ديناميات جديدة في العلاقات الخليجية البريطانية

السبت 2014/08/09
السوق الخليجية تمثل مشتريا هاما لمقاتلة "التايفون" البريطانية

لندن – فرضت المتغيرات الإقليمية والدولية على المملكة المتحدة مراجعة سياستها مع دول الخليج العربي وتصحيح مسارها وإعادة توجيه الخطط الدفاعية والأمنية للعودة إلى منطقة الخليج باعتبار أن الروابط الجيوسياسية العريقة بين الطرفين هي مصدر متين للدعم.

عرفت علاقات بريطانيا مع دول الخليج العربي مدّا وجزرا تخللها الكثير من التوتّر على مستوى العلاقات الخارجية، على خلفية عديد من المسائل، بعضها بسبب تقارير مشبوهة تهدف إلى ضرب استقرار دول الخليج، وبعضها الآخر على علاقة بالتآمر البريطاني الإخواني التاريخي على دول الخليج العربي والمنطقة ككل.

لكن، لوحظ مؤخّرا نشاط بريطاني مكثّف تجاه الخليج العربي، قال خبراء إنه يتنزّل ضمن استراتيجية جديدة للخارجية البريطانية تهدف إلى تصفية الأجواء مع الشركاء الخليجيين. وأكّد ذلك مشاركون في ورشة مغلقة نظّمها المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية، “تشاتم هاوس″، بالتعاون مع مركز الدراسات الخليجي، بعنوان “ديناميات جديدة في العلاقات الخليجية البريطانية” لمناقشة العلاقة بين دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة وتطورها في المستقبل في خضم ديناميات إقليمية متغيرة.

خلال الورشة لفت مراقبون إلى أن بريطانيا بدأت تستوعب التغيرات في المنطقة وتعمل اليوم ما في وسعها للتخفيف من حدة الأزمة التي وقعت بينها وبين دول الخليج التي تربطها بها صفقات بمليارات الدولارات وعلاقات استراتيجية حيوية.

تناولت الحصة الافتتاحية للورشة التحديات المهمة التي تواجه كلا من المملكة المتحدة ومجلس التعاون الخليجي في المناخ الدولي الراهن فضلا عن المصالح المشتركة بين الطرفين.

150 ألف بريطاني يعملون في دول الخليج العربي

وأجمع المشاركون على أنه في ظل تنامي قوة روسيا وتراجع الدور الأميركي في المنطقة وهدوء الاتحاد الأوروبي يجب تطوير نوع جديد من الشراكة بين المملكة المتحدة ومجلس التعاون الخليجي مع الأخذ في الاعتبار مصالح كل طرف وأهدافه واهتماماته.

في إطار التغيير الإقليمي تم التطرق إلى صعود دول الخليج كقوى إقليمية، وشدّد أحد المشاركين على الأسئلة التي تطرحها هذه الحقيقة بالنسبة إلى المجموعة الدولية بخصوص كيفية التوفيق بين مصالح الدول الخليجية وتشريك الجميع في العمل السياسي، فمثلا يجد صانعو السياسات البريطانيون أنفسهم أمام صعوبة إيجاد التوازن بين المصالح التجارية وقضايا حقوق الإنسان.

كما أجمع المشاركون على أن وجود شرق أوسط ينعم بالسلام هو مسألة تحظى باهتمام كل الفاعلين الدوليين، فسواء تعلق الأمر بالطاقة أو الغذاء أو الأمن البشري تتقاسم كل من دول الخليج والمملكة المتحدة مصلحة مشتركة في الحفاظ على الاستقرار في المنطقة.

في هذا الإطار استشهد أحد المشاركين بنجاح التعاون المشترك بين المملكة المتحدة ودول الخليج في محاربة الإرهاب، بينما عبّر آخرون عن الأمل في توسيع التعاون الاستراتيجي بين الطرفين ليشمل مجالات أخرى ذات الاهتمام المشترك مثل الملف النووي الإيراني.

ولاحظ البعض أن أهم قضيتين تؤرقان دول مجلس التعاون الخليجي هما الربيع العربي والبرنامج النووي الإيراني، فضلا عن السياسة الخارجية الإيرانية. بالنسبة إلى مسألة الربيع العربي فقد أحدثت شروخا داخل مجلس التعاون، مما أدى إلى عدم الاستقرار في منطقة تتميز ببنية تاريخية تدعم قيم المحافظة وتفضل التغيير التدريجي بدل التغيير السريع.

كما ولّدت مخاطر أمنية، مما سمح لفاعلين خارجيين باستغلال الظروف لمصالحهم الخاصة وإيجاد الفضاء المناسب لانتداب التنظيمات الإرهابية وتمويلها وتسليحها.

طال النقاش بين المشاركين في الورشة حول المسألة الإيرانية، إذ عبّر الكثيرون عن الانشغال حول أجندة إيران المفترضة للهيمنة في المنطقة ، خصوصا على خلفية وجود فراغ أمني. وطرحت فكرة أن القوى الدولية منشغلة خصوصا ببرنامج إيران النووي على حساب توازن القوى في المنطقة.

وشدد أحد المشاركين على أولوية قبول البلدان الإقليمية لإعادة إدماج إيران في المنظومة الدولية مع ضرورة أخذ انشغالات الدول الخليجية في الاعتبار في التوصل إلى أي قرار بين إيران والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن زائد واحد.

بيد أن المشاركين اختلفوا في مسألة تشريك المجموعة الدولية لدول مجلس التعاون الخليجي في المفاوضات مع إيران، أو في مسألة هل يجب أن تخلق الكتلة الإقليمية مبادرات موحدة لتعزيز دورها في العملية. ومع ذلك اتفق الجميع على أن مجلس التعاون الخليجي هو لاعب أساسي في السعي إلى إرساء الاستقرار الإقليمي.

دول الخليج تطور سياسات تهدف إلى التأقلم مع الظروف المتغيرة في المنطقة متفادية القلاقل الجارية في أماكن أخرى


تأثير التغيير السياسي


برهنت التطورات الإقليمية على إثر الغزو الأميركي للعراق على أن محاولة إرساء نموذج ديمقراطي في الشرق الأوسط باءت بالفشل. زيادة على ذلك تؤكد الأوضاع الحالية في بلدان الربيع العربي أن المبادئ الديمقراطية لا تطبق بسهولة في البلدان التي لا تسمح البنية الاجتماعية فيها بقبولها.

وتم التطرق، خلال ورشة “تشاتم هاوس″ إلى دور المملكة المتحدة في إرساء عدة أنظمة حكم ما بعد الاستقلال في الخليج بما في ذلك المساهمات في برامج التعليم، إضافة إلى مقاييس قطاع الإعلام.

ولوحظ أن الخليج العربي يشهد دفعا نحو الحوكمة الجيدة عوض الديمقراطية الغربية وخاصة من الأجيال الشابة، ويجب أن يتواصل ذلك التقدم على خطى ثابتة في الوقت الذي تطور فيه دول الخليج سياسات تهدف إلى التأقلم مع الظروف المتغيرة في المنطقة متفادية القلاقل الجارية في أماكن أخرى.


التحالفات الخارجية


طرحت مسألة آثار التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط على العلاقات البريطانية الخليجية، فلاحظ أحد المشاركين أن هذه العلاقة تمر بفترة إجهاد، وهو أمر طبيعي بما أن كل التحالفات تمر بفترات مد وجزر نتيجة التطورات الدولية والإقليمية. ونوه مشارك آخر بظاهرة نزوع بلدان الخليج نحو الشرق في سياق علاقاتها الاستراتيجية في ظل غياب التدخلات من البلدان الشرقية في شؤون الدول الخليجية.

ولوحظ أن ذلك قد يمثل تهديدا لشراكة بريطانية خليجية قوية وشاملة، لكن كان هناك توافق عام بأن الروابط الجيوسياسية العريقة بين الطرفين هي مصدر متين للدعم.

وعبّر بعض المشاركين عن عدم رضاهم باستضافة المملكة المتحدة لعناصر متطرفة تحاول زعزعة الاستقرار وإحداث التوترات في الشرق الأوسط.

ورأى البعض أن ذلك يمثل عائقا أمام روابط ثنائية بين الطرفين على أساس الثقة والروابط التاريخية.

يذكر أن استياء جهات خليجية وبريطانية رأت أن لندن تستهين بمصالحها الاستراتيجية لفائدة مجموعات تحوم شكوك حول علاقتها بالإرهاب، دفع برئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إلى إجراء مراجعة لفلسفة وأنشطة جماعة الإخوان، وفتح تحقيقا بشأنها مع إمكانية حظر الجماعة المتنفذة في بريطانيا.

المعلومات التي ينقلها الإعلام البريطاني لا تأتي من المسؤولين الحكوميين والسياسيين بل من مجموعات التفكير الغربية


العلاقات الدفاعية والأمنية


تشهد الأولويات الأمنية للشريكين، الخليجي والبريطاني، تغيرات في خضم المناخ الإقليمي المتقلب، مما يتسبب في خلافات في بعض الأحيان. وبالرغم من ذلك رأى المشاركون في ورشة “تشاتم هاوس″ أنه من الأهمية بمكان دعم العلاقات الأمنية والدفاعية بين المملكة المتحدة ودول الخليج مع إمكانية توسيعها لتشمل مجالات أخرى.

ولاحظ البعض أن المملكة المتحدة تحافظ على علاقات دفاعية ثنائية مع كل بلد خليجي على حدة أقوى من علاقاتها مع المنظمة ككل، كما أن السياسة الخارجية مازالت تقرر بشكل أحادي في كل عاصمة من العواصم الخليجية.

لكن هذا لا يعني أن المستقبل لن يأتي بمزيد التنسيق بين السياسات الدفاعية والخارجية في المنطقة وبالتوازي مع علاقات أمنية أشد صلابة بين دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة.

بالرغم من أن الأزمة الاقتصادية لسنتي 2007 و2008 أدت إلى تراجع الموارد المخصصة للجيش والدفاع يبقى الخليج منطقة تحظى باهتمام كبير بالنسبة إلى المملكة المتحدة.

وأثار أحد المشاركين مسألة مدى الحاجة إلى تواجد عسكري مادي في الخليج، علما أن المملكة المتحدة هي إحدى القوتين الكبريين في أوروبا (إلى جانب فرنسا) التي تمتلك قدرات على ارسال قوة عسكرية للتدخل السريع.

لكن مقابل هذه القدرات أثيرت مسألة مدى استعداد البلاد لتسخير نفسها لمعالجة المخاوف الأمنية الدولية والإقليمية، والمثال على ذلك هو التردد في التدخل في الصراع السوري.

بيد أن المشاركين أتفقوا على أهمية إجراء حوار أكثر شمولية لتعزيز التعاون بين المملكة المتحدة والدول الخليجية قصد تحسين العلاقات وإعادة بناء الثقة بين الطرفين.

تتقاسم دول الخليج والمملكة المتحدة مصلحة مشتركة في الحفاظ على الاستقرار في المنطقة


العلاقات داخل البيئة الإعلامية


خلال المناقشات أثيرت المشاغل حول دور الإعلام في ما يرتبط بالعلاقات البريطانية الخليجية، بما في ذلك آثار الصورة السلبية التي يعطيها الإعلام البريطاني عن الخليج، إلى جانب الفرص المحتملة التي تقدمها الثقافة والصحافة.

وتم لفت النظر إلى أهمية كيفية نظر الجماهير الخليجية والبريطانية إلى بعضها البعض وخاصة زمن الأزمات. في هذا الصدد ساد شعور بين المشاركين بأن الإعلام البريطاني يتخذ عموما موقفا منتقدا ومنحازا تجاه الخليج في ما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان.

وبالرغم من أن ذلك الانتقاد لم يكن له تأثير يذكر على التعاون في مجال الاقتصاد والدفاع، ينطوي ذلك الموقف على الإضرار بالسمعة، وهو أمر من المحتمل أن يوتر العلاقات والترتيبات الاقتصادية.

وتمثل وسائل الإعلام الاجتماعي تحديا جديدا في الوقت الذي تكافح فيه الحكومات من أجل إدارة سمعتها وصورتها الخارجية وتحسينهما.

وشدد آخرون على النظرة الخاطئة بأن الدولة البريطانية تتحكم في الاعلام، وبالتالي تستخدمه لممارسة الضغط على الخليج مبينين أن الحكومة في الواقع محترسة من الإعلام الذي لم يعد منذ الحرب الأخيرة على العراق يثق في المصادر الحكومية.

أثار أحد المشاركين مسألة رد البلدان الخليجية على القضايا المطروحة في الإعلام البريطاني التي تخصها، ويلاحظ أن المعلومات عموما لا تأتي من المسؤولين الحكوميين والسياسيين بل من مجموعات التفكير الغربية الموجودة في الخليج.

تأتي الخلاصة، التي خرجت بها ندوة المعهد الملكي البريطاني حول آفاق العلاقات بين دول الخليج العربي والمملكة المتحدة، متوافقة مع دراسات وأبحاث عديدة نشرت في الفترة الماضية تشير إلى أن بريطانيا تعيد توجيه استراتيجيتها نحو الخليج العربي.

وتشير الدراسات إلى أن انسحاب بريطانيا من الخليج سنة 1971 أحدث فراغا أمنيا دفع الولايات المتحدة إلى التدخل، واليوم تسعى بريطانيا، وفي في ظل التوتر الخليجي الأميركي، إلى إعادة دفّتها صوب المنطقة الخليجية العربية.

وفي الواقع، تندرج الجهود الحثيثة التي تبذلها المملكة المتحدة في إطار إعادة صياغة التعاون المشترك مع دول الخليج.

وقد أفرز هذا التعديل في السياسات التزامات جديدة تجاه دول الخليج في مجالات التجارة والدفاع والأمن، كانت عبارة عن استراتيجية واضحة المعالم.

ويمكن في الواقع تحقيق تكامل في البرامج العسكرية والاستراتيجية والسياسية للعمليات، ولكن على أساس الشفافية بهدف ضمان سياسة بريطانية واضحة تجاه منطقة الخليج.

7