواجهته بسؤال يتعلق بالفاعلية والجدوى، وضرورة تنبيه الجهات المسؤولة وسلطات الإشراف إلى مدى أهمية هذا النشاط الاجتماعي والثقافي، وعظمة دوره في تشذيب النفوس وتهذيبها، وحمايتها من الوقوع في براثن العنف والتطرف، خصوصا لدى الشبان والمراهقين، وكذلك الأطفال.

أخيرا تنبهت بعض وسائل الإعلام المحلي والدولي في تونس إلى ما أقدم عليه الشاب الثلاثيني في منطقة الجيارة من حي سيدي حسين (أحد الأحياء الشعبية والفقيرة المتاخمة للعاصمة تونس)، إذ أقدم نبيل عيساوي، وثلة من أصدقائه المتحمسين إلى تحويل مكان منسي ومهجور، كان يستخدم مصبا للفضلات، إلى فضاء ثقافي تصدح فيه أصوات الموسيقى والغناء، ويمارس فيه أطفال وشبان هواياتهم في المسرح والرسم والتعلم على العزف.

مشروع طموح

فضاء "الموت" يعود للحياة
فضاء "الموت" يعود للحياة

أقدم نبيل ورفاقه على هذه الخطوة التي وصفها جيرانه بـ”النبيلة”، وثمّن كل من زار هذا المكان الذي أصبح مؤنسا وعامرا، يفوح منه عطر الموسيقى والغناء، بعد أن كان مكبّا للفضلات تنبعث منه روائح القمامة ولا يؤمه إلا الذباب ومروجو المخدرات وحبوب الهلوسة.

ويقول نبيل بمنتهى الفخر والشعور بالانتصار إنه استطاع أن يحول وكرا للتعاطي والاتجار بالمخدرات، وسلب ونهب المارة في الظلام، إلى فضاء آهل بالحياة، يستنشق الفن ويروم حب الحياة، دون مساعدة من السلطات المعنية ومؤسسات الدولة التي ظل المكان على ملكيتها دون أن تفعل فيه شيئا طيلة سنوات.

الشاب الثلاثيني الذي يعمل مدربا للرقص ويرأس جمعية المنصة الفنية للثقافة والفنون، استفاد من خبرته في هذا المجال وأفاد أبناء حيه ممن ذاقت بهم السبل ولم يحظوا بالتفاتة من الدولة رغم متاخمة حيهم للعاصمة وشوارعها الرئيسية التي تحظى بحصة الأسد من التنشيط الثقافي وفضاءاته المتخصصة.

 فكرة نبيل، لاقت استحسان سكان الحي، ووجد تشجيعا غير مسبوق منهم، ذلك أن ألمعية المشروع ونبل توجهاته قد راقت لأبناء الحي المهمش، ونبهتهم إلى وجاهة الفكرة ودورها في تهذيب النفوس وصقل المواهب، فتنقذ بذلك أطفالا ومراهقين من الضياع وسلك طرق الانحراف.

 يقول صاحب هذا المشروع الطموح إن كل فرد منهم جاد بما لديه؛ فبعضهم أسهم بلوحات وقطع فنية، وآخرون بآلات موسيقية وأدوات مدرسية، وهناك من تكفلوا بعملية التنظيف والترميم والدهان، وما إلى ذلك من مقتنيات تؤثث لهذا الفضاء الثقافي الذي استحدث من لا شيء.

هذا العمل التطوعي يأتي لسد الفراغ الذي عجزت سلطات الإشراف عن تحقيقه وسط تجاذبات سياسية ونزاعات حزبية لا تغني ولا تسمن من جوع، ولا طائل من ورائها.

الشاب نبيل يقول بكل فخر واعتزاز “كان المكان مخيفا ومتسخا ولا حياة فيه، فقد كان معقلا لتعاطي المخدرات”. وفي المقابل، هناك من يستغل الدعم المالي الذي تسنده وزارة الثقافة عبر صناديقها المتفرقة، من أجل مصالحهم الخاصة.

مستكرشو الثقافة

ثلة من شباب تونس تحول مكان منسي ومهجور، إلى فضاء ثقافي تصدح فيه أصوات الموسيقى والغناء حبا في الحياة
ثلة من شباب تونس تحول مكان منسي ومهجور، إلى فضاء ثقافي تصدح فيه أصوات الموسيقى والغناء حبا في الحياة

لا يحصى في تونس عدد الذين تحصلوا على مساعدات وقروض ميسرة من المال العام بدعوى أنهم يؤسسون لـ”مشاريع ثقافية” ثم يبلعون تلك الأموال ويصرفونها على مشاريعهم الخاصة وبناء الفيلات الفخمة والمحلات التجارية.

الأسماء الملمعة من ديناصورات المسرح والسينما والفن التشكيلي، وحتى الغناء والموسيقى في تونس، تنفرد بهبات وعطايا صناديق الدعم الثقافي، بينما يحرم منها الموهوبون الحقيقيون لقلة علاقاتهم في أروقة ومكاتب الوزارة المعنية. ويبادر أنقياء ومتحمسون مثل نبيل، للعمل التطوعي في الأحياء المعدمة والفقيرة لزرع شجرة أمل من جهودهم الخاصة، وبتآزر من سكان الحي الفقير، من أولئك المتعطشين للخبز الثقافي والخائفين على أبنائهم من الفساد والانحراف.

مبادرة الشاب نبيل في تأثيث فضاء ثقافي وسط حي شعبي فقير قد تنجح لكنها تبقى محدودة وتستحق الدعم

تجمع غالبية المهتمين والمتابعين للشأن الثقافي التونسي على أن الدولة ليست مقصرة في دعم الثقافة والمثقفين، منذ نشأتها، وبفضل رجالات خدموا البلاد منذ فجر الاستقلال كالراحلين الشاذلي القليبي ومحمود المسعدي، لكن البوصلة فقدت اتجاهها في ما بعد فذهبت الأموال إلى غير مستحقيها في ظل تفشي الفساد الذي ينخر أول ما ينخر حقول الثقافة والفنون والإعلام.

امتلأت بطون الاستكراش الثقافي في تونس بأموال كثيرة من الخزينة العامة وعلى حساب دافعي الضرائب من ضعاف الحال. أصبحت وزارة الثقافة لدى هؤلاء بقرة حلوبا تدرّ الأموال على المنتفعين منها، وصرنا نقرأ عن إنتاجات سينمائية ومسرحية تفوق مئات الملايين فنكتشف عند مشاهدتها أنها جعجعة بلا طحين بل إن بعضها مجرد مشاريع وهمية وطبخات حصى لا تسمن ولا تغني من جوع.

أمام هذا التوزيع غير العادل للأموال المرصودة في خدمة الثقافة على مستوى الأفراد والجهات في تونس، تزداد الهوة بين فئات وشرائح المجتمع، وتميل كفة الميزان لصالح الانتهازيين من المستفيدين فيتشوه المشهد الثقافي ويزيد اغترابا عن محيطه الاجتماعي ويفرز إنتاجا مشوها وممسوخا.

الأمر الذي بات معروفا ولا يخفى على العيان هو أن أي منتج ثقافي ينحاز إلى مموليه والجهات الداعمة له كما هو الحال في الأفلام السينمائية التونسية الممولة من جهات أجنبية، حيث ركنت إلى تلك النظرة السياحية والنزعة الغرائبية، لذلك كان الأولى أن ترصد الأموال في فائدة كل ما يعبر عن الفئات العريضة من الناس أي “من الشعب إلى الشعب” رغم كثرة ترداد هذا الشعار على ألسنة الانتهازيين وضعاف الموهبة.

قد تنجح مبادرة الشاب نبيل في تأثيث فضاء ثقافي وسط حي شعبي فقير، لكن هذه المبادرات التطوعية تبقى محدودة ومقصوصة الجناح في مجتمع يشكو الفقر والعجز على توفير الاحتياجات الأساسية، عندئذ يصبح النشاط الثقافي ضربا من الترف الزائد عن الحاجة كما حصل مع مشروع الجامعة الشعبية في حي الملاسين الشعبي بالعاصمة تونس، حيث لم يتمكن باعثاه المتحمسان إليه نصرالدين السهيلي وكمال الزغباني من الاستمرار بسبب غياب الدعم الكافي وتغول المستثمرين في الثقافة من طبقة الأغنياء الجدد.

14