ديناصورات الماضي وغلاة الحاضر

السبت 2015/03/21

على غرار”الرّبيع” الذي تأتي به الطّبيعة في بلادنا مرّة كلّ سنة ليمكث ثلاثة أشهر يذهب بعدها ليعود من جديد محمّلا بالجديد في دورة دائمة هي الأبد، أراد شباب “العالم العربي”، كفاعلين مجتمعيين مسكونين بوعي نهضويّ ملحّ يتجاوز العرق والطائفة والمذهب وكلّ ثنائية تناحرية مهلكة، أن يحاكموا واقعهم الضّاري باستلهام قانون الطبيعة الذي يحكم تجدّدها عبر توالي الفصول، وذلك بأن يجعلوا من الرّبيع فصلا من فصول مجتمعاتهم وأوطانهم؛ فصلا يتمكّنون، مع توالي مجيئه عبر صيرورة الحياة والزّمن، من متابعة إجراء ما يلزم من استبدالات تعيد دورة الحياة الإنسانية في مجتمعاتهم إلى طبيعة طبيعية، أو تصوّب مساراتها، بما يليق بصيرورة الحياة ورفعة الأوطان وكرامة النّاس.

أراد شباب العرب استبدال شباب وطنهم الحيويّ الواعي بشيخوخته المتحجّرة الخرفة؛ أرادوا استبدال سدّ الرّمق بالمسغبة، والارتواء بالظمإ، والكرامة بالمهانة، والنّور بالعتمة، والعدل بالظّلم، والإنصاف بالإجحاف، والمساواة بالمحاباة، والمشاركة الفاعلة في صنع الحياة بالقعود العاجز والجمود والانتظار المهيض. لقد أرادوا استبدال كلّ شيء بكلّ شيء.

أرادوا استبدال وجودهم الفاعل في الحياة بوجودهم المؤجّل في حياة لها خصائص الموت؛ أرادوا ترك الواقع القائم القاتم والذّهاب، بجدارة وثقة، إلى واقع ممكن مضيء. لقد أرادوا استبدال الحياة بالموت، غير أنّ من يسمّون بـ”ديناصورات الماضي والمتطرّفين في قراءة الإسلام”، كانوا ولا يزالون لهذا الحراك الشّبابي الحياتي النّهضوي الخلاّق بالمرصاد، فعملوا كلّ ما في وسعهم مدعومين ومعزّزين على نحو متواصل وربما غير مسبوق بقوى الاستبداد المحليّ المتجذّر في واقع طال بقاؤه واستفحل تهتّكه، والاستعمار العالمي المهيمن الذي لم يكفّ، ولن يكفّ، عن تبديل الأقنعة، ورعاة “النظامين الإقليمي والعالمي” من مشايعين وأتباع ومنظمات مصالح ونفوذ، ومن دول استعمارية كبرى وقوى إقليمية مستبدّة تابعة لها أو تتوخّى توسيع حضورها ودورها ومصالحها عبر إعادة إنتاج إمبراطوريتها الآفلة، على إجهاضه، وليس ذلك بـادّعاء “ملكيته” أو “سرقته” أو “خطفه” فحسب، وإنما أيضا بتحويله إلى حراك قاتل يتأسّس على تلك “الفوضى الْمهلكة”، التي ألقوا عليها من الصّفات ما يناقض حقيقتها حين اصطلحوا على تسميتها بـ”الفوضى الخلّاقة”!

ومع أني لا أحبّذ استخدام عبارة “ديناصورات الماضي” لتوصيف قوى الاستعباد والاستبداد والاستعمار، أو عبارة “المتطرّفون في قراءة الإسلام” لوسم أولئك الذين تقنّعوا بالإسلام لتغطية وجه الوحش الضّاري الذي أيقظوه في دواخلهم ففقدوا مع اكتسابه إنسانيتهم، وذلك لأنّ الديناصورات قد انقرضتْ، لحكمة أرادتها الطبيعة أو لغضب منها على تماديها في سرقة الهواء وإخافة غيرها من الكائنات الحيّة، بينما تلك القوى “الإنسانية!” التي يستعار اسم الديناصورات المنقرضة لتوصيفها لا تزال تملأ العالم، وتتكاثر، وتترسّخ حضورا في رحابه وأنسجة خلاياه، تماما كأولئك المتقنّعين بالإسلام الذين لم يتطرّفوا في قراءته، أبدا، لأنهم لم يقرأوه، أو هم لم يحاولوا قراءته، أصلا، فالأعمّ الأغلب منهم أميّ مسكون بالجهل، لأنه لا يعرف إن كان ثمّة من وجود لقراءة أو كتابة أو حساب!

ولأنّ هذا الأعمّ الأغلب من الذين سحبهم المتطرّفون، على تنوّع سلطاتهم وأصولهم وقواهم ومنطلقات تطرّفهم وغايات غلوّهم، لاستيطان الكهوف والأقبية المعتمة، مسكونون بالجهل، فقد كانوا هم -ومن دون وعي منهم أو بوعي غائم غامض محكوم بالخرافة والجهل والضّلال، وتحت ضغط المظالم التي استهدفتهم بها أنظمة الاستعمار والاستبداد على مدار قرون عديدة- أقرب النّاس إلى السّقوط المريع في مهاوي الإرهاب الأعمى وأوكاره، إنهم أوّل ضحاياه، وهم وقود المحارق، وشفرات المقاصل، التي يواصل نصبها هذا الإرهاب للحياة والحضارة والنّاس.

لقد أمكن لقوى التّطرّف والإرهاب، أيّا كانت مسمياتها وأماكن انتشارها، أن تدّعي لنفسها حقّ إنتاج المعرفة وتعميمها، مغتصبة هذا الحقّ من أصحاب العلم الخالص والمعرفة الحقّة، فما أنتجت إلا أيديولوجيات مصطنعة توسّلت لإنتاجها أسهل السّبل، وليس من سبيل أسهل من استغلال الدّين وتمثّلاته المجتمعية وقوّة حضوره الرّمزي وانتشاره الواسع لاصطناع أيديولوجيا زائفة، شديدة الغلوّ والتّطرّف، لكونها لا تتوخّي شيئا سوى حشد الأنصار والأشياع والمنتسبين والمرتزقة الذين لم يكن لهم، ولن يكون لهم، في إطارها من مهمة وغاية إلا تأبيد السلطة، التي أنتجت الجهل الذي يعتنقونه راضين أو مجبرين، وتعميم الإرهاب الوحشي الذي ينتجه ذلك الجهل، والذي لن يقودهم إلى شيء سوى الهلاك المجّاني المعجّل، الذي فوقه سترفع تلك القوى راياتها السّوداء!

ناقد ودبلوماسي من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16