ديناميكية جديدة تحرك التحالف الاستراتيجي الأميركي السعودي

الخميس 2015/02/05
أوباما يجد أن استعداء السعوديين ليس في مصلحة الولايات المتحدة

الرياض – قوبلت زيارة أوباما الأخيرة إلى السعودية باهتمام كبير في الأوساط الأميركية والدولية، خاصة وأن أوباما زار الرياض على رأس وفد كبير ومتنوع من سياسيين جمهوريين وديمقراطيين فضلا عن خبراء عسكريين وأمنيين. وهذه الخطوة، يقول الخبراء، إنها جاءت للتأكيد على حتمية التوافق بين واشنطن والرياض بخصوص التحديات المشتركة التي تتطلب معالجتها التعاون والتنسيق، خاصة بعد أن تأكد لدى واشنطن أن السياسة الاستراتيجية التي تتبعها السعودية منذ عقود لا محيد عنها مهما تبدلت الظروف وتغيرت الأوضاع.

يشكّل اليمن وأمنه جزءا من الأمن الوطني لدول مجلس التعاون الخليجي، وما يحصل حاليا من انقلاب على السلطة الشرعية واعتداءات متعددة وسيطرة على مؤسسات الدولة ومرافقها، من قبل الحوثيين هو تهديد خطير للمنطقة بكاملها.

لذلك أعلنت الدول الخليجية، في الاجتماع الاستثنائي الأخير لوزراء خارجيتها، “أنها ستتخذ الإجراءات المطلوبة لحماية أمنها واستقرارها ومصالحها الحيوية في اليمن”، وهي رسالة واضحة إلى الفرقاء اليمنيين، وخصوصا الحوثيين، بأنّها لن تقف متفرّجة على ما يحصل من تطورات خطيرة، ومحاولات إيران استثمار تحالفها مع الحوثيين لتحقيق طموحاتها في المنطقة.

ومع سيطرة الحوثيين، ازدادت خطورة النفوذ الإيراني في المنطقة في سياق صراع المصالح وجمع أوراق الضغط السياسي والاقتصادي. وبدأت طهران تتحدث عن قوة نفوذها في السيطرة على المياه بعد احتلال الحوثيين مدينة صنعاء، وقد زعم يومها الكاتب الإيراني محمد صادق الحسيني قائلا “صرنا سلاطين المتوسط والخليج، والمحيط الهندي والبحر الأحمر”.

وفي 17 يناير 2015، نشر موقع “تسنيم”، المقرب من المرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي، تصريحات ليد الله شيرمردي (من مكتب خامنئي) جاء فيها “إن صبر إيران تجاه أنظمة في المنطقة له حدود، السعودية تلجأ إلى سلاح النفط لمحاربة إيران، إن التصرف السعودي سيفرض تغييرا على كل دول الخليج وأنظمته”، مشيرا إلى أن “كل طرق مرور النفط بدءا من باب المندب والسويس حتى مضيق هرمز تحت سيطرة إيران”.

وقلّل الخبراء الاستراتيجيون من قيمة هذه التصريحات، وصنّفوها في خانة الدعاية والحرب النفسية، والغاية منها استفزاز القوى في المنطقة، وخصوصا السعودية ومصر. وذهب الخبراء إلى اعتبار أخبار تحرّش الحوثيين بمضيق باب المندب تسريبات إيرانية القصد منها اختبار مدى الاستعداد الإقليمي والدولي للتدخل عسكريا ضد الجماعة. وأكّد خبراء أمنيون أن محاولة جماعة الحوثي، ومن خلفهم إيران، السيطرة على مضيق باب المندب ستكون بمثابة انتحار للجماعة باجتياز خط أحمر غير مسموح بتخطيه إقليميا ودوليا، نظرا لأهمية هذا المضيق في الملاحة البحرية الدولية.
خطورة تطورات انقلاب الحوثيين في اليمن ونفوذ إيران في العراق وسوريا ولبنان وغزة محور محادثات الأربع ساعات بين الملك سلمان بن عبدالعزيز وباراك أوباما

ولا يتوقّع حسن أبوطالب، الخبير في الشؤون اليمنية والمستشار بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية أن ينجح الحوثييون “في التمدد داخل اليمن، والوصول إلى مرحلة السيطرة على مضيق باب المندب”، موضحا لـ”العرب”، أن تحرك القيادة المصرية والسعودية في هذا الصدد، يأتي كرسالة قوية وحاسمة للحوثيين وحليفتهم إيران. وقال الخبير في الشؤون اليمنية “إذا كانت هناك مغامرة حوثية في هذا الموضوع، سوف يكون هناك رد دولي، ومصر والسعودية جزء من هذا التحرك الدولي”.


تحالف استراتيجي


كانت خطورة تطورات انقلاب الحوثيين في اليمن ونفوذ إيران الذي يمتد عبر العراق وسوريا ولبنان وغزة، أساس محادثات الأربع ساعات بين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز والرئيس الأميركي باراك أوباما في 27 يناير بالرياض. وجرى التركيز على تحديات تهدد الأمن الوطني السعودي بشكل مباشر، مثل الانهيار الأمني في اليمن والعراق وسوريا، والاستفزازات الإيرانية وتداعياتها الخطيرة على المنطقة بكاملها.

هذا اللقاء أثار اهتماما دوليا كبيرا، حيث تسبّبت إيران في تعكير صفو العلاقة بين واشنطن والرياض، التي كان موقفها حاسما ومؤثّرا. وأثبت السعوديون أنهم لن يسمحوا لأوباما بأن يحقّق طموحه في أن يذكره التاريخ بأنه غيّر مسار أكثر العلاقات الشائكة في التاريخ الأميركي، على حساب أمن المنطقة واستقرارها.

وبرهنت الرياض أنها مستعدة -مثلما حدث قبل نحو 40 عاما عندما فرضت حظرا نفطيا بسبب دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في حرب 1973- لتحدي واشنطن دفاعا عن مصالحها الإقليمية، وكان ذلك واضحا في تداعيات أزمة النفط الحالية.

بنجامين رودز: "الزيارة فرصة للتأكد من أننا نصطف بشكل جيد للمضي إلى الأمام"

وتلاقي سياسة أوباما معارضة من نسبة كبيرة من صنّاع القرار والخبراء الأميركيين، من ذلك ما أشار إليه جون هانا مستشار الأمن القومي السابق، والباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، بأن أسبابا كثيرة تدعو للتشكيك في تحقيق أمل أوباما وحدوث انفراجة دبلوماسية في الجهود المبذولة لإنهاء البرنامج الإيراني النووي في عام 2015، وخاصة أن سجل إدارة أوباما ليس فيه “ما يجعلنا نقتنع بأنها ستنجح في تلك المهمة”.

من هذا المنطلق، لقيت زيارة أوباما الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية إشادة أميركية ودولية. خاصة وأن أوباما قد زار الرياض على رأس وفد كبير ومتنوع من سياسيين جمهوريين وديموقراطيين فضلا عن خبراء عسكريين وأمنيين. وهذه الخطوة، وفق الخبراء الأميركيين، جاءت للتأكيد على متانة العلاقات الثنائية وأهميتها، وحتمية التوافق على التحديات المشتركة التي تتطلب معالجتها التعاون والتنسيق الثنائي.

ووصف بعض أعضاء الوفد أن الاهتمام الأميركي يشكل إعلانا سياسيا صريحا على حرص أوباما على العودة إلى القواعد التي تضمن استمرارية التحالف الاستراتيجي بين البلدين ومستلزماته.

وقد كان من اللافت في وفد أوباما مشاركة السناتور جون ماكين، الذي عارض سياسة أوباما، ويرى أن أي اتفاق مع إيران يمكن أن يشكّل خطرا كبيرا، فحسب رأيه “لا يمكن الوثوق ببلد يمتلك سجلا طويلا من الخداع مثل إيران”.

وخلال زيارته الأخيرة للسعودية ضمن الوفد الأميركي، وصف ماكين السعودية بأنها “تمثل حصنا رئيسيا ضد التوسع الإيراني”. أما وزير الخارجية السابق جيمس بيكر فقد أشاد بالمملكة على أنها “تنعم بالاستقرار” لكنه استطرد قائلا “إذا نظرت حولك، خصوصا ما حصل خلال الأيام القليلة الماضية في اليمن، سترى السعودية محاطة من كل الجوانب تقريبا بدول تعاني مشاكل صعبة بشكل غير عادي، إذا لم تكن دولا فاشلة”.

ووصف نائب مستشارة الأمن القومي الأميركي بنجامين رودز الزيارة بأنها “فرصة للتأكد من أننا نصطف بشكل جيد للمضي إلى الأمام، حيث تكون لنا مصالح متقاطعه”، وشدد رودز على أن “القمة السعودية – الأميركية تطرّقت إلى القضايا الرئيسية التي يوجد فيها تعاون بين البلدين، ومنها الحملة ضد داعش والوضع في اليمن”.

إيران، المنهكة اقتصاديا، تعلم أن تهديد مسالك ناقلات النفط يحمل مخاطر حرب في المنطقة سبق أن هددت بها الولايات المتحدة


واشنطن تختار الرياض


في إطار المصالح، يلاحظ أن تحالف الولايات المتحدة مع المملكة العربية السعودية خاصة ودول الخليج عامة، تحكمه العلاقات الاستراتيجية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، وقد جعل مزيج مصالحها الاقتصادية والسياسية في المنطقة إحدى أهم الأولويات في استراتيجيتها. وبما أن الاهتمام الأميركي يتمحور حول النفط، فإن الأهمية المركزية لدول الخليج في سوق النفط العالمية، هي التي تفسر متانة وديمومة عمق الانغماس الأميركي في شؤون المنطقة على امتداد السبعين عاما الماضية.

وعلى الرغم من أن أزمة النفط وتراجع الأسعار قد تضررت منهما الولايات المتحدة جراء خفض إنتاجها وخصوصا من النفط الصخري، فإن بعض المراقبين يرون أن التمسك بسقف إنتاج أوبك قد تم باتفاق سعودي – أميركي، وهدفه ضرب الاقتصاد الروسي وتضييق الخناق الاقتصادي على إيران.

أما بالنسبة إلى محاولات إيران، المنهكة اقتصاديا، السيطرة على طرق نقل النفط بين مضيق هرمز وباب المندب، فقد اعتبره المراقبون نوعا من استعراض القوة والتهديد بها، ولكن الجميع يعلم بما فيها إيران، بأن تهديد مسالك ناقلات النفط، يحمل مخاطر حرب في المنطقة سبق أن هدّدت بها الولايات المتحدة، وهي تأتي ضمن استراتيجيتها العسكرية في ضمان حرية المرور في الممرات الدولية، خصوصا وأن أساطيلها البحرية موجودة في المنطقة وبحاجة إلى حركة مرور متواصلة. وإيران التي تفاوض الدول الست على مشروعها النووي، هي بغنى في الظروف الراهنة عن اندلاع حرب في المنطقة.

وفي هذا المجال تبرز أهمية الرسالة في مستوى وفد الولايات المتحدة الكبير وتنوعه، وهي أنه مهما كانت واشنطن مصرة على نقلة نوعية في العلاقة مع إيران، إلا أن علاقتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج تبقى نقطة الانطلاق للمصلحة الأميركية البعيدة المدى.

6