دين الشعب ووجدانه

الأربعاء 2015/07/08

في تعقيب للمفكر العراقي، الدكتور عبدالجبار الرفاعي، على خبر وفاة أحد المثقفين البغداديين، قال جملة بدت لي بقدر غموضها تفتح أفقا لمساءلة مسارات تمثل أشكال التدين الإسلامي اليوم، قال “هو العلوي في زمن التدين الأموي”. لم أفهم المقصود بصفة “الأموي” تحديدا، تمثلتُ الأمر كسعي إلى فهم الشذوذ العقدي، المتطرف في سفك الدماء، في مقابل المظلمة التاريخية للعلويين؛ لكن ثمة وصف أقرب إلى المنطق هو “التدين الخارجي” الذي أسس لمفهوم الحاكمية، وهي أصل كل المظالم تجاه سكينة الجماعة، وثمة “التدين الوهابي” في مقبل التدين “الأشعري” الأكثر اعتدالا، وقبل ذلك وبعده ثمة وجوه لـ”التدين السني” في مقابل “التدين الشيعي”.

هل يمكن اليوم بناء فهم للدين خارج التوصيفات والانتماءات الغارقة في السياسة والتاريخ؟

الشيء الأكيد اليوم أن للعامة دينها الرمادي، الحاضر الغائب، الكاره للثقافة، الذي هو شيء مختلف عن دين الحكام، ودين المعارضين البراغماتيين، أو المتمردين الطامحين للسلطة، هو دين ملتبس، بعيد كل البعد عن التوصيفات الكلاسيكية للمذاهب والطوائف، فطري وتطهيري، كابح للضغائن، وانتقامي، متسامح وعنيف في الآن ذاته، يتجاوز عن استهلاك المخدرات واغتصاب القاصرين، لكنه يخرج في مظاهرات صاخبة للتنديد برواية (كوليمة لأعشاب البحر) لم يقرأها، والمطالبة برأس أديب (كسلمان رشدي) لا يفهم لغته، ولتهديد عشرات التشكيليين والسينمائيين لأنهم صوروا أجسادا عارية.

التدين الشعبي هذا، المناهض لكل أشكال الثقافة والتعابير الجمالية، هو ما يصطلح عليه اليوم بالحاضنة الاجتماعية للإرهاب، لأنه تحول إلى ثقافة مكتفية بذاتها، غارقة في الشكليات الدينية، ونصوصها، التي تكتسح فضاءات العمل والخدمات والشارع العام، وبمكبرات للصوت، لهذا فإن من أكثر العبارات مخاتلة وإثارة للحنق، عزيزي القارئ، عبارة “وجدان الشعب”، لا سيما حين تداهمك في بيان لحركة سياسية طفولية، عندئد تبدو بالغة العتاقة، شعبوية ومغرقة في الديماغوجية.

الشيء الأكيد أن الشعب لا جسد له ولا أطراف ولا وجدان ولا خيال ولا عقل…، إلا على سبيل المجاز البعيد، وإلا فإنني أعرف أناسا كثرين مستعدين للتأكيد أمام “الشعب” أنهم لا يشكلون جزءا مما يسمى بوجدان الشعب، إذن فهي عبارة ترد في سياق التدليل على مشروعية حركة أو مطلب أوتصور سياسي، يعاني من نقص في الصلابة، وضمور لمنطق الإقناع، وهي تتسم بالتعميم الأعمى بحيث تشملك أنت وعائلتك، وأصدقاءك… تشملكم جميعا، رغم أنفك، مع العلم أن السواد الأعظم من الشعب إياه، ليست له ميول “وجدانية”، ولا يستسيغ المعجم الرومانسي لهذا التيار شبه المنقرض، لكن ضرورة المخاتلة السياسية تحشره حشرا في ذلك.

كاتب من المغرب

15