ديناو منغيستو يعود إلى الجذور على خطى الطيب صالح

مثلت قصص الأجداد وسيرهم محور العديد من الروايات العالمية، حيث يخوض الكاتب في أدق التفاصيل مستخلصا العبر من أحداث مرّت، وهو ما فتئ يسقطها على الواقع المعيش. وقد يعود الكاتب إلى جذوره في كثير من الأحيان، خصوصا إذا كان أفريقيا يعاني من العنصرية، الثيمة التي أثثت أغلب مواضيع روايات الكتّاب الأفارقة. ومن خلال الرواية يمكننا رصد حقبة تاريخية مضت بكل ما فيها من معاناة أحيانا، من خلال تصوير أدبي توثيقي لشخصيات حقيقية وأيضا متخيلة، تلعب دورا رئيسيا في تحديد مسار الرواية التي خطط لها الكاتب مسبقا.
الخميس 2015/10/08
هل تختفي العنصرية يوما أم أن نظرة العنصرية ستظل قائمة

كان الكاتب الأثيوبي الأصل ديناو منغيستو المولود عام 1978 في الثانية من عمره لما فرّ مع عائلته إلى الولايات المتحدة الأميركيّة هربا من الأوضاع المأسويّة في أثيوبيا، والتي شهدت اضطرابات متتالية عقب سقوط نظام هيلاسيلاسي.

وبعد تخرجه من جامعة “كولومبيا”، أصدر رواية بعنوان “الأشياء الجميلة التي تحملها السماء”، وفيها يروي تاريخ أجداده. وقد ترجمت هذه الرواية إلى عشر لغات، وأحرزت على جوائز مرموقة.

عدوانية العنصرية

يقول ديناو منغيستو أنه بدأ يحسّ بهويته الأثيوبية عند بلوغه سنّ الثالثة عشرة. فقد أخذ الأميركيّون البيض يتعاملون معه لا كـ”طفل لطيف”، وإنما كزنجيّ مهاجر. وقد مثّل ذلك صدمة عنيفة بالنسبة إليه إذ أنه اكتشف العنصريّة البيضاء التي ظلّت متخفيّة، ولم تبرز إلاّ عندما أدرك هو سنّ المراهقة.

وعوض أن ينهار نفسيّا، شرع ديناو منغيستو في ابتكار هويّة خاصّة به. هويّة تصدّ عنه عدوانيّة العنصريّة، وشراستها، ووحشيّتها مستندا في ذلك إلى الكتب التي تتحدث عن بلده الأصلي، أي أثيوبيا.

وشيئا فشيئا اكتسب هويته الجديدة مكتشفا في الآن نفسه أن الزنوج الأميركيين يغارون من الزنوج الأفارقة، ويعتبرونهم أوفر حظّا منهم في الدراسة، وفي الحصول على وظيفة.

الأميركيون تعاملوا معه لا كطفل أفريقي لطيف وإنما كزنجي مهاجر لذلك شعر بصدمة العنصرية في سن مبكرة

ومتحدثا عن عائلته، يقول منغستو “بصفة عامة كان والداي يتجنبان الحديث عن كلّ ما يتّصل بأثيوبيا. وصمتهما كان مقصودا. فهما لا يرغبان في فتح جراح قديمة. وبالتالي يمكن القول إنهما كانا يسعيان عن وعي إلى نسيان وطن لم يعيشا فيه حياة سعيدة. ولعلهما كانا يتذكران أثيوبيا بين وقت وآخر، غير أنهما كانا يخفيان ذلك”.

ويضيف قوله “كان عليّ أن أنتظر فترة النضج لكي أسألهما عن حياتهما السابقة، وعن المآسي التي تعرضا لها، والتي أجبرتهما على الهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية. وقد عدت إلى أثيوبيا عام 2005. غير أنني لم أتمكن من النفاذ إلى حياة الناس خصوصا وأنهم تعاملوا معي كما لو أنني أجنبيّ”.

العودة إلى الجذور

في روايته الجديدة التي حملت عنوان “كلّ الأسماء”، الصادرة حديثا في ترجمة فرنسية عن دار “البان ميشال”، يعود ديناو منغستو إلى جذوره الأفريقيّة من خلال شخصيّة “د..”، الذي تعلم اللغة الإنكليزية من قراءته لروايات ديكنز.

الرواية تمثل صورة مرعبة لتاريخ أوغندا في ستينات القرن الماضي

وقبل أن يشرع في كتابة روايته هذه، سافر إلى السودان عام 2006. وهناك التقى بمتمردين في دارفور كانوا جميعا مراهقين يحلمون بعالم أفضل لهم ولأبنائهم في المستقبل. وفي عام 2007، زار أوغندا ليكتب تحقيقا عن انتفاضة طلابية في العاصمة “كامبالا”، وتحديدا في مبنى الجامعة التي احتضنت ندوة الكتاب الأفارقة التي انعقدت عام 1962، والتي حضرها كتّاب مرموقون من أمثال النيجيريين وول سوينكا، وشينوا أشيبي.

وقد لمس منغستو خلال زيارته تلك رغبة الشبان الأفارقة في الحرية، وفي القضاء على كلّ أشكال الاستبداد. وعند عودته إلى الولايات المتحدة الأميركية، قرأ رائعة الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”، ليجد في شخصيّة بطلها مصطفى سعيد ما أوحى إليه بابتكار شخصية روايته “كلّ الأسماء”، الذي يصل إلى أوغندا ليخلص من اسمه، وليسعى منذ ذلك الحين إلى تتبع مسيرة شاب ثوري من أوغندا يدعى إسحاق.

من خلال شخصيته إسحاق في رواية “كلّ الأسماء” يرسم لنا منغستو صورة مرعبة لتاريخ أوغندا في الستينات من القرن الماضي، وتحديدا في الفترة التي سبقت سيطرة الطغاة والعسكريين على السلطة.

وعندما تتأزم الأوضاع في أوغندا، يفرّ إسحاق إلى الولايات المتحدة الأميركية ليستقر في مدينة “ميدواست”. وهناك يلتقي بهيلين التي تعمل في إدارة اللاجئين، والتي تقوم بفحص ملفه الذي كان شبه فارغ. وسرعان ما تنشأ بين الشقراء الأميركية وبين الزنجي المهاجر قصة حبّ عنيفة.

ويقول ديناو منغيستو “لقـد أدركـت أنـه إذا ما ابتغيت الكتابة عن المهاجرين الذين يفرون من بلدانهم، فإنه ينبغي عليّ أيضا أن أهتمّ بمصير أهل البلاد التي تستقبلهم، مثل هيلين التي تمثل شخصية جديدة في عالمي الروائي. وحضورها في روايتي الجديدة يسمح لي بأن أقدم صورة أكثر دقّة حول علاقتي بكل من أفريقيا والولايات المتحدة الأميركية”.

ويضيف منغيستو: “إن الكتابة تعني بالنسبة إليّ العثور بكل بساطة عن الرابط بين مدينة أميركية صغيرة، وجامعة في العاصمة الأوغندية كامبالا. كما تسمح لي الكتابة بأن أقول إنني ثمرة قصص وثقافات قد تبدو مختلفة غير أنها تلتقي في النهاية ليس فقط في كتابتي، وإنما أيضا في هويتي”.

14