دينية الحزب الواحد

الأحد 2016/07/10

في نقاش مع المغرد السعودي المتميز منصور البلوشي، رأى أن الإرهاب ليس حصرا على الإسلامويين مستشهدا ببشار الأسد “البعثي العلماني”، وكان رأيي أن حزب البعث ليس حزبا علمانيا وفي هذا التفصيل. ففي فيلم وثائقي عن صدام حسين، تم عرض تسجيل لإحدى مؤتمرات حزب البعث، كان صدام يوزع تهم الخيانة تمهيدا للإعدام، قام أحد الأعضاء المغضوب عليهم “أنا لست خائنا ولم أدعم الإسلاميين، أنا دعمت حلقة تحفيظ القرآن، كتابنا المقدس”، فرد عليه صدام بحسم “ميثاق حزب البعث هو كتابنا المقدس”، وأذكر أن اسم الفيلم هو “العائلة” وقد أنتجته قناة العربية في بداياتها.

وحين اندلعت الثورة السورية، نقل لنا يوتيوب مقاطع مؤلمة جدا، حيث كانت عناصر الأمن السوري تعذب المعارضين وتجبرهم على أقوال أو أفعال لها خلفيات دينية، كالسجود لصورة بشار الأسد، وقول “لا إله إلا بشار”، وهذا مواز لقول صدام “ميثاق البعث هو كتابنا المقدس”.

بالنظر إلى مسيرة حزب البعث، سواء في العراق أم في سوريا، نلحظ نمطا سلوكيا وسلطويا واحدا، فالحزب لا يصل إلى الحكم إلا عبر انقلابات عسكرية، وتتشكل عصبية حكمه عبر تحالف أقلّوي، السنة في العراق والعلويون في سوريا، وهنا وهناك قامت دولة الحزب الواحد، وفي إطار محاربة الإسلامويين تم استهداف الإسلام نفسه، فخوى موقع الدين في الحياة العامة، وبما أن الطبيعة لا تقبل الفراغ، حل الحزب الواحد محل الدين وظيفيا في الحياة العامة، وهذا ما يفسر المشاهد التي سردناها أول المقالة في العراق وفي سوريا، ولا أستبعد قابلية هذا التحليل لاستيعاب الاتحاد السوفييتي البائد.

بمعنى، رغم العلمانية النظرية لحزب البعث، إلا أنه عمليا حزب ديني، قد تتبدل مفردات هنا وهناك، لكن المعنى واحد، وقد يتباين مسلك بين هذا وذاك، لكن النتيجة واحدة، لا فرق بين التكفير وبين الخيانة، ولا فرق بين التعذيب وحدّ الحرابة، ولا فرق بين الإعدام وحدّ الردة، وعلى صعيد الأشخاص يتعامل البعثيون مع صدام حسين وحافظ الأسد وابنه وميشيل عفلق كما يتعامل الإسلامويون مع ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب وحسن البنا.

لذلك، عندما كتبت مرارا هنا عن العلمانية، قلت إنها ليست تعريفا منزوعا من سياقه القيمي والتاريخي، وليس هناك شيء اسمه “العلمانية الجزئية” وفق اصطلاح عبدالوهاب المسيري، إنّما العلمانية “فصل الدين عن الدولة” أو “نظام أخلاقي واجتماعي يقوم على اعتبارات الحياة المعاصرة وتبني المدنية والمواطنة، ورفض تدخل المؤسسة السياسية في أمور الاعتقاد ورفض تدخل المؤسسة الدينية في أمور السياسة” مفهوم متسلسل يرتبط بالحداثة وبالليبرالية وبالديمقراطية وبحقوق الإنسان وبالمواطنة، وإذا جرت محاولة لتبنّي مفهوم بعينه معزولا عن المفاهيم المتصلة به، فإن النتيجة ستكون مشوّهة ومأساوية حكما وحتما.

ونتائج العلمانية الخاوية شاهدناها في غير دولة عربية كتونس وسوريا وغيرها، أي اختصار العلمانية في محاربة الإسلامويين ورفض تطبيق الحدود الإسلاموية، وشاهدنا النتيجة الكارثية التي حاقت بتلك الدول. ومن هذا المنظور، أقول نعم في عالمنا العربي اليوم لم نجد علمانيا أو ليبراليا رفع السلاح أو شكّل ميليشيا لتطبيق الليبرالية الحقة أو للدعوة إلى العلمانية الصافية، والتجارب التي شاهدناها زمن الاستعمار تندرج في إطار معركة التحرير لا الدعوة الأيديولوجية، بل إنني لم أر سيادة نمط العمليات الانتحارية إلا في جماعتين تتناقضان نظريا وتتماثلان موضوعيا، الإسلامويون واليساريون.

وفي هذا السياق، ألفت النظر إلى ملاحظة أخرى، وهي سلوك بعض “الملحدين” في دول الدين الواحد، حيث بدا لي غريبا من خلال بعض النقاشات الإلكترونية والفكرية، تعامل بعض الملحدين مع الإلحاد كمنظومة دينية بديلة من الناحية الموضوعية، وهذا أمر مثير للعجب من تفسيراته سخرية الأقدار.

صحافي سعودي

5